مشاهدة النسخة كاملة : ياســــــــر عــرفــات من الثورة إلى الدولة


ZLZAL ALSHMAL
18-06-2006, 11:26 AM
http://www.alsbah.net/alsbah_nuke/modules/htmlarea/upload/admin_484.jpg

ياســــــــر عــرفــات من الثورة إلى الدولة

الفلسطيني ياسر عرفات، فتاريخ الرجل مرتبط بتاريخ القضية الفلسطينية وخاصة على مدى العقود الأربعة الأخيرة، فهو بحق رجل المرحلة عاشها بكل تفاصيلها ودقائق أمورها. فقد كان بارعاً في قيادة المعركة وإدارة الكفاح المسلح مثلما كان بارعاً في إدارة النضال السياسي، ويدرك تماماً كيف يتعامل مع الحلفاء والأصدقاء، ويعرف أيضاً كيف يتعامل مع الأعداء والخصوم.

هو رجل الثورة ورجل الدولة، ديكتاتوري صلب بالقدر الذي يضمن تماسك الساحة الفلسطينية، وديمقراطي منفتح بالقدر الذي يتيح لخصومه التعبير عن آرائهم.

فلسطيني ينظر إلى أمته العربية من منظار فلسطين، وعربي ينظر إلى فلسطين من منظار القومية العربية.

عاش حياة مليئة بالحركة والديناميكية والانتقال، وكانت الطائرة بيته المتنقل وخيمته المتحركة وهو يأبى أن يحط الرحال إلا في القدس بعد تحريرها. وأيضاً كان رمزاً للصمود والثبات في مواجهة الأعداء في عمان وبيروت وطرابلس ورام الله..

عرفته العواصم العالمية والعربية مثلما عرفته المخيمات والجبال، التقى زعماء العالم وهو يقرع ناقوس الخطر المحدق بفلسطين ويحمل غصن الزيتون رمزاً لفلسطين وبندقية الثائر رمزاً لثورتها، ويعيش مع أشباله ومقاتليه يبعث فيهم الإصرار والتحدي وأمل الانتصار.

احتل المساحة الأكبر في كافة وسائل الإعلام العالمية والعربية إلا أنه يرفض الحديث عن حياته الشخصية ولم يكن يرى نفسه إلا مناضلاً فلسطينياً وهب حياته ثمناً لحرية وطنه وشعبه.

ولكنه الرجل الأسطورة الذي جسد النضال الفلسطيني المتواصل. ولا بد من التعرف على هذا الرجل الأسطورة "ياسر عرفات، أبو عمار" قائد كفاح الشعب الفلسطيني نحو الحرية والاستقلال والتحرير.

مدخــــل

أحاط الرئيس عرفات حياته الخاصة بكثير من السرية، وكان يرفض دائماً التحدث عن نفسه وعن حياته وكان يرى نفسه واحداً من أبناء شعبه ولا يرغب في تمييز نفسه عنهم فقضية فلسطين هي قضية كل الشعب الفلسطيني وليست قضية ياسر عرفات وحده.

وقد التقت وجهـة نظـر الرئيس عرفـات هذه مع ضرورات العمل الثوري السري الذي بدأه مع إخوانه في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن العشرين.

أما رجال الصحافة والإعلام الذين التقوا الرئيس عرفات خلال العقود الأخيرة فقد فشلوا في الحصول على سيرته الذاتية بالرغم من إصرارهم على معرفة ذلك.

وهذه السرية التي أحاطت بحياة الرئيس عرفات جعلت المعلومات عن حياته متناقضة ومختلفة بل وقد أتاحت المجال واسعاً أمام أعدائه وخصومه لينسجوا قصصاً ومعلومات من وحي خيالهم ومصالحهم حول حياة الرئيس عرفات.

وكثيراً ما كانت هذه القصص والمعلومات مغرضة وغير صحيحة ولا هدف لها إلا تشويه سيرة الرئيس عرفات.

من هو الرئيس ياسر عرفات؟

لم يتفق المتتبعون لسيرة الرئيس الفلسطيني على كثير من الخطوط العامة لحياته، ويبدأ الاختلاف من اسم الرئيس الحقيقي ومكان وتاريخ ولادته، وهنا نود أن نستعرض عدداً من الروايات التي تتحدث عن ذلك.



1/ الرواية الأولى:

يقدمها إلينا الكاتب الأمريكي( توماس كيرنان) في كتابه الخاص عن سيرة الرئيس عرفات والذي أصدره عـام 1975 باسم "عرفات بين الأسطورة والواقع ".

جاء في الكتاب أن ياسر عرفات هو: عبد الرحمن بن عبد الرؤوف القدوة، ولد في القاهرة في 27/8/1929، وهو من أسرة قرشية كانت تعيش في سورية أثناء الحروب الصليبية ثم انتقلت بعد تحرير فلسطين إلى مصر واستقر فرع منها هناك بينما انتقل فرع من العائلة ليستقر في غزة أواخر القرن السابع عشر، والرئيس عرفات ينتمي لهذا الفرع من العائلة. وإنما ولد في القاهرة حيث كان والده تاجراً يتنقل بين القاهرة وغزة والقدس بسبب تجارته، وهو واحد من سبعة أشقاء، ويرتبط الرئيس عرفات مع عائلة الحسيني المقدسية بنسب عن طريق والدته حميدة محمود الحسيني.

نكتفي بهذا الاستعراض من رواية توماس كيرنان مع الإشارة إلى أن كتاب "عرفات بين الأسطورة والواقع" الذي يتحدث من خلاله كيرنان عن حياة الرئيس عرفات منذ ولادته وحتى انطلاقة فتــح 1965 مليء بالمغالطات والتشويه المتعمد في كثير من مجريات التاريخ الفلسطيني عموماً. وقد ثبت فيما بعد خلاف ما جاء في الكتاب من معلومات غالباً.

2/ الرواية الثانية:

وردت الرواية الثانية في كتاب "ثلاثون عاماً من العبث" للكاتب الفلسطيني عبد الرحمن غنيم عام 1987 ويرى غنيم أن الرئيس عرفات ينتمي إلى عائلة القدوة التي تعود بأصولها إلى قرية قدوة في المغرب، حيث هاجرت هذه العائلة إلى مصر. غير أن أحد أفرادها انتقل إلى فلسطين مع حملة إبراهيم باشا عام1830واستقر هناك وأسس عائلة له فيها، بعض هذه العائلة أقام في يافا والبعض الآخر أقام في عبسان شرقي خان يونس.

أما الرئيس عرفات فهو من الفرع المصري للعائلة وهو ليس فلسطينياً، ويستدل من ذلك أن الرئيس عرفات ولد في القاهرة.

3/ الرواية الثالثة:

وردت في كتاب "المنظمة تحت المجهر" للكاتبة البريطانية هيلينا كوبان الصادر عام 1984 ويذكر أن الاسم الحقيقي للرئيس عرفات هو عبد الرحمن عبد الرؤوف عرفات القدوة الحسيني المولود في كانون الأول عام 1929.

4/ الرواية الرابعة:

أوردها رياض نجيب الريس ودنيا حبيب النحاس في كتابهما الصـادر في بيروت عام 1976 بعنوان "المسـار الصعب"، ولا تذكر هذه الرواية الاسم الحقيقي للرئيس عرفات لكنها تذكر أنه ولد في القدس عام 1929 وهو واحد من عشر أخوة أنجبهم والده من زوجتين.

5/ الرواية الخامسة:

جاءت هذه الرواية في كتاب يتحدث عن الجاسوس الصهيوني في دمشق إيلي كوهين، لم نتمكن من الحصول على اسم الكتاب أو اسم مؤلفه. يذكر الكاتب لمحة عن حياة الرئيس عرفات في إطار حديثه عن المقاومة الفلسطينية، وما يهمنا هنا أن الرئيس عرفات ولد في القدس عام 1929.

6/ الرواية السادسة:

جاء في مجلة المجلة الصادرة في لندن العدد 724 تاريخ 26/12/93 وذكرت أن عرفات ابن لتاجر فلسطيني اسمه عبد الرؤوف القدوة وقد ولد في القدس في 4/8/1928.

7/ الرواية السابعة:

تحدثت مجلة روز اليوسف المصرية في عددها الصادر في 6 /4 /2002 مطولاً عن الرئيس عرفات تحت عنوان "مسيرة مناضل، الشهيد الحي" جاء فيها أن الرئيس عرفات هو "محمد ياسر عبد الرؤوف القدوة الحسيني" المولود في القدس بتاريخ 4/8/1929والدته "زهوة" وهو الولد الخامس بين سبعة أشقاء هم إخوانه من أبيه وأمه، وتذكر المجلة أيضاً أن والده تزوج بعد وفاة زوجته الأولى فأنجب ثلاثة أبناء ليصبح مجموع أخوة الرئيس عرفات عشرة أفراد ستة من الذكور وأربع إناث.

8/ الرواية الثامنة:

وهي بمثابة الرواية الرسمية فلسطينياًُ وهي مأخوذة من موقع الرئيس عرفات على الإنترنت وتقول أن الرئيس عرفات هو "محمد ياسر عبد الرؤوف القدوة الحسيني" ولد في القدس بتاريخ 4/8/1929م.

• أخــــيراً:

تعددت روايات التعريف بالرئيس عرفات ونحن أقرب بقناعتنا إلى الرواية الرسمية ورواية مجلة روز اليوسف من الروايات الأخرى مؤكدين على نقطتين مهمتين:

أولاً- الاســم:

سواء كان الاسم الحقيقي للرئيس عرفات هو ياسر أو محمد ياسر أو عبد الرحمن فإن ذلك لا يؤثر سلباً على حياة الرئيس عرفات وهو الذي عاش حياته تحت أسماء حركية كثيرة شأنه في ذلك شأن الكثيرين من الثوار الذين خاضوا الثورة من أجل تحرير أوطانهم. وفي تاريخنا المعاصر مثال واضح على ذلك هو الرئيس الجزائري هواري بومدين الذي عاش ومات تحت هذا الاسم وظل اسمه الحقيقي " محمد بوخروبة " خاصاً به لا يعلمه إلا المقربون، وذلك لا يضير الرئيس الجزائري في شئ .

ثانياً- الـولادة:

ما بين القاهرة والقدس اختلف المتتبعون لحياة الرئيس، فهل ولد الرئيس عرفات في القاهرة أم في القدس؟

لا نرى مبرراً لقيام الرواية الرسمية الفلسطينية بإخفاء مكان ولادة الرئيس عرفات فيما لو كان ولد في القاهرة، ولا يزيد من التفاف الشعب الفلسطيني حوله فيما لو كان قد ولد في القدس. ولطالما أن القدس هي مكان ولادته في الرواية الرسمية فإننا سوف نعتمده ويؤكد لنا صحة هذه الرواية أنه قد تم طرحها أيضاً من قبل الروايات التي اعتمدت القاهرة مكاناً لولادة عرفات كأحد الاحتمالات وأخيراً تم استبعادها لأسباب خاصة بكاتب الرواية.

مثلاً (كيرنان) يعترف أن جميع من التقاهم من المقربين من الرئيس عرفات أخبروه أنه قد ولد في القدس وينقل ذلك أيضاً عن الرئيس عرفات ذاته، ولكنه استبعد هذا الخيار لاعتقاده أنهم قالوا ذلك رغبة منهم في ربط حياة الرئيس عرفات بالقدس لما لها من مكانة دينية لدى الفلسطينيين جميعاً.

والكاتب عبد الرحمن غنيم استبعد خيار القدس ليؤكد وجهة نظره بأن الرئيس عرفات مصري وليس فلسطينياً.

وإذا كان الاسم الحقيقي لياسر عرفات هو عبد الرحمن فمن أين أتى اسم ياسر عرفات؟

تتفق معظم الروايات التي لا ترى أن ياسر عرفات هو الاسم الحقيقي للرئيس الفلسطيني أن اختياره لهذا الاسم جاء على خلفية دينية إسلامية فقد أكد غنيم ذلك بينما أوردت هيلينا كوبان أن أبو عمار اختار اسم ياسر تيمناً باسم رجل من أصحاب رسول الله  ولعلها تقصد به الصحابي ياسر العنسي والد الصحابي عمار بن ياسر رضي الله عنهما.

أما الأمريكي كيرنان فقال أن أبو عمار اختار اسم ياسر تيمناً باسم أحد شهداء الثورة الفلسطينية عام 1936 وهو الشهيد ياسر البيراوي.

عائلة الرئيس ياسر عرفات

الرئيس ياسر عرفات واحد من عشرة أخوة أنجبهم أبوه عبد الرؤوف من زوجتين، الزوجة الأولى هي (زهوة) التي أنجبت سبعة أبناء هم: إنعام، جمال، يسرى، مصطفى، خديجة، ياسر، فتحي.

لكن هذه الزوجة توفيت عام 1933، فتزوج أبو جمال امرأة أخرى لم يتقبلها أولاده فطلقها بعد عدة شهور، وما لبث أن تزوج امرأة ثالثة مصرية الجنسية أنجبت له ثلاثة أبناء هم: محسن، ميرفت، مديحه.

أما توماس كيرنان فقد ذكر معلومات مغايرة تماماً لهذه المعلومات، فقال:" أن الرئيس عرفات واحد من سبعة أخوة من أم واحدة هي حميدة الحسيني"، ولم ينوه إلى وجود زوجتان أخريان لعبد الرؤوف وطبعاً لم يشر إلى وجود أخوة آخرين لعرفات.

حتى الأســماء التي أوردهـا كيرنان لا تلتقي مع ما ذكرته صحيفة روز اليوسف المصرية، ولا تلتقى مع ما صار معروفاً فيما بعد من حياة الرئيس ياسر عرفات. وهنا إذ نذكر الأسماء التي أوردها كيرنان فمن منطلق ذكر المعلومة ولكننا نتحفظ عليها لعدم ثبوت صحتها.. أما أخوة ياسر عرفات كما ذكرهم كيرنان فهم:

- بدر مطر: وهو اسم مركب للشقيق الأكبر لياسر عرفات، ولد في غزة عام 1920.

- فاطمة: وهي الأخت الكبرى للرئيس وثاني أفراد العائلة ولدت في القدس عام 1922.

- زيد عمر: الابن الثالث لعبد الرؤوف ولـد في يـافـا عام 1925.

- ناصر محمد: الأخ الرابع للرئيس عرفات ولد في القاهرة عام 1928.

- عبد الرحمن: وهو الرئيس عرفات ولد في القاهرة عام 1929.

- حسين: وهو الأخ الخامس للرئيس عرفات ولد في القاهرة عام 1933، وحسين هذا هو ذاته الدكتور فتحي عرفات.

- حليمة: الأخت الصغرى للرئيس عرفات ولدت عام 1934.

ولعلنا نرفض رواية توماس كيرنان لأن عائلة الرئيس عرفات كانت غير معروفة إعلامياً فنسج كيرنان روايته على هواه، ولكن أخوة الرئيس عرفات أخذوا دورهم في قيادة منظمة التحرير فيما بعد فالأخ الأكبر جمال عرفات كان أحد قادة فتح في الجزائر ثم عين سفيراً لفلسطين في السودان ثم اليمن، والدكتور فتحي عرفات هو رئيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، بينما تدير الدكتورة خديجة عرفات مشفى فلسطين في القاهرة، أما إنعام الأخت الكبرى فلا تزال تعيش في القاهرة إلى اليوم، وأخته حليمة المولودة عام 1934 - حسب زعم كيرنان - لا يمـكن أن تكون قد ولـدت بعد وفـاة والدتها 1933.

طفولة الرئيس عرفات

لم تكن طفولة الرئيس عرفات مثل طفولة أي إنسان آخر، وإنما تميزت عن سواها بأمرين أثرا فيها حتى انعكس ذلك واضحاً على حياة الرئيس فيما بعد.

- الأمر الأول: هو كون هذا الطفل نشـأ فلسطينياً في مرحلة شهدت فيها القضية الفلسطينية بداية العدوان الأنكلو- صهيوني لانتـزاع الأرض الفلســطينية من أصحابها وإعطائها لليهود المستجلبين إليها بفعل الخديعة والمكر، وأيضاً انتزاع الشعب الفلسطيني من أرضه وقذفه خارج وطنه لاجئاً في الشتات، فالخطر الأنكلو- صهيوني الذي يحدق بفلسطين شكل حيزاً هاماً من شخصية ياسر عرفات الذي تفتحت مداركه على الدنيا فكان خطر الإنكليز واليهود أول ما انطبع في عقله الغض الصغير.

- الأمر الآخر: هو أن الطفل عرفات نشـأ في كنف عائلة الحسيني بما تعنيه هذه العائلة من وطنية ونفوذ في التاريخ الفلسطيني المعاصر، فكما أن مداركه الأولى تفتحت على الخطر الإنكليزي اليهودي كذلك تفتحت على أن المقاومة المسلحة هي الرد الحقيقي على هذا الخطر.

ومن الشخصيات التي تركت انطباعاً في حياة الرئيس عرفات أثناء طفولته الشيخ يوسف عواد، وهو شيخ عجوز يتصل معه عرفات بصلة قربى عن طريق والدته، وكان مدرساً في أحد الكتاتيب المنتشرة في فلسطين آنذاك وعلى يديه تعلم الرئيس عرفات القرآن الكريم وبعض العلوم الضرورية كالقـراءة والحسـاب، وقد ترك أثراً طيباً في حياة الرئيس ياسر عرفات.

أيضاً كان للأستاذ ماجد الحلبي " وهو أستاذ الرئيس عرفات في المرحلة الابتدائية وأحد الثوار القسّاميين" أثر في تكوين الوعي الوطني، وقد ذكر الكاتب الأمريكي " توماس كيرنان" أن ماجد الحلبي هو الذي أطلق اسم ياسر على الرئيس عرفات نسبة إلى الشهيد ياسر البيراوي أحد رفاق الحلبي واستشهد في ثورة 1936.

أما الشخصية الأبرز في الحياة المبكرة للرئيس عرفات فهي شخصية القائد الشهيد عبد القادر الحسيني، والذي يرتبط معه بصلة قربى عن طريق والدته، وكان قد التقاه لأول مرة عام 1944في القدس ولم يكن قد تجاوز عرفات الخامسة عشر من عمره بعد، ولكنه نال إعجاب قائد قوات الجهاد المقدس عبد القادر الحسيني بسبب عنفوانه وتمرده فقرر تعينه مساعداً له في غزة على الرغم من صغر سنه مما منح عرفات بعداً جماهيرياً على صعيد مدينة غزة وعلى صعيد قوات الجهاد المقدس.

من المنطقي أن يتأثر عرفات كذلك بشخصية الحاج محمد أمين الحسيني مفتي فلسطين، والذي كان أيضاً زعيماً وطنياً فلسطينياً وقائداً للشعب الفلسطيني، وهو المرشد الحقيقي لقوات الجهاد المقدس التي قادها عسكرياً الشهيد عبد القادر الحسيني.

عندما وقعت النكبة وشرد الشعب الفلسطيني من وطنه شعر عرفات شأنه في ذلك شأن جميع الشبان الفلسطينيين أن معركة التحرير والعودة يجب أن تعتمد أساساً على الشعب الفلسطيني، ولذلك لابد من توحيد الصفوف والقوى ولا بد من تسليح الفلسطينيين لخوض هذه الحرب. وبدأ يشق طريقه مع إخوانه بعزيمة لا تلين نحو إحياء الشخصية الوطنية الفلسطينية في مواجهة المشروع الصهيوني الذي لا يعترف بوجود هذا الشـعب.

دراســة الرئيس عرفـات

تلقى الرئيس ياسر عرفات مبادئ القراءة والكتابة والحساب على يد الشيخ يوسف عواد إذ أنه تعلم القرآن وبعض أمور الدين والقراءة والكتابة قبل أن يلتحق بالمرحلة الابتدائية عام 1938، وظل يتدرج في دراسته ويظهر ميلاً باتجاه المواد العلمية فالتحق بعد نكبة فلسطين بكلية الهندسة المدنية في جامعة الملك فؤاد بالقاهرة عام1950 وتخرج منها عام1956.

لم يتمكن عرفات من ممارسة عمله كمهندس بسبب انخراطه في العمل الوطني وهو في مقتبل العمر، ولا يزال.

ياسر عرفات مناضلاً

نشأ الرئيس ياسـر عرفات نشأة دينية ووطنية، وكان مسكوناً بالهاجس الوطني استشعاراً بالخطر الداهم والذي يتهدد فلسطين، وقد تعلم أن الثورة هي الطريق للحصول على الحقوق.

يذكر توماس كيرنان أن عرفات انضم عام 1943 إلى منظمة العاصفة التي أسسها أستاذه ماجد الحلبي، والعاصفة منظمة عسكرية شبابية تضم طلاباً في مرحلة تكون الوعي الوطني، وقد قدر كيرنان عدد أعضاء المنظمة بخمسين عضواً غالبيتهم من الطلبة يقودهم ويدربهم ماجد الحلبي. وقد توزع أعضاء المنظمة في مراتب عسكرية منحهم إياها قائدهم ومدربهم ماجد الحلبي، تبدأ برتبة ملازم وتنتهي برتبة عقيد، طبعاً لم يكن ثمة عناصر في هذه المنظمة التي كان جميع أعضائها من الضباط المفترضين، وإذا صحت رواية كيرنان فإن هذه المنظمة ربما تكون مبادرة فردية من ماجد الحلبي استقطب من خلالها بعض تلامذته وأقربائهم، وإذا صدقنا رواية كيرنان فإننا نسـتدل منها على أحـد أسباب إطلاق ياسر عرفات اسـم " العاصفة " على القوات الضاربة لحركة فتح 1965.

في عام 1944 التقى عرفات مع القائد عبد القادر الحسيني في القدس وأبدا الحسيني إعجابه بـ "عرفات " الشاب المتحمس والثائر فقرر تعينه مساعداً له في مدينة غزة ولم يكن قد تجاوز الخامسة عشر من عمره. وظل عرفـات سكرتيراً خاصاً للحسيني إلى أن اندلعت حرب 1947- 1948 فاندفع عرفـات إلى القدس للدفاع عن المدينة غير أنه أصيب بجراح في رجله عام 1948 ومع السيطرة اليهودية على الجزء الغربي من المدينة توجه عرفـات إلى غزة ومنها إلى القاهرة، وما كان نضالُ عرفات لينقطع في القاهرة لذلك انضم إلى الإخوان المسلمين هناك حاله حال الشباب الفلسطيني عموماً الذي انخـرط في الأحـزاب العربيـة المختـلفة سعياً لتحرير فلسطين.

وهنا نود الإشارة إلى أن عدة مصادر تحدثت عن تلك الفترة والانتماءات الحزبية للقادة الفلسطينيين قبل انطلاقة الثورة المسلحة وقد أجمعت مختلف المصادر على أن عرفـات لم يكن ينتمي عضوياً إلى تنظيم الإخوان المسلمين وإنما كان مقرباً إليهم بسبب علاقاته الجيدة مع القيادات المحلية للإخوان المسلمين في غزة، وأياً كانت الحقيقة فإن الأهم من الانتماء العضوي لحركة الإخوان المسلمين كان الانتماء الفكري. وعندما تأكد لعرفات أن انتماءه للإخوان المسلمين لم يلبِّ طموحه بالعمل الثوري من أجل تحرير فلسطين توجه إلى الشباب الفلسطيني الرافض للخضوع والاحتلال والذي بدأ يخرج من الأحزاب العربية وقد خذلته جميعاً.

أما الذين يعتقدون أن عرفات لم ينتمي عضوياً للإخوان فيؤكدون أن عرفـات التقى مع عدد من كوادر الإخوان الخارجين عن أطرهم وانتمائهم التنظيمي من أجل القيام بعمل ثوري يهدف إلى تحرير فلسطين، وهنا يبرز المحور الأول في حياة الرئيس عرفـات سياسياً بل وفي حركة فتح عموماً ألا وهو شعار " فلسطين أولاً ".

عرفـات في جامعـة القاهـرة

انتسب عرفـات إلى جامعة القاهرة والتي كانت تعرف باسم جامعة الملك فؤاد عام 1950 لدراسة الهندسة المدنية، غير أن الجامعة لم تكن بالنسبة لـ "عرفات " مجرد ميدان دراسة أكاديمية بل كان ومعه الشباب الفلسطيني عموماً ينظر إلى الجامعة على أنها مرحلة نضال وطني مبكر.. لذلك عمل على تأسيس منظمة طلاب فلسطين عام 1952 والتي كانت مقربة من الإخوان المسلمين بحكم انتماء معظم أعضائها إلى تيار الإخوان.

غير أن هذه المنظمة بدأت بتغليب الجانب التنظيمي على الجانب الوطني باستبعاد الطلاب غير المنتمين إلى الإخوان من ضمن صفوفها مما دفع عرفـات إلى الانسحاب منها وتأسيس اتحاد طلبة فلسطين عام 1954 وظل عرفـات رئيساً لهذا الاتحاد حتى تخرج من الجامعة عام 1956.

التقى عرفـات خلال نضاله في اتحاد الطلبة أهم رفاقه الذين شكلوا النواة الأولى لحركة فتح (صلاح خلف، خليل الوزير، فاروق القدومي، وغيرهم..).. وعن نضالهما الطلابي في جامعة القاهرة يتحدث الشهيد صلاح خلف أبو أياد في كتابه:" فلسطيني بلا هوية " فيذكر:" أنه والرئيس عرفـات كانا بين الطلبة الفلسطينيين الذين تظاهروا في القاهرة واحتلوا مكاتب الجامعة العربية هناك تسعة وأربعون يوماً، وأن عرفـات كان مسؤولاً عن التدريب العسكري لطلاب كلية الهندسة عام 1951م".

عندما اندلعت حرب 1956 التحق الرئيس عرفـات بسلاح الهندسة في قناة السويس وشارك في الدفاع عن القناة إلى جانب إخوانه المصريين، وقد انعكست البطولات التي وقعت في حرب 1956 على شـعور الفلسطينيين بضرورة الحصول على السـلاح وانتهاج طريق الكفاح المسـلح من أجل تحرير فلسطين.

بعد تخرجه من جامعة القاهرة توجه الرئيس عرفـات على رأس وفد طلابي إلى تشيكوسلوفاكيا عام 1956 لحضور مؤتمر طلابي عالمي في العاصمة براغ، ضم الوفد كلاً من: صلاح خلف، خليل الوزير، زهير العلمي..

استغل عرفـات فرصة وجوده خـارج حدود الرقابة المخابراتية وتوجه إلى مدينة شتوتغارت الألمانية والتقى مع خالد الحسن الذي كان يقود تنظيماً صغيراً وهناك وضع الجميع اللبنات الأولى لحركة التحرير الوطني الفلسطيني " فتـح "، وكان عرفات قد حسم خياره بعد هذا الاجتماع بالسفر إلى الكويت للعمل في مجال البناء والهندسة ضمن جالية فلسطينية كبيرة وغنية وتتمتع بشيء من الحرية والمال... وهكذا كان.

عرفـات في الكـويت

كانت الكويت في منتصف الخمسـينيات من القرن الماضي بلداً يفتح ذراعيه للفلسطينيين الراغبين في العمل، فكانت شـركات النفط التي تسـتخرج نفط الكويت تحتاج إلى اليد العاملة، وكان الفلسطينيون اللاجئون خاصة يفتقدون أبسط متطلبات الحياة فقصد الكثير منهم الكويت للعمل.

عندما كان الرئيس عرفـات ورفاقه في شتوتغارت يتفقون على ضرورة العمل من أجل إيقاد شعلة الثورة لتحرير فلسطين كانوا يدركون أن الثورة تحتاج إلى مقومات هذا الاستمرار بل وإلى أهم مقومات الانطلاق. ومن أجل ذلك حسم عرفات ورفاقه خيارهم بالانتقال إلى الكويت وهم يطمحون بتحقيق هدفين:

1- الالتقاء مع القوى الفلسطينية الفاعلة في دول الخليج.

2- الحصول من الفلسطينيين وبعض الشخصيات الخليجية المتعاطفة مع القضية الفلسطينية على الدعم المالي الذي يمكنهم من تفجير الثورة المسلحة.

قبل أن يصل عرفات إلى الكويت قطع صلاته كلياً بحركة الإخوان المسلمين وزار قطاع غزة والقاهرة، وانتقل أخيراً إلى الكويت، حيث أسـس عرفـات فيها شـركة تجارية باسـم (شركة فلسطين الحرة للبناء) وهي شركة للمقاولات والبناء استخدمها عرفات لاستقطاب العمال الفلسطينيين القادمين للعمل في الكويت، وقد اشترط عرفات على كل فلسطيني يريد العمل في هذه الشركة أن يتبرع بمبلغ من مرتبه الشهري دعماً للقضية الفلسطينية.

وقد تحولت هذه الأموال مع ما تبرع به الفلسطينيون في قطر والسـعودية إلى ميزانية أولية لحركة فتـح والتي كانت لا تزال في مرحلتها الجنينية.

عرفــات

وحركة التحرير الوطني الفلسطيني " فتح "

لا يمكننا التحدث عن دور عرفـات في تأسـيس حركة فتح من غير أن نتطرق إلى ظروف نشأة الحركة. فقد ساد لدى اللاجئين الفلسطينيين شعور بأن من أهم أسباب النكبة التي حلت بهم هو غياب الشخصية الوطنية الفلسطينية التي تخوض معركة من أجل تحرير فلسطين وليس من أجل ذر الرماد في العيون، أو تطبيق القرارات الدولية التي ضيعت فلسطين.

افتقد الفلسطينيون هذه القيادة كما افتقدوا السلاح وافتقدوا أيضاً الدعـم العربي الحقيقي، وعزز من وجهة نظرهم هذه خذلان الأحزاب العربية المختلفة لهم بعد النكبة، فقد اندفع الفلسطينيون للانضمام إلى الأحزاب العربية التي رفعت شعار تحرير فلسـطين وبخاصة بعد أن أظهرت الأنظمة عجزها.

أما الأحزاب العربية فقد انشغلت في خلافاتها العقائدية وخلافاتها السياسية والتنظيمية مما فرق الفلسطينيين بدل أن تجتمع كلمتهم.

لذلك بدأ الشبان الانسحاب من هذه الأحزاب ليبحثوا عن طريق تحرير فلسطين، فكانت فتـح فكرة في عقول وتفكير الكثيرين منهم حتى بادر فتية منهم إلى العمل لنقل فتـح من مجرد فكرة إلى واقع.

والرئيس عرفـات اتحدت حياته الشـخصية والنضالية مع مسـيرة فتـح منذ أن كانت فكـرة في عقول الرجال إلى أن صـارت في قيادة العمل الوطني الفلسـطيني على مدى أربعين سنة.

ليس من السهولة بمكان أن يتم تحديد البدايات الأولى لحركة فتح ذلك أن مؤسسوها كانوا يقودون أو ينتمون إلى تنظيمات ومجموعات مسلحة مختلفة تعمل من أجل تحرير فلسطين، وثمة اتفاق بأن أول المجموعات التي مارست الكفاح المسلح هي المجموعة التي كان يقودها الشهيد " خليل الوزير أبو جهاد " في غزة حيث نفذ مع رجاله عدة عمليات داخل الأرض المحـتلة عام 1954، وهـذه العمليات دفعت الكيان الصهيوني للرد عليها وتنفيذ هجمات انتقامية ضد القطاع الخاضع للإدارة المصرية، بعد هذه الهجمات الانتقامية سعت مصر لتدعيم دفاعاتها وشراء أسلحة جديدة من الغرب ولما رفض الغرب تزويد مصر بالسلاح التجأ الرئيس المصري جمال عبد الناصر إلى تشيكوسلوفاكيا فكانت أول صفقة سلاح شرقي تدخل المنطقة، بعد هذه العمليات اعتقل الوزير وأبعد إلى مصر فالتقى هناك مع ياسـر عرفـات وصلاح خلف وفاروق القدومي الذي كان حينها لا يزال بعثياً.

في عام 1957 انتقل عرفـات ومجموعتـه إلى الكويت والتقى مع المجموعات الفاعلة في النضال الوطني الفلسطيني والتي كان في قيادتها أبو يوسف النجار وكمال عدوان ومحمود عباس في قطر وعبد الفتاح حمود وأبو علي أياد في السعودية وغيرهم. وهكذا بدأت هذه القوى تجتمع مع بعضها البعض لتشكل فيما بعد حركة التحرير الوطني الفلسطيني " فتـح ".

حركة فتــح مفاهيم ومنطلقات

من المفيد أن نلقي الضـوء على شيء من المفاهيم والمنطـلقات التي قامت عليها حركة فتـح فإن ذلك يجعلنا نعرف نمطية تفكير الرئيس عرفـات، وكيف يبني علاقاته مع الدول الأخرى.

ترى حركة فتـح أن فلسطين جزء من الأمة العربية أرضاً وشعباً وكفاحاً، وأن تحريرها يقع على عاتق الشعب الفلسطيني مستمداً عمقه الاستراتيجي من الأمة العربية.

وترى أن الكيان الصهيوني هو قاعدة استعمارية يجب تصفيتها سياسياً واقتصادياً وثقافياً وأن الحركة الصهيونية هي حركة عنصرية توسعية استعمارية.

وتعرِّف فتـح نفسها بأنها:" حركـة وطنيـة تعمـل من أجل تحرير فلسـطين، وهي حركة الشعب الفلسطيني ".

ولأن فتـح أكدت على هويتها الفلسـطينية اتهمت من قبل القوميين بأنها حركة قطرية مما يفقد فلسطين كثيراً من الدعم العربي لنضالها، وقد رفضت فتـح اتهامها بالقطرية وبينت أن إبرازها للهوية الفلسـطينية هو استفادة من دروس النكبة ووسيلة للتصدي لسياسـة الكيان الصهيوني في نفي وجود هذا الشعب، وأكدت فتـح أن ذلك لا يعني إعفاء العرب من دورهم في معركة التحرير، وقد عبرت فتـح عن ذلك من خلال تبنيها لشـعار أن:" الثورة فلسـطينية الوجـه، عربـية العمـق، إنسـانية المحتـوى ".

ولأن فتـح تمسكت بهويتها الفلسطينية رفعت شعاراً غاية في الأهمية حافظت عليه خلال فترة نضالها وهو:" عدم التدخل في الشؤون العربية الداخلية، وعدم السماح للدول العربية التدخل بالشؤون الداخلية الفلسطينية "، كان هذا التوجه الفتحـوي سـبباً في الصـدام بين حركة فتـح وبعض الأنظمة العربية.

في خلاصة القول فقد جسدت فتح وأيضاً شخصية الرئيس عرفات أهم مبدأين في تاريخ الثورة الفلسطينية وهما:

1- وحدانية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية للشعب الفلسطيني:

على الرغم من المحاولات الحثيثة التي بذلتها أطراف عربية عديدة لمنع ذلك، الأردن مثلاً، وأيضاً على الرغم من محاولات التيار الإسلامي في فلسطين مؤخراً رفضه لوحدانية منظمة التحرير في تمثيل الشعب الفلسطيني.

2- استقلالية القرار الوطني الفلسطيني:

إذ أن حركة فتح والرئيس عرفات كانا حريصين على أن يمتلك الشعب الفلسطيني قراره الوطني ليس في مواجهة القرار القومي العربي وهو أصلاً غير موجود، وإنما في مواجهة المشروع الصهيوني الذي سوف لن يكون قادراً على التقدم لتحقيق أهدافه التوسعية في ظل وجود الشخصية الوطنية الفلسطينية.. ولعل ذلك يفسر لنا المعارك الجانبية التي خاضتها الثورة الفلسطينية مع الأنظمة العربية في كثير من مراحل القضية الفلسطينية.

بدايات حـركــة " فتــح "

في لقـاء مـع مجـلة الحـوادث اللبـنانية بتاريـخ 9/11/2001 وصف الرئيس عرفات حركة فتح بأنها حزب الشعب الفلسـطيني، وعندمـا انطلقت فتـح في نضالها انطـلقت باسـم الشعب الفلسـطيني وما زالت حتى اليوم للشعب الفلسطيني وهي منه.

ولهذا الكلام مصداقيته إذ أن فتـح تشكلت نتيجة لالتقاء عدد من الكتل والقوى والمجموعات الفلسطينية العاملة من أجل تحرير فلسطين خلال الستينيات.

كان خليل الوزير يقوم مع مجموعة من الشبان بتنفيذ عمليات فدائية داخل الأرض المحتلة عام 1954 وبعد أن أبعد إلى القاهرة التقى مع ياسر عرفات وصلاح خلف فكان هذا اللقاء هو بداية التفكير في إنشاء تنظيم فلسطيني يحمل مسؤولية التحرير، وخلال السنوات الأولى من تكوين فتـح التقت هذه المجموعة مع الكثيرين من القادة الآخرين المؤسسين للحركة فكان منهم فاروق القدومي البعثي السابق وكان خالد الحسن أحد مؤسسي حزب التحرير الإسلامي وكان أبو يوسف النجار وكمال عدوان وسليم الزعنون ورفيق النتشة الأعضاء في الإخوان المسلمين وكان محمود عباس الوطني الفلسطيني وكان عبد الفتاح حمود وزهير العلمي وأبو علي أياد وأبو صبري صيدم وأبو ماهر غنيم ونمر صالح وهاني الحسن وهايل عبد الحميد ومحمود مسودة وغيرهم كثير.

وظلت إرهاصات التأسيس لعدة سنوات عقد خلالها المؤسسون أهم اجتماعاتهم في مدينة شتوتغارت الألمانية عام 1957 على هامش انعقاد المؤتمر الطلابي العالمي المنعقد في براغ حيث تم تحديد الملامح الأولى لحركة فتـح، والتي عقدت مؤتمرها الأول في بيروت عام 1959 ولم تكن قد اتخذت اسماً رسمياً لها حتى اتفق الجميع عام 1960 على إطلاق اسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني على هذا التنظيم الناشئ واختصرت إلى " فتـح ".

ولم يكن عرفـات في ذلك الحين يحتل موقعاً متميزاً ضمن الإطار القيادي الفتحوي حتى عام 1968عندما أصدرت اللجنة المركزية قراراً بتسمية ياسر عرفات ناطقاً رسمياً باسم حركة فتـح وكان بـذلك أول قـائد فتحـوي يظهر على شـاشة الإعلام.

أما انطلاقة العمل الفدائي فقد قررت قيادة فتـح الإعلان عنه وممارسته اعتباراً من 1/1/1965 لتعلن بذلك ولادة حقبة فلسـطينية جديدة في مسـار القضية الفلسطينية.

نشاطات عرفـات السياسـية قبل الانطلاقة

كان عرفات ولا يزال يشغل الدنيا بنشاطاته المكوكية حيث يجوب الأرض شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً للعمل من أجل فلسطين. ومن بداهة الأمور أن يكون عرفات واحداً من الذين صنعوا العلاقات الفلسطينية مع الدول العربية ودول العالم، بل وأحد أهم هؤلاء الرجال الذين عرف العالم فلسطين من خلالهم.

وهنا لابد من الإشارة إلى بداية العلاقات الفلسطينية الخارجية وخاصة مع الدول التي تعد من الدول المؤثرة في تاريخ القضية الفلسطينية.

منذ أن انطلقت حركة فتـح وبالتزامن مع تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية بدأت العلاقات الفلسطينية الدولية تتشكل، وبالرغم من أن منظمة التحرير ظلت أسيرة لوجهة نظر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلا أن ذلك لم يمنع رئيسها أحمد الشقيري من محاولة إقامة علاقات جيدة مع بعض الدول العربية والعالمية، وكان سعي الشقيري هذا يتقاطع مع جهود فتـح والتي كانت لا تزال في طور السرية آنذاك.

اتجهت جهود فتح أولاً نحو الجزائر التي حصلت على استقلالها حديثاً نتيجة لنهج الكفـاح المسـلح الذي يتفق مع تطلعات فتح، فكانت أول زيارة يقوم بها وفد من حركة فتح إلى الجزائر في كانون الأول عام 1962 حضره عن الجانب الفلسطيني ياسر عرفات وخليل الوزير وفاروق القدومي، بينما حضره عن الجانب الجزائري الرئيس أحمد بن بيلا ووزير دفاعه هواري بومدين. أثمر اللقاء عن موافقة جزائرية لافتتاح أول مكتب لحركة فتـح في العالم.

كما فتحت هذه الزيارة أبواب دمشق أمام حركة فتح إذ أن الرئيس عرفات ترأس وفد فتح الذي يضم سبعة أعضاء إلى دمشق في 7/5/1963في أول زيارة رسمية استقبلهم خلالها وزير الدفاع آنذاك حمد عبيد الذي رحب بحركة فتـح وسمح لها بأن تستخدم الأراضي السورية لأغراض عسكرية واستقدام بعض السلاح من الجزائر.

وفتحت زيارة الجزائر أيضاً أمام حركة فتح أبواب سور الصين العظيم فتوجه عرفات مستخدماً اسماً حركياً هو "محمد رفعت" برفقة أبو جهاد في أول زيارة رسمية إلى الصين ضمن وفد جزائري في 17/3/1964.

أما أبواب موسكو فظلت مغلقة أما الفلسطينيين حتى تموز من عام 1968عندما قام الرئيس عرفـات بزيارة سرية إلى موسكو ضمن وفد مصري ترأسه الرئيس جمال عبد الناصر، وقد استخدم عرفات اسماً حركياً هو " محسن أمين ".

وكان الرئيس عرفات التقى لأول مرة مع الرئيس جمال عبد الناصر عام 1968 بوساطة محمد حسنين هيكل، تحول بعدها عبد الناصر إلى حليف قوي للثورة الفلسطينية.

وما يجدر ذكره أن العلاقات الفلسطينية مع بعض دول الخليج وخاصة الكويت قد أخذت طابعاً حميمياً بسبب وجود عدد كبير من قيادات حركة فتـح فيها وفي قطر والسعودية. هذه العلاقات الجيدة قدمت لفتح دعماً مالياً مهماً ودعماً شعبياً واسعاً، وقد استطاعت فتح بجهود رئيسها عرفات أن تفتتح معسكراً للتدريب العسكري في الكويت خلال الستينيات من القرن الماضي.

أما لبنان، فعلى الرغم من أن حكومتها لم تكن تقيم علاقة مع أي طرف فلسطيني، إلا أن الرئيس عرفات والقادة الآخرون تعاملوا مع لبنان بخصوصية حيث يشكل أحد قواعد الانطلاق نحو الوطن المحتل، وفي بيروت عقدت فتح مؤتمرها الأول عام 1959 غير أن العلاقات الرسمية لم تبدأ إلا في عام 1969من خلال اتفاق القـاهرة الذي نظم الوجـود الفـدائي في لبنان والذي وقعه ياسـر عرفات مع الرئيس اللبـناني شارل الحلو برعاية الرئيس جمال عبد الناصر.

نظر الأردن إلى قيام منظمة التحرير والفصائل المسلحة بريبة تخوفاً من أن تحل المنظمة مكان الملك الأردني في حكم الأردن ذو الأغلبية الفلسطينية.غير أن الأردن تعامل مع المنظمة بحكم الأمر الواقع، فقد حضر الملك حسين انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الأولى المنعقدة في القدس عام 1964. غير أن الحسين ظل يعتبر نفسه ممثلاً عن الشعب الفلسطيني، وأن قيام المنظمة وانطلاقة الثورة يشكل تهديداً لوجود المملكة الأردنية الهاشمية.

عرفات والعلاقات العربية

لم تشهد علاقة عرفات مع القاهرة توتراً شديداً على مختلف مراحل هذه العلاقة، ذلك أن عرفات كما يحب أن يعلن فإنه " مصري الهوى "، في الخمسينيات من القرن الماضي كان عرفات عضواً في حركة الإخوان المسلمين، أو مناصراً لها، في وقت كان فيه الإخوان مطاردون في مصر، وعلى إثر ذلك غادر عرفات القاهرة إلى تشيكوسلوفاكيا لحضور مؤتمر الطلبة ولم يرجع إلا وفكرة إنشاء تنظيم فلسطين تسيطر على تفكيره.

عندما انطلقت فتح 1965 اتهم الرئيس جمال عبد الناصر قوات العاصفة بأوصاف مختلفة نتيجة لتقارير المخابرات الخاطئة التي كانت تصل إليه وجميع الأوصاف تصب في بوتقة إدانة فتـح المجهولة الهوية بالنسبة للمصريين، ويذكر الشهيد صلاح خلف في كتابه ( فلسطيني بلا هوية) أن رئيس المخابرات المصـريـة آنذاك صـلاح نصر حاول إغراء عرفـات والقدومي بالنساء لإقناعهما بالتخلي عن فكرة الثورة، لكنه فشل في ذلك وحوكم فيما بعد بتهمة الخيانة العظمى إثر حرب 1967.

بعد حرب حزيران فتح عبد الناصر ذراعيه ووجدانه لحركة فتح والرئيس عرفات بل وفتح أمامهما آفاقاً سياسية من خلال الزيارة السرية التي قام بها عرفات ضمن وفد مصري إلى موسكو.

أما سورية والتي كانت القطب الآخر في رحى القومية العربية فقد عملت على استقطاب حركة فتح إلى فلكها وخاصة أن مصر تدعم منظمة التحرير ورئيسها أحمد الشقيري. شهر العسل بين سورية وفتح لم يدم طويلاً إذ أن عرفات الذي آمن باستقلالية القرار الوطني الفلسطيني رفض ما كان يسميه الوصاية السورية، ففي نهاية عام 1965 قام الأمن السوري باعتقال عدد من قيادات فتح بينهم الرئيس عرفات شخصياً أما التهمة الموجهة إليهم فكانت العمل على نسف خط التابلاين وأن فتـح هي أحد أجنحة الإخوان المسلمين المحظورة في سورية. دام الاعتقال واحداً وخمسين يوماً خرج بعدها عرفات ورفاقه من سجن المزة، غير أنه كان لسورية بعض الضباط البعثيين في صفوف فتح وعلى رأسهم النقيب يوسف عرابي الذي كان ينظر إليه أنه يريد تنفيذ انقلاب داخل حركة فتـح يقود إلى إخضاع الحركة لسورية كلياً، حاول عرابي الإعلان عن نفسه قائداً عسكرياً لفتـح متجاهلاً القيادات الأخرى، وفي حادثة لاتزال غامضة أطلقت النار على يوسف عرابي وعلى الملازم محمد حشمة في مكتب فتـح في دمشق فاستشهدا على الفور في 9/5/1966 اتهم السوريون عرفات بأنه وراء هذه الحادثة وتم اعتقاله ضمن أحد عشر رجلاً من قيادات فتح من بينهم أبو جهاد وأبو علي أياد وأبو صبري.. استمر الاعتقال مدة شهر كامل أعلن فيه عرفات الإضراب عن الطعام حتى أنه لم يعد قادراً على الوقوف لأداء الصلاة كما ذكر أبو جهاد في مذكراته ( أسرار البدايات). كانت المحكمة العسكرية التي قدم إليها قادة فتح تضم مصطفى طلاس رئيساً وعضوية العقيد محمد عزام، رئيف علواني، ناجي جميل أعضاءً.

وافق وزير الدفاع آنذاك الرئيس حافظ الأسد على إطلاق سراح قادة فتح باستثناء عبد المجيد زغموت الذي توفي في السجن في شباط عام 2000.

في عام 1974 قدمت سورية عرضاً للرئيس عرفات بأن يتم نقل مقر منظمة التحرير إلى دمشق تدعيماً لموقفها الرافض للتسوية ولم يوافق عرفات على العرض السوري . ظلت العلاقات الفلسطينية - السورية بين مد وجزر يحكمها تخوف الرئيس عرفات من الوصاية السورية والرغبة السورية في أداء دور أكبر داخل الساحة الفلسطينية.

في لبنان اعتقـل الرئيس عرفـات عام 1966 إثر محاولته التسلل إلى الأرض المحتلة لتنفيذ عملية فدائية، دام الاعتقال ثلاثة أسابيع وكان من الذين حققوا معه في حينها سامي الخطيب وزير الداخلية اللبناني فيما بعد، وبعد هذه الحادثة بسنوات صار عرفات يوصف بأنه الرجل القوي في لبنان وصارت كافة القوى اللبنانية تستظل بظله، صار عرفات (رئيساً لجمهورية الفاكهاني) والتي كان لها القول الفصل في لبنان حتى أُخرج عرفات من لبنان عام 1983.

عندما عقدت القمة العربية في بيروت عام 2001 لم يتمكن عرفات من الحضور بسبب الحصار الصهيوني لمقره في رام الله، وكانت هذه هي المرة الأولى التي تعقد قمة عربية في غياب الرئيس عرفات. وكان من المقرر أن يتحدث الرئيس عرفات مباشرة عبر التلفزيون من مقره المحاصر إلى بيروت ليلقى كلمة فلسطين. غير أن اللبنانيين تجاوزوا دور الرئيس عرفات ولم يعط رئيس القمة أميل لحود الدور لـ "عرفات " ليلقي كلمته فاضطر عرفات لإلقاء كلمته عبر التلفزيون مخاطباً الشعب العربي، مما أدخل العلاقات الفلسطينية اللبنانية في أزمة جديدة وانسحب الوفد الفلسطيني المشارك في المؤتمر وأمضى الزعماء العرب يومهم في محاولة إصلاح هذه العلاقة، ولكن المؤتمر أختصر أعماله إلى يوم واحد وانتهت القمة سريعاً تاركة للفلسطينيين شعورهم بأن الحصار لم يكن صهيونياً وحسب.

بالنسبة إلى العراق فقد كانت له أياد بالثورة الفلسطينية وخاصة عندما كان حزب البعث حاكماً هناك، فقد كان يرى أن فلسطين هي معركة الأمة العربية وكان العراق يرى نفسه الحصن الحصين للقومية العربية، هذه النظرة القومية أتاحت للعراق كما لسورية أن ترى فلسطين هماً داخلياً لا تستطيع التخلي عنه أو تجاهله. بعد معركة الكرامة واستلام حزب البعث للسلطة في العراق 1968عمدت بغداد على تجسيد رؤيتها للقضية الفلسطينية فعرضت السلطات هناك على الرئيس عرفات أن تتم تسميته وزيراً في الحكومة العراقية بعد إنشاء وزارة تسمى وزارة فلسطين. لم يوافق أبو عمار على هذا العرض غير أن ذلك لم يؤثر على العلاقات الفلسطينية العراقية إذ أن عرفات قام عام 1969 بزيارة إلى بغداد براً برفقة أبي داوود أحد قياديي فتح وقد اصطدمت سيارته بسيارة أخرى ما أدى إلى إصابة الرئيس عرفات بكسور في يده بينما أصيب أبو داوود بجروح مختلفة. نأتي على ذكر هذه الحادثة بسبب حادثة أخرى مشابهة جرت لـ " عرفات " عام 1991 إبان الحرب الأمريكية على العراق، وقد أوردت صحيفة الدستور الأردنية هذه الحادثة ( لقد وصل السيد ياسر عرفات إلى بغداد بعد مطاردة من طائرات الشر والعدوان على الطريق الدولي عمان بغداد اضطرت خلالها سيارة الرئيس عرفات إلى السير بسرعة مذهلة وابتعدت عن سيارة مرافقيه خمسة كيلومترات حتى لا تجلب انتباه الطيارين القتلة..)

وبسبب علاقته الجيدة مع العراق والكويت ساهم الرئيس عرفات عام1973 بتهدئة الأوضاع المتوترة بينهما مما أسفر عن انسحاب الجيش العراقي عن الحدود الكويتية.

وفي عام 1974 قدمت بغداد عرضاً مشابهاً لما قدمته دمشق لنقل مقر المنظمة إلى بغداد، رفض أبو عمار هذا العرض وتدهورت العلاقات الثنائية بسبب دعم العراق لأبي نضال " صبري البنا " المنشق عن حركة فتح والذي استخدم لتنفيذ عمليات اغتيال ضد قيادات منظمة التحرير.

في عام 1978 بدأ التوتر يزول تدريجياً إذ أن نائب الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين أبلغ عرفات في مؤتمر القمة المنعقد في بغداد أن العراق أوقف رسمياً دعمه لأبي نضال لكنه رفض طلباً فلسطينياً بتسليم أبو نضال لمحاكمته، توثقت العلاقات الفلسطينية العراقية واستمرت هكذا منذ عام 1981 وحتى سقوط نظام صدام حسين 2003م.

إيران ليست دولة عربية غير أنها قبل الثورة الإسلامية كانت حليفاً استراتيجياً للكيان الصهيوني، أما بعد انتصار الثورة فقد صارت حليفاً للقضية الفلسطينية، وللرئيس عرفـات دور مهم وعلاقة جيدة مع القيادة الإيرانية الإسلامية منذ أن كانت في صفوف المعارضة. ففي عام 1968 كان الإمام الخميني يقيم في مدينة النجف في العراق حيث التقى لأول مرة مع قائد حركة فتح ياسر عرفات وأصدر حينها فتواه المشهورة بدعم الثورة الفلسطينية.

العلاقات مع الإيرانيين كانت أيضاً عبر منظمة مجاهدي خلق الإيـرانية المعارضـة المـتواجدة في العراق، وفي عام 1978 اغتالت السلطات الإيرانية مصطفى الخميني نجل آية الله الخميني فأبرق عرفات معزياً. هذه البرقية فتحت آفاق لعلاقة إيرانية فلسطينية متميزة إذ أن معسكرات التدريب التابعة لحركة فتح استقبلت آلاف المتطوعين الإيرانيين ليتم تدريبهم ليصبحوا مقاتلين أشداء وليشكلوا فيما بعد نواة الحرس الثوري الإيراني.

في حفل تأبين الدكتور علي شريعتي الذي أقيم في بيروت حضر عرفات هذا الحفل وقال أمام الصحفيين: "ستعرفون عما قريب لماذا حرصت على أن أشارك شخصياً في تأبين الدكتور شريعتي"، وعندما انتصرت الثورة الإسلامية الإيرانية في شباط 1979كان عرفات أول ضيف يزور إيران واستقبله الإيرانيون استقبال الأبطال.


تحياتي
المدمر الفلسطيني (المارد الفتحاوي)

م.س.ن.ص.خ
23-06-2006, 02:10 AM
مشكووووووووووور أخي سلمت يمناك
الله يرحم قائدنا الختيار
:ta: :ta: :ta: أبو البراء