|
تصنيف الخبر: مـقـالات وآراء
بتاريخ : 30-11-2009 - 08:16 PM
تعليقات : 1 | |
|
|
|
|
وداعاً لصواريخ المقاومة د. عبدالحميد الأنصاري::
|
قبل سنة و5 أشهر وتحديداً في 23/6/2008 كتبت مقالة بعنوان: 'هل نقول وداعاً لسلاح المقاومة؟' بمناسبة نجاح الجهود المصرية والضغوط الأميركية في إقناع إسرائيل بقبول اتفاقية للهدنة لمدة 6 أشهر قابلة للتجديد تلتزم خلالها «حماس» وفصائل المقاومة بعدم القيام بأي عملية ضد إسرائيل، وفي المقابل تقوم إسرائيل بفتح المعابر بينها وبين القطاع لتمرير البضائع والغذاء والدواء ومواد البناء. كانت «حماس» في حينها متلهفة للتهدئة وبحاجة ماسة إلى فترة تلتقط فيها أنفاسها وترسخ سلطتها عقب انقلابها الكارثي على السلطة وتحريرها غزة، احتفلت بالنصر وسجدت شكراً لله وسمته التحرير الثاني لغزة، لكن هذا الانتصار كلف 70 قتيلاً والمئات من الجرحى وتم رمي الطباخ المسكين من الطابق 15، وحرصت «حماس» بعد انقلابها على التزام التهدئة 7 أشهر، وحرص قادتها على طمأنة إسرائيل بأنه (لا هجمات من غزة) وسعت عبر وسطاء عرب وغربيين لعرض هدنة على إسرائيل التي كانت ترفض لعدم ثقتها بـ«حماس»، فمن ينقض العهد مع أخيه ينقضه مع عدوه، لكن «حماس» وجدت نفسها في عزلة عربية ودولية، والفشل يحيط بها، والشعب محاصر، والخدمات متوقفة، والمصانع معطلة والكهرباء مقطوعة، وأكثر من 140 ألف عامل لا عمل لهم، والمساعدات شحيحة بينما غريمتها «فتح» تحقق النجاحات في مجال التنمية في الضفة، وهي تكتسب مزيداً من الشعبية بينما شعبية «حماس» تتراجع.
وكادت المفاوضات بين السلطة وإسرائيل بعد مؤتمر أنابوليس أن تحقق أهدافها وتقرب حلم الدولتين، فماذا تفعل «حماس» لتغيير المعادلة وتفجير الوضع وإرسال رسالة لأميركا بأنها رقم صعب لا يمكن تجاهله، وأنه لا سلام ولا تفاوض دونها؟! قامت بإطلاق بضعة صواريخ بهدف قطع الطريق على المفاوضات ليأتي الانتقام الإسرائيلي الرهيب، لكن الجهود المصرية والأميركية نجحت في النهاية في التهدئة التي دخلت حيّز التنفيذ في 19\6\2008.
جاءت هذه الاتفاقية كطوق نجاة لـ«حماس» ولكنها- وبعد مرور الأشهر الستة على التهدئة ولاعتبارات بعضها داخلي يتعلق برفض الفصائل للتهدئة ومهاجمتها لـ«حماس» لقبولها الهدنة وبعضها خارجي يتعلق بالداعم الإيراني- وجدت ألا مصلحة لها في تجديد الهدنة فقامت بالتحرش بإسرائيل واستدراجها لشن عدوانها الهمجي، وذلك بإطلاق 22 صاروخاً على المستوطنات فور انتهاء الهدنة، وقبيل زيارة ليفني إلى مصر قطعاً لأي إمكانية مصرية للضغط على إسرائيل بضبط النفس، وتعجلاً لمعركة هي غير مستعدة لها، فكان ذلك العدوان الوحشي الذي استمر ثلاثة أسابيع وذهب ضحيته أكثر من 1500 شهيد و5500 جريح غير التدمير الهائل والخسائر المقدرة بـ2 مليار دولار.
وبدلاً من أن تعترف «حماس» بخطئها وتتحمل مسؤوليتها قامت باتهام العرب، ووجه خالد مشعل خطابه لحكام العرب محملاً إياهم مسؤولية موت كل فلسطيني في غزة! فالجرأة في الاتهام والقدرة على المراوغة والتهرب من المسؤولية سمات أصبحت ملازمة لقادة «حماس» وإلا فإننا نتساءل: هل استشرت حكام العرب يا مشعل عندما أطلقت صواريخك العبثية؟! وللمرء أن يدهش من استغفال «حماس» للعرب حينما سارعت إلى إعلان انتصارها بعد وقف إطلاق النار وانطلقت المسيرات احتفاء بالنصر، وأطل هنية من مخبئه الحصين ليعلن النصر الإلهي الرباني!
لاعجب فقد سبقه «حزب الله» حينما أعلن انتصاره الإلهي من فوق الركام والتدمير الذي لحق بلبنان!! ما كان أغناهم عن هذا العبث، ولكن ما أرخص دم الإنسان عند الجماعات الأيديولوجية، فلا قيمة للبشر عندهم، ألم يقل أحد الرموز الإسلامية: إذا كانت إسرائيل لديها القنابل الذَرّية فعندنا القنابل الذُرّية (البشرية)؟ ألم يقل أبومرزوق: إذا خسرنا 1500 شهيد فإن بناتنا الحرات أنجبن خلال العدوان 3500 طفل فلسطيني.
لا أهمية للخسائر البشرية، المهم بقاء قادة «حماس» أما البشر فيمكن تعويضهم، إنها أرحام تدفع، حتى قال قائلهم 'الإنجاب هو أقوى أسلحتنا'! وللمرء أن يتساءل كما تساءل الذايدي: أهؤلاء يتحدثون عن مشروع لإنتاج الدواجن؟! لعلنا نتذكر وقبيل الحرب العدوانية صيحات أبومازن وتوسلاته: نقول لمن يطلق الصواريخ توقفوا، لا تعطوهم ذريعة ليدمروا البلد، يجب وقف الصواريخ العبثية التي تؤدي إلى العذاب الجماعي.
لكن «حماس» أصمت أذنيها وتسابق عناصرها في اتهام أبومازن بالخيانة، حتى قال قائلهم: دعني أدخل به الجنة! وصرح الزهار ومن دون أي خجل: لو انسحبت إسرائيل من الضفه فإن «حماس» ستحتلها، فهم يفضلونها بيد إسرائيل على تحريرها بيد عباس.
هكذا وصل اللدد في العداوة والبغضاء! لكن كل ذلك تاريخ مضى وانطوى، و«حماس» اليوم تقبل كل ما كانت ترفضه بالأمس، فـ«حماس» اليوم (حاكمة) هي غير «حماس» بالأمس (المقاومة)، و«حماس» اليوم تسعى بكل همة للتفاوض وهي تبرره سياسياً وشرعياً، فقال مفتيها يونس الأسطل في رده على مفتي الجهاد الذي حرم التفاوض: ما الذي يمنع محاورة إسرائيل؟! ليست المشكلة في الحوار، المشكلة فيمن يحاور، السلطة الفلسطينية ليست عندها حصانة إيمانية ولا وطنية!! معنى ذلك أن «حماس» لا ترفض التفاوض مع إسرائيل لكنها تريد أن تكون هي المفاوض باسم الفلسطينيين.
وكان مشعل قد صرح لصحيفة أميركية بقبوله دولة فلسطينية بحدود 1967، ومنذ أيام قال عباس إن عناصر من «حماس» فاوضت سراً في جنيف شخصيات غربية وأميركية حول دولة موقته وعبر هدنة 15 سنة، وسواء صح ذلك أو لم يصح فالسؤال: أين ميثاقك الداعي يا «حماس» إلى محو إسرائيل عبر سبيل الجهاد لا غير؟! «حماس» التي كانت في الماضي تنشط في إطلاق الصواريخ وإرسال الانتحاريين هي التي تنشط اليوم في منع الفصائل الفلسطينية من إطلاق الصواريخ بالقوة وتفتش عنها في كل زاوية في القطاع، حتى أن (يادين) رئيس شعبة المخابرات الإسرائيلية صرح بأن الهدوء الأمني الذي تعيشه إسرائيل في السنة الأخيرة يرجع إلى أن «حزب الله» يضمن هذا الهدوء في الشمال و«حماس» تقوم بضمان هذا الأمن في الجنوب، إذ تمنع إطلاق الصواريخ بالقوة.
«حماس» التي كانت تهاجم عباس لمطالبته بعدم إطلاق الصواريخ هي التي تصرح اليوم وعلى لسان وزير خارجيتها أنها أوقفت إطلاق الصواريخ بالتوافق مع الفصائل! والحقيقة أن «حماس» خاضت حرباً شرسة لإرغام الفصائل على التقيد بأوامرها، ولم تتردد لحظة في البطش بجماعة جند أنصار الله، وزعيمها الذي تحدى «حماس» وأعلن قيام الإمارة الإسلامية لتحرير فلسطين التاريخية كاملة، ورفض التوقف عن إطلاق الصواريخ وتحصن بمنزله، لم تتورع «حماس» من نسف منزله المكون من 4 طوابق بكل من فيه.
«حماس» اليوم أصبحت الحاكمة والمهيمنة على القطاع و(منطق الحكم) غير منطق (المقاومة) ومن لا يدرك ذلك أومازال يتشكك في هذا الأمر فإنما يعيش في أوهام المقاومة، وهو إما أن يكون ساذجاً وإما متحزباً وإما حالماً، لقد استطاعت «حماس» تقليم أظافر كل فصائل المقاومة التي كانت تنازعها السلطة، و«حماس» (الحاكمة اليوم) تريد أن تبعث رسالة إلى أميركا وتقول: دعكم من السلطة ومن عباس فأنا الطرف الفلسطيني الأقدر والأضمن، فهل نقول وداعاً لسلاح المقاومة ووداعاً لصواريخها؟!
بطبيعة الحال نحن مع منع إطلاق الصواريخ العبثية التي كان ضررها أكبر من نفعها، وقد جرت الخراب والدمار والمعاناة لسكان غزة، لكن سؤالنا لـ«حماس»: إذا كنتم اليوم قد أصبحتم تفاوضون إسرائيل وتقبلون بدولة مؤقتة وتمنعون إطلاق الصواريخ، ففيم تخوينكم لعباس؟! ولمَ عداؤكم للسلطة؟ وفيم رفضكم للمصالحة؟!
*كاتب قطري
|