nice_doctor
12-06-2005, 02:08 PM
في انطلاقة الثورة الفلسطينية الأربعين
صحيفة الكرامة تجري لقاء مفتوحا مع الأخ جرير القدوة للحديث عن الزعيم الراحل الشهيد ياسر عرفات
- لا أبالغ في القول إن أبو عمار جعل قضية فلسطين قرينته وشغله الشاغل.
- رايته يبكي عند استشهاد زهير محسن أما أبو جهاد فان استشهاده كسر ظهره.
- لدي قناعة إن وفاة الرئيس غير طبيعية لكني لا أستطيع الجزم بحدوث تسمم أو عدم حدوثه.
أبوعمار....شيخ الثوار
على مقربة من المسجد الأقصى كانت الصرخة الأولى معلنة عن ولادة ثائر في فلسطين, وفي قاهرة المعز بدأت الفكرة تتشكل, وفي الفاتح من يناير 1965كان البيان الأول لشباب امنوا بالله أولا وبحق شعب مقهور في الجهاد وبأمة تمنوا أن تظل ثائرة ومساندة لهذه الحركة.
عملاق في زمن الأقزام صقر قريش يمد جناحيه من المحيط إلى الخليج ومن صلالة وصنعاء إلى جبال طوروس, بين يوم وليلة اخذ يذبل سريعا, صعد للطائرة, وجمع ما تبقى له من قوة ليحيى شعبه بابتسامته المعهودة تحية الوداع, ويعد أن يعود.
أبو عمار ثائر من فلسطين, من الصعب أن نتحدث عن حياة من منحونا الحياة, من جعلوا لنا اسما على خارطة العالم ورسموا لنا ملامح دولة قادمة حلموا بها في المغارات والملاجىء, سماء وبحر وأرض وإنسان كريم مبدع, كان هذا حلم ياسر عرفات أبو عمار ورفاقه.
ولما كان للأب حقوق على أبنائه ارتأت صحيفة الكرامة إجراء مقابلة صحفية مع أحد أقارب الشهيد الراحل وواحد ممن عرفوا القائد عن قرب الأخ, جرير القدوة أبو ناصر ابن عم الرئيس الراحل وزوج أخته والذي يشغل منصب مستشار الرئيس لشؤون التعليم ورئيس هيئة دارا لكتب الوطنية ورئيس مجلس أمناء جامعة الأقصى والذي أطلعنا على جوانب من حياة الراحل أبو عمار ووضع حداً اللغط الدائر حول مكان ميلاد الرئيس كما وأطلعنا على أبو عمار الإنسان والقائد والأب.
وفيما يلي نص الحوار كاملاً:
ما صلة القرابة التي تربطك بالشهيد الراحل القائد ياسر عرفات وأين كان اللقاء الأول بينكما ومتى ؟
الأخ ياسر عرفات هو ابن عمي وحبيبي وصديقي وأكاد أقول وابني وهو أخ زوجتي رأيته لأول مرة وكان عمره حوالي خمس سنوات عندما كان يلعب ويلهو ويحبو في ساحة الحرم الشريف على مقربة من المسجد الأقصى عند باب بيت خاله سليم خليل أبو السعود إذ كان في ذلك الحين سنة 1934قد فقد والدته واحضره خاله وابن عم خاله الأخ راجي ليقيم عنده هو وأخوه فتحي الذي كان عمره حوالي سنة واحدة بعد رحيل الوالدة احضراه ليقيم عندهما في رعاية زوجتيهما. رأيته لأول مرة في هذا المكان عام 1934عندما كنت طالبا في القدس الشريف وذلك عن طريق عمة له شقيقة والده واسمها كوكب القدوة كانت متزوجة من السيد "سعد الدين المغربي الحسيني", من عائلة كريمة ذات صيت واسع في القدس.
بعد ذلك, وعند بدء ثورة 1936 رأى السيد عبد الرءوف اصطحاب ولديه ياسر وفتحي إلى القاهرة. وهناك التحق بمدارس القاهرة. وهنا اذكر انه قبل سفر العائلة إلى مصر التحق أخوه جمال بروضة المعارف الإسلامية التي أصبحت فيما بعد كلية الروضة داخل أسوار القدس وكذلك أخته الحاجة إنعام وهي اكبر من جمال.أما زوجتي ومصطفى فلم يتسن لهم ذلك لأنهم كانوا دون السن في ذلك الحين
على أي حال أريد أن أقول انه بعد أن عاد إلى القاهرة التحق بمدارسها الابتدائية ثم الإعدادية والثانوية واستمر إلى أن أكمل فيها دراسته الجامعية وقد مرت به ظروف وأحوال كثيرة سنتحدث عنها فيما بعد.
الرئيس عرفات ابن أحد العائلات الفلسطينية العريقة المعروفة في فلسطين. حدثنا قليلاً عن هذه العائلة؟
ولد الرئيس الراحل لأبوين معروفين من عائلتين عريقتين من غزة والقدس وكان بينهما صهر ونسب قديم, أبوه "عبد الرءوف عرفات القدوة الحسيني" المولود في غزة وجده السيد "داود" نقيب الأشراف في غزة في أواخر العهد العثماني, وهو منصب شرفي توارثته العائلة, وسبقه في هذا الشرف ابن عمه السيد "حسين".
أما أمه فهي السيدة "زهوة أبو السعود", بنت عائلة أبو السعود المقدسية والمعروفة من أكرم عائلات القدس. كان كبيرها في ذلك الحين الشيخ "حسن أبو السعود", مفتي السادة الشافعية المقيمين في زاويتهم عند الركن الجنوبي الغربي للحرم الشريف (دمرها الصهاينة عند احتلال القدس عام 1967م, مع حي المغاربة المجاور ليعملوا الساحة التي يسمونها ساحة المبكى بجانب حائط البراق ) وكان الشيخ "حسن أبو السعود" صديق مفتي فلسطين الحاج "أمين الحسيني" ورفيق دربه ونائبه في الكفاح ضد المحتلين والغزاة.
وكان والد ياسر يقيم مع أهله من هذه العائلة في شارع الزاوية في غزة, وكان تاجرا بدأ عمله في غزة وكان طموحا تطلع إلى تجارة أكبر فدفعه طموحه إلى القدس وهناك تزوج.
وبدأ يتطلع إلى مصر, وسافر إليها بلا أسرة وعاد عدة مرات مارا بأصدقائه وأقربائه في غزة وخان يونس. كما كان يسعى لاستلام وقف عائلي وخيري في مصر ورثه عن أجداد لجدة قديمة, وأخيرا استقر في مصر عام 1931 وكان قد سبقه إليها بعض أجداده للاتجار وعمل في التجارة وحقق نجاحا طيبا وبعد عمل نحو ربع قرن عاد إلى غزة وعاش فيها وسط عائلته وتوفي ودفن في خان يونس سنة 1954.
وفاة والده
توفى في خان يونس عندما كان في زيارة لنا سنة ال54 في كان خلالها على اتصال مع أبنائه الذين كانوا يقطنون مصر في تلك المرحلة وكان ياسر عرفات في ذلك الحين ما زال طالباً في الجامعة. وفي تلك الفترة ولد ابني "ناصر" وقد فرح الجد بحفيده فرحا كبيرا.
استمرت زيارته لنا سنتان تقريبا وكان أيضا يبحث عن أملاك وأوقاف عائلية ذرية وخيرية هنا في غزة شغل نفسه في البحث عن جزء من هذه الأملاك و الأوقاف الذرية والخيرية وكان بعضها ومايزال في منطقة الشيخ رضوان,وقد أراد أن يسافر إلى مصر لبعض شأنه ,ولكنه فجأة وبدون مقدمات ولا مرض ,توفاه الله في 19/7/1954,واحترت كيف أبلغ بني العم في مصر,بعد أن أقيمت له جنازة مهيبة شارك فيها كل محبيه وأصدقائه وهم كثر,ودفن بجانب والدي في خان يونس. وأخيراً كتبت برقية فيها بعض الغموض وما عرفته أن الأخت الأكثر قدرة على التحمل من بين إخوان و أخوات ياسر هي الأخت "خديجة" فكتبت لها برقية من كلمات قليلة قلت فيها (رحم الله الوالد) وقد عرفت المعنى جيدا واخفت البرقية عن ياسر لأنه كان يمر في فترة امتحانات في تلك الأثناء.
لم يكن من السهل أن يأتي الأبناء للمشاركة في الجنازة. ثم بعد ذلك بأسبوع سافرت إلى القاهرة بعد أن أودعناه الثرى في ضريح في مقبرة خان يونس بجانب والدي.
بالعودة إلى موضوع مكان ولادة ياسر عرفات وما يجري من محاولات تشكيك في مكان ولادته لماذا كل هذا اللغط الدائر حول مكان ولادة الرئيس الخالد ياسر عرفات؟
قلنا أن والده السيد عبد الرءوف بدأ حياته العملية في غزة تاجرا ناجحا وانتقل إلى القدس لتحقيق طموحات معينة هناك تابع تجارته وهي تجارة الحبوب وكان تاجرا ناجحا وهناك دله الأقرباء على السيدة( زهوة أبو السعود) وهي أخت( سليم خليل خليل أبو السعود) وبنت عم "راجي" تعرف عليها وتزوجها وكون الأسرة هناك في القدس ولد له إنعام وجمال ثم يسرى ثم مصطفى ثم خديجة ثم ياسر وفتحي وكان ترتيب ياسر السادس كلهم جميعا ولدوا في القدس.
ولعل الخلط جاء من انتقال الأسرة الى العيش في مصر عام 1931ولكنهم كانوا يأتون كل عام الى القدس لزيارة الأهل وفي زيارة صيف 1929 ولد ياسر تحديدا في 4/8/1929ولو لم يكن الميلاد في الصيف لربما كان ولد في مصر.
يقال إن ياسر عرفات الاسم والكنية التي عرف بها الرئيس الراحل ترجع إلى أحد الثوريين الذين حاربوا الانتداب البريطاني على فلسطين.ما حقيقة هذا الأمر ؟
لم يسم إلا "محمد ياسر" فاسمه مركب فياسر جزء من اسمه الأصلي وقد أطلق عليه أبو عمار من قبل المحيطين به والأصدقاء الفلسطينيين في الأزهر الشريف والجامعات كما تجري العادة العربية في بلادنا يقولون لإبراهيم أبو خليل وعلي أبو حسن وكذلك ياسر أبو عمار وعمار أبو ياسر لذلك أطلق عليه اصحابه أبو عمار لان اسمه ياسر وعمار ابن ياسر هو القائد الذي أرسله رسول الله في حملة لنشر الإسلام في منطقة شمال المدينة في الجزيرة العربية, ولعل هناك مجاهدون آخرون أعطوا نفس الكنية ولكن ما ذكرت لكم هو الأصل.
أخ أبو ناصر أنت كنت على مقربة من الرئيس عرفات أثناء فترة طفولته.هل لاحظت أثناء هذه الفترة أي من معالم القيادة تظهر في تصرفاته ؟
ياسر في صغره كان في القدس مدللا ومحبوبا هو وأخوه فتحي نظرا لظروفهم الخاصة من فقد الأم. لكن هذا الحنان لم يفسدهما كنت اشعر انه يتصرف تصرف رجل صغير يهتم بأخيه كما يهتم بنفسه وهذا أمر هام-تحمل المسؤولية عندما عاد الى القاهرة بدا يتمرد على سلطة أخته إنعام عندما كانت تحاول ان توجهه توجهات معينة لكنه كان يرفض كان يأبى أن يستجيب لها لست ادري ما سبب ذلك هل كان السبب لأنها أخته وليست أمه أم لأنها أنثى وليست أخ أو ذكر أما الأخ الأكبر جمال كان مشغولا بشؤونه الخاصة في المدرسة ثم بعدها في العمل.
أنا لاحظت أن أبو عمار في تلك السنوات لا يقبل نصيحة من أخته وخاصة في الوقت الذي كان عنده أصدقاء مصريين كانوا يقومون بفعاليات مثل المظاهرات كان يشترك معهم فكان يشعر انه في مصر وعليه الاهتمام بما كان يهتم به الشباب المصري كانت أخته تخشى عليه وتقدم له النصيحة بالاهتمام بمدرسته ودروسه قبل كل شيء, لكنه كان يأبى الانصياع لهذه النصائح والتوجيهات.
وكم كان عمره في تلك الفترة ؟ وما طبيعة المكان الذي كان يقطنه في تلك المرحلة من حياته؟وصف لنا الجو الأسري الذي نشأ فيه الرئيس الراحل أبو عمار؟
كان ما بين عشر وأثنى عشرة سنة وكان طالباً في مدرسة أهلية في الحي الذي كانوا يسكنون فيه وهو حي السكاكيني وهو مختلط فيه أيضا عدد لا باس به من اليهود ولكن لم يكن هناك أي شعور بالعداء نحو اليهود إطلاقا, وكانت تسود علاقاتهم علاقات الجيران الطبيعية. اذكر أن عائلته كان لها وضعها الخاص فجده كان نقيب أشراف ووالده كان يهتم بالناحية الدينية فنشا في هذا الجو الديني ملازما لقراءة القرآن وكان يستيقظ في الفجر لأداء صلاة الفجر في المسجد القريب من بيتهم فكان متدينا جدا منذ ذلك الحين.
وأثناء دراسته في المدرسة الثانوية كان يصحو في الفجر وقد جمع حوله صحبة من الأصدقاء الزملاء الذين كانوا يقيمون في حي السكاكيني بالقرب من قلعة الظاهر بيبرس ومسجدها ومن هناك ينطلقون معه فجرا يرددون الأذان والتسابيح في جوقة طلابية مؤمنة ويدعون إلى الصلاة وكانت نداءاتهم تملا الحي كله إلى أن يأتي وقت الصلاة وكان الجيران وأبنائهم يرتاحون لتعامله معهم دائماً.
ياسر فتى متمرد
وكانت تطغى عليه سمات حب التنظيم فكان يكون فرقة من طلاب الحي وكان هو يقوم بتنظيمهم وكان قائدهم لكن ما أقنعني أكثر بان ياسر لديه بوادر القيادة رفضه للانصياع لتوجيهات أي احد فكان هو الذي يفكر وهو من يعمل فكان شبه متمرد.وكان أخوه فتحي (رحمه الله)يفقد اسمه كثيرا إذ أنهما كانا ياسر وأخو ياسر.
عندما ذهب الى المدرسة الثانوية بدأت هذه الأمور تتضح أكثر عندما أقصت الحكومة البريطانية كثيرا من زعماء فلسطين سنة 1948 بعضهم جاء الى القاهرة وكان بيت السيد( عبد الرءوف ) والد أبو عمار شبه ملتقى لهؤلاء الناس خاصة لما بينهم من قرابة واقصد هنا الشيخ (حسن أبو السعود) والمفتي سماحة الحاج "أمين الحسيني" فكان يكرمهم كثيرا ويجتمعون في بيته في ذلك الحين بدأ ينشد الفتى ياسر لقضية الوطن وأصبح يدرك الأشياء التي مر بها وهو صغير علما بان البيت الذي كان يقطن به أبو عمار في مدينة القدس بجانب المكان الذي يطلق عليه اليهود حائط المبكى وهو حائط البراق, بل ويطل عليه وهو أعلى منه, فكان يراهم كل يوم سبت وثلاثاء وهم ينشدون أناشيدهم ويقيمون شعائرهم وكان يستغرب ذلك الوضع وأعتقد أنه لم ينسى ذلك.
في هذه الفترة بدأت تتبلور لديه عدة تساؤلات أين نحن من هذه القصة ومن كل ما يجري حولنا, ولماذا طردوا هؤلاء الجماعة, سمعهم يتحدثون عن الوطن وعن الظلم البريطاني والوعود الكاذبة بدأ ينشد لهذه الناحية من تلك الأيام زاد وعيه بالقضية الفلسطينية عندما كان يختلط بالطلاب الفلسطينيين القادمين من غزة وأنحاء أخرى من فلسطين للدراسة في جامعة الأزهر والكليات والمعاهد الجامعية الأخرى خاصة جامعة الأزهر اقترب منهم كثيرا وكان يجالسهم ويأكل معهم الأشياء البسيطة والمأكولات الشعبية المعروفة مثل الفول والطعمية والجبن والزيت والزعتر كان يجلس على الحصير معهم كواحد منهم وأنا رأيت عدة مرات آثار الحصير على أنحاء من جسده كان يعنى بهم ويساعدهم على اعتبار انه أصبح عالم وعلى معرفة ودراية بأحوال القاهرة والبيوت والمساكن والإيجارات فكان يساعدهم على إيجاد مساكن لهم هذا اتاح الفرصة لياسر للإطلاع على كثير من أحوال الوطن.
البحث عن السلاح في الصحاري
وقبيل عام ال48 بدأ يعلم أن الوطن بحاجة الى سلاح وكان عمره في تلك الفترة اقل من عشرين عاما وتطوع لمساعدة من جاء من فلسطين لهذا الغرض, بجمع السلاح ومن أين؟ من بقايا الأسلحة التي كانت من بقايا الحرب العالمية الثانية سنة ال42 من منطقة مرسى مطروح ومناطق غرب الإسكندرية وكانت في يد البدو وكان الحصول عليها أولا في غاية الخطورة ثانيا رخيصاً الى حد ما, ولكن التعامل مع البدو يحتاج الى شخص ذكي حتى يستطيع مساومتهم وقد ساهم ياسر في هذا العمل الضروري لأنه المصدر الوحيد للسلاح وفي نفس الوقت الخطر لكنه ومن معه استطاعوا أن يجمعوا كثيرا من هذا السلاح وتوفيره لهؤلاء الشباب بأسعار مقبولة وقد ساعده في ذلك إتقانه اللهجة المصرية.
حادث غريب
وقد حدث معه حادث غريب جدا عندما ذهب الى وكالة البلح وهو مشهور في مصر لبيع الأشياء القديمة ووجد سيارة مصفحة قديمة فقرر شرائها رغم نصيحة البائع له بعدم نفعها فقال له ياسر: مادام الأمر كذلك فلا تأخذ ثمنا كبيراً, وبعد شرائها دفعها بصحبة عدد من رفاقه الى مبنى وزارة الخارجية المصرية. وكان يريد بذلك إرسال رسالة مفادها أننا نريد سلاحاً وما لدينا من أسلحة قديمة لا تنفع نريد من مصر أسلحة لتكون عوناً لسكان فلسطين المعتدى عليهم.
طبعا بعد ذلك دخل الجيش المصري غزة في 15/5/48ووصل المجدل بل بعدها على مقربة من يبنا, تمنى ياسر أمنية, وتحققت وهي ان إخواننا المصريين يساعدون في مقاومة الاحتلال الصهيوني وقرار التقسيم الخاطىء والظلم البريطاني والأممي.
مهمة في غزة
بالنسبة لياسر لم ينقطع عن قطاع غزة في ذلك الحين من سنة أل 47 وال48, بل إنه اشترك في القتال مع قوات جيش الجهاد المقدس الذي أرسله الشهيد "عبد القادر الحسيني", وحارب مع المهندس "حيدر الحسيني" بعد استشهاد المرحوم "عبد القادر"..وحضر النكبة..وانفعل كثيراً لها وبها..وعاد إلى مصر وكاد يغادر مصر إلى عالم آخر يتابع فيه دراسته..ولكن, وسريعاً سمع نداء الوطن الذي كان أعلى وأقوى. فقرر عدم السفر, والبقاء مع الذين لمس فيهم إيماناً بالقضية وبالتحرير.
والتقوا جميعاً وبدأوا يعدون العدة على مبدأ"ما حك جلدك مثل ظفرك".
وجاء الى غزة سنة ال56 عندما انسحب اليهود جاء بعد ان رجعت الإدارة المصرية جاء ياسر ومعه مجموعة من الإخوان الذين كانوا على قناعة ان الحق لا يعيده الا اصحابه يجب ان نمسك قضيتنا بأيدينا ونكون نحن الطليعة والعالم العربي باجمعه معنا يؤيدنا ويساعدنا وبداوا يفكرون في إقامة حركة التحرر الوطني الفلسطيني فتح كان أول لقاء لهم في غزة سنة 56.
هل كانت هذه الزيارة الأولى لأرض الوطن منذ أن سافر وهو صغير؟!
بالطبع لا. كان يأتي إليها زيارات لكن هذه المرة كان لزيارتهم هدف حيث اجتمعوا هنا في غزة وفكروا في إقامة حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح
إذن البداية كانت هنا في غزة في أواخر مارس 56 وبدأوا يفكرون هذا التفكير الجدي الذي تطور ووصل الى ان يقيموا حركة التحرير الوطني لفلسطيني فتح.
من مصر إلى الكويت
في هذه الفترة تسع سنوات كان قد أكمل دراسته وبدأ يعمل في بناء شركة المحلة الكبرى في مصر ولكنه وجد ان الفرصة ستكون أفضل لو سافر لخارج مصر فذهب الى الكويت سنة 58 وهناك التقى بالطلائع" خالد الحسن" و"خليل الوزير"و"صلاح خلف" و"فاروق القدومي"وآخرين من الأشخاص الذين كانوا يفكرون في هذا التفكير وهو وجود حركة وطنية فلسطينية.
وفي الحقيقة انه عمل جيدا في شركة إنشاءات ولو قدر له ان يستمر في عمله لكان من الممكن ان يصبح مليونيرا ولكنه وجد إن الحركة الوطنية وتحرير الوطن أفضل من كل الأموال, فترك الشركة وبدأ يصرف على حركة التحرير الوطني فتح من أمواله الخاصة وكان يشرف على إصدار مجلة (فلسطيننا) التي استمرت في الصدور قرابة أربع سنوات وأصدرت أربعين عدداً تقريبا وكانت تنشر مقالات تعبأة وتوجيه وكان ياسر عرفات يعطي للأشخاص الذين يعملون معه رواتب تسد حاجاتهم بعد ان تفرغوا للعمل في هذه الصحيفة
من هنا ياسر عرفات أصبح قائداً أولا في القاهرة كان قائداً طلابياً ثم أصبح قائد حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح وبدأوا بترتيب أمورهم وترتيب قوات العاصفة الى ان انطلقت العملية الأولى في 1/1/65 وما تلاها من عمليات فشل بعضها بسبب تتبع المخابرات العربية لعملهم لكنهمأصدروا البلاغ الرسمي الأول باسم العاصفة.
لا شيء غير فلسطين
ولا أبالغ حينما أقول إن هذا الرجل قد جعل قضية فلسطين قرينته وشغله الشاغل ليل نهار معتبرا القليل من الوقت الذي يعطيه لأهله وأصدقائه منحة لا حقا وعندما مات أخوه الأكبر جمال تعامل معه كأي شهيد ولم يقو على بكائه وقال لي لا يحق لي أن ابكيه فكم من شهيد من أهلنا قضى ومضى.
فرض على نفسه قطيعة تامة عن متع الحياة حتى العادية منها, وكانت متعته الوحيدة هي كوب الشاي المحلى بالعسل صباحا وكان طعامه في النهار طعام سائر الناس وفي أيام الثورة والتقشف كان يفرض على الجميع صنفا واحدا من الطعام يتناولونه جميعا سواسية.
لا تنسوا فلسطين
س/ "لا تنسى فلسطين " ثلاث كلمات كانت فحوى الرسالة التي بعث بها الثائر ياسر عرفات إلى أول رئيس مصري وهو اللواء محمد نجيب في أعقاب ثورة 23/يوليو عام 53 ويقال انه سطرها بدمائه. ما حقيقة هذا الأمر ؟وما هو المغزى من وراء كتابة هذه الرسالة بدمائه؟
هذا صحيح وقد كان لياسر صلة مع الضباط الأحرار منذ أيام المقاومة في المعسكرات البريطانية عند قناة السويس .واستمرت إلى ما بعد قيام الثورة وقد كان السيد اللواء محمد نجيب على رأس هؤلاء الضباط وقد طلب ياسر مقابلته وكتب له هذه الوثيقة بالدم الفلسطيني ولست ادري ان كان دمه أم دم آخرين معه, وسلمهالا إلى اللواء عام 1952, وكان ياسر إذ ذاك طالباً وعمره 23سنة.
والمغزى من كتابتها بالدم هو طلب العون من الشقيقة الكبرى مصر ممثلة بالرئيس إضافة إلى اعتزازه بالدم الفلسطيني وجدية الطلب واستعداد هؤلاء الطلاب لبذل الدم في سبيل الوطن.
أغرار الأمة
س/بالانتقال إلى إحدى المحطات الهامة في تاريخ ياسر عرفات والشعب الفلسطيني بأسره وهو الانتصار الساحق في الكرامة, بعد تلك المعركة بدا يلمع نجم ياسر عرفات.لو تحدثنا قليلا عن تلك المرحلة وهل من رد فعل معين أو اتصالات بين أبو عمار وبعض الزعماء العرب بعد هذا الانتصار الذي حققته فئة قليلة من المقاتلين الفلسطينيين؟
قلنا انه أصبح رئيس فتح وان المخابرات العربية كانت نشطة في متابعتهم وانطلقت أبواق عربية تقول سوء التوقيت والتفريط والتوريط, والغريب أيضا إن هناك أبواقاً فلسطينية انطلقت لتؤيد هذا الكلام وكانت إسرائيل في عام 1967 قد حققت انتصاراً فظيعاً على العرب, ولعلها أرعبتهم جميعاً.
في ذلك الحين انكمشت العمليات مؤقتا واقتصر الأمر على التدريب والاستعدادات والعمليات الفردية حتى عام 68 بعد الهزيمة العربية كانت معركة الكرامة وجد ياسر عرفات ان الهزيمة حصلت ولكن يجب ان تظل روح القتال مشتعلة في ضمير الأمة العربية. كيف؟ في عملية الصمود في معركة الكرامة إذ قرر هو ومن معه من الإخوان الصمود وعرفوا ان إسرائيل لا بد ان تحضر للقضاء عليهم في الأردن.واستعدت إسرائيل وقررت سحق المقاومة الفلسطينية ,فكانت معركة الكرامة في مارس 68 غزوا الأراضي الأردنية بقوات من جميع الأسلحة طائرات ومدفعية ودبابات ومشاة وبأعداد كبيرة عندها قررت القيادة الفلسطينية "الصمود الواعي" وكان المقاتلين شباباً حتى ان اسمهم كان "الأغرار" واستشهد وقتها من المقاتلين الفلسطينيين ما لا يقل عن 130 شخصاً وعندما شعر الإسرائيليون بحجم الخسائر قرروا الانسحاب علما أنهم كانوا يعتقدون أنهم في نزهة ولأول مرة تركوا بعض قتلاهم في أرض المعركة حتى ان بعضهم كان مجنزر في الدبابة وتركت في ميدان المعركة. وهنا لا بد أن نذكر مقاومة القوات الأردنية الشقيقة ومشاركتها في صد العدوان بالمدفعية وتحملها نحو "30"شهيدا أسماؤهم مكتوبة على نصب تذكاري في الشونة.
انتصار الكرامة كان على المستوى الفلسطيني حيث انطلق الشباب بدون قيد للالتحاق بالحركة الوطنية وكثرت الأعداد بشكل مذهل حتى ان البعض ترك دراسته وعمله والتحق بهذه الحركة وأصبحوا كوادر في الثورة الفلسطينية.
إقامة سرية
في تموز 1967 كان عرفات قد انتقل للعمل السري و توجه سراً إلى الضفة الغربية المحتلة حيث أمضى أربعة اشهر قام خلالها بتنظيم خلايا حركة فتح. كيف قضى هذه الفترة العصيبة دون أن تطاله يد العدو ؟
قليل من الناس من كان يعلم تحركات الرئيس عرفات, فقد كان ينتقل من مكان الى آخر ويندر أن يظل في المكان أكثر من يوم واحد أو حتى ساعة. وكان عنده حس امني عجيب جدا كأنما يشتم رائحة الخطر وأذكر هنا أنه شعر في أحدى الأيام أنه محاصر وأن المكان الماكث فيه أصبح خطراً وفي دقائق غيَر ملامح وجهه واصطحب إحدى السيدات مع طفلها ليوهم من يراه أنهما زوجان يسيران معا في الشارع كان هذا في الضفة.
قلما كان يظهر نفسه لأنه كان يعرف انه مطارد وكان عنده حس امني عجيب شاهدناه أولا في بيروت 82 كان شارون و قد جند شارون ما لا يقل عن70 شخص ليراقبوا تحركاته ويبلغوا عنه وهم مزودون بأجهزة اتصال.
هذا شيء, الشيء الآخر الذي ظهر فيه حسه الأمني عندما تم مهاجمة حمام الشط أثناء وجوده في تونس فكان قد غادر المكان قبل دقائق.
ولكن لا ادري كيف تمت عملية التسميم الأخيرة التي يتم الحديث عنها وهذا شيء محزن بالفعل ومريع ولا يمكن السكوت عنه. سيظل ملف هذا الموضوع مفتوحاً لخلفاء القائد الراحل وللأجيال الفلسطينية القادمة, فهذه قضية الجميع.
س/لكن هل زار القدس خلال مدة الأربعة اشهر ؟
في الحقيقة لم اسأله هذا السؤال لكن لا استغرب ان يكون قد زار القدس وزار أقربائه هناك مع العلم انه كان يود السيدة (ثروت ) زوجة( راجي أبو السعود ) ابن عم خاله حتى نهاية حياته وقد بلغ عمرها قرابة التسعين عاما ولم تمت إلا بعد ان سمعت بوفاته فليس بعيد ان يكون قد زارها لكن لا أستطيع ان اجزم بذلك.
س/إذا ما تحدثنا عن فترة السبعينات لأول مرة يصبح فيها المقاوم الفلسطيني مطارداً من قبل إخوة عرب.كيف كان شعوره في تلك الفترة؟
تراوحت العلاقات مع الأردن بين مد وجزر منذ العملية الأولى 1/1/65 وعندما قامت الأردن بضم ما تبقى من الضفة الغربية وأصبحوا مسئولين عنها أقاموا مؤتمر أريحا بقيت العلاقات في تجاذب مستمر كما ان أهلنا في المخيمات عاشوا في عناء شديد أنا اعتقد أن هذا الموضوع لا يجب التطرق إليه لأنه مؤلم ولا داعي الآن لفتح الجراح.
عرفات الإنسان
كان إنسانا عاديا, يساعد كل محتاج إن أراد مساعدة في إيجاد مسكن أو شراء حاجة أو ما شابه ذلك وكان كريما مع المرضى والدارسين,لم يرفض لهم طلباً ولا طلب عون.
وكان عطوفا على الصغار والضعاف.كانت نقطة ضعفه اللطيفة المقبولة هي "حب الأطفال", فهو يحنو عليهم ويحرص على سعادتهم, كان يقبلهم ويقبل أيديهم ويكاد يضعهم في قلبه,وكان مبعث هذا إيمانه بأن الأطفال أحباب الله وحبهم من حب الله.
وتقديرا مني لهذا ورغبة مني في إخراجه من دائرة الأزمة والسياسة كنت احضر له مجموعة كبيرة من أطفال الأسرة عندما كنت اعلم بأنه سيأتي لزيارتي وكان يمضي معهم وقتا سعيدا جدا وكان يداعبهم ويقبلهم, وكان عندما يخرج إلى عمله يجد عند الباب ما لا يقل عن ثلاثين طفلاً وطفلة, فكان يترك الحراسات والسيارات وينزل إلى الشارع فيحيطون به ويدورون حوله ليسعدوا بالسلام عليه أكثر من مرة.
قائدا
ليس الأطفال فحسب ولكن كل أفراد الشعب الفلسطيني فقد كان رحمه الله محبوباً ومحترماً في أوساط المجاهدين والمقاتلين يعتبرونه أبا وأخا ومعلما يحب من يعمل معه ويحبونه ويلبون حاجاته بمجرد نظرة أو لفتة أو إشارة كان يعاملهم على قدم المساواة فكان يأكل معهم ولا يطلب أي شيء يزيد عن بقية المقاتلين وفي الأزمات كان ينام إلى جانب المقاتلين ويضع نصف البطانية تحته والنصف الأخر فوقه وربما شاركه فيها مقاتل من المقاتلين إذن تميزت معاملته بالود مع كل المقاتلين.
وفي حياته لم يمارس ما مارسه شباب زمانه في أي بلد أقام فيه من معاكسات الفتيات ولم يعرف عنه انه اقترب منهن
أبو عمار يبكي
كما كان يعامل الإخوة في الفصائل جميعا على قدم المساواة فلا يفرق بين احد منهم وقد شهدت هذا في بيروت عندما كان يسمع أن جورج حبش وصل, بعد دقائق يكون في زيارته وقد رأيته يبكي حقيقة عندما علم باستشهاد (زهير محسن) وهو يقود فصيل مناوئ تقريبا فلم يكن أبو عمار يهتم بهذا, أما أبو جهاد فان استشهاده قد كسر ظهره (بتعبيره هو).
وأذكر في إحدى المرات أن قائد فصيل مناوئ هاجم أبو عمار في إحدى المؤتمرات هجوما مرا وكأنما هذا المؤتمر خصص لمهاجمة ياسر عرفات وقد تساءل الناس كيف سيرد عرفات على هذا الهجوم اللاذع وما أن انتهى المؤتمر حتى انطلق ياسر عرفات كالصاروخ يحتضنه ويقبله وامسك بيده رافعا شارة النصر وكان يعامل قادة الفصائل معاملة جيدة جدا و في الحصار في بيروت لم يترك فصيلاً من الفصائل إلا ولبى حاجاته من مواد غذائية وعلاجية و ملابس وغيره فكانت مخابز فتح تعمل ليل نهار وتوزع على كافة الفصائل بهذا اكتسب ود الناس وحبهم وأنا لا اعتقد أن هناك فلسطينياً يكره ياسر عرفات وكانوا يختلفون معه ولكنهم لا يختلفون عليه. فهو كان يحبهم جميعا وقد ظهر هذا واضحا عندما عاد الى رام الله محمولا على الأكتاف.
ولكن إذا اتخذ قراراً يصبح ديكتاتوراً في التنفيذ, اخذ القرار لا بد ان ينفذ بلا جدال أو نقاش, كما رفض فوضى السلاح وكان يقول:" إذا لم ترشد البندقية تكون قاطعة طريق" يجب أن تستعمل البندقية والسلاح برشد.أيضا من صفاته مشاركته الجميع في جميع المناسبات السعيدة والحزينة.
خلاصة هذا الكلام انه أحب الناس حبا صادقا وأحبه الناس أيضا حبا صادقا بلا تصنع.
سقوط الطائرة في ليبيا
في نيسان 1992 تحطمت طائرة أبو عمار في الصحراء الليبية وقيل أنه استشهد في تلك الحادثة ولكن ظهر من جديد بعد ساعات من الحادث.كيف كانت حالته بعد هذه الحادثة ؟وهل روى لكم تفاصيل اللحظات الأخيرة التي سبقت سقوط الطائرة؟
الطائرة كتب عنها كاتب ورسام فلسطيني الدكتور (عبد الرحمن المزين ) واذكر مما سمعته من هنا وهناك ان الطائرة تعرضت لعاصفة هوجاء فضلت الطريق ولم تصبح هناك أي دلالة على مكان المطار ولم تنجح محاولات إرشادهم على مكان المطار عندها قال ياسر عرفات للطيارين لا فائدة علينا أن ننزل نزولاً اضطرارياً وهذا يقتضي حيطة كبيرة فقام المرافقون بلفه بالبطاطين وكذلك فعلوا لأنفسهم علما بان الطيارين هم من كانوا في خطر ماحق وكان أبو عمار أثناء نزول الطائرة يشجع الطيارين ويرفع من عزيمتهم ويحثهم على التفاؤل ولكن للأسف كما نعرف حدثت إصابات وقتلى.
والآن أصبحت الطائرة وسط صحراء وخوفا من الذئاب أشار عليهم أبو عمار أن يستفيدوا مما تبقى من أجزاء الطائرة وإشعالها لطرد الذئاب التي تهدد حياتهم.
أما نحن فقد كنا في قلق شديد جدا على مصيرهم لا سيما وأننا فقدنا أي مصدر بأي خبر عنهم وكنا تتابع مع مكتب حركة التحرير الوطني الفلسطيني في تونس, وفي النهاية خرجت دوريات ليبية للبحث عن طاقم الطائرة حتى استطاع احد هذه الدوريات بقيادة العميد (خالد سلطان) مع الإخوة الليبيين تحديد موقع الطائرة وتم إبلاغ الحكومة الليبية واتجهوا بسيارة إلى أحد مستشفيات طرابلس وكانت السيدة (سها) أول من أخبرتنا بنجاة الرئيس عرفات وذهبت أنا بصحبة بعض أفراد العائلة وإلى شقيقته الحاجة إنعام التي كانت قلقة جدا وزوجتي ومن الأشياء الغريبة التي سمعتها أنهم وجدوا ثلاثة عصافير( سنونو) في مكان الطائرة كيف جاءوا على هذه الصحراء لا ادري.وقد سأل أبو عمار عن المرافقين واحداً واحد وبالاسم , كيف فلان وأين فلان , وتابع حالة كل واحد وكل من استطاع الإجابة كان يقول المهم أنت يا أبو عمار واهتم بإحصاء ما يمكن أن يؤكل ويشرب ليوزعه عليهم التساوي انتظارا لفرج الله .
زواج أبو عمار
بالانتقال إلى موضوع زواج الرئيس عرفات من السيدة سها والذي يقال أنه أن لقي معارضة من بعض المقربين من الرئيس الراحل.كيف استقبلت عائلة الرئيس الراحل نبأ زواجه؟
حقيقة أنا لا اعلم أن أحداً رفض أو اعترض على هذا الزواج أنا شخصيا احترم اختيار الرئيس عرفات وليس لي أي اعتراض وليس لي ان اعترض فهو اختار والمفروض ان يحترم الجميع هذا الاختيار وأول مرة رأيت بها السيدة( سها) عندما ذهبت الى مدينة الحسين أنا وزوجتي عندما نقل لتلقي العلاج فيها بعد حادث الطائرة فوجدنا السيدة (سها) موجودة في المستشفى وعندها سألته زوجتي أم ناصر إذا ما كان تزوج من السيدة (سها) فأكد لها أن الزواج قد تم فقدمت لها"أم ناصر" أسورة من الذهب كانت تلبسها في يدها هدية.
أما أنا لم اسمع ان احد اعترض على اختياره ولو سمعت لما سمحت لأحد أن يعترض فمن حقه ان يختار من واجبنا احترام هذا الاختيار وكانت العلاقة فيما بعد ودية وكنا نتبادل الزيارات كثيرا عند عودتهم إلى غزة,وفي زمان البعد والسفر كنا نتصل تليفونيا باستمرار.
عرفات الأب
س/بالانتقال للحديث عن عرفات الأب. ماذا غير وجود زهوة في حياة الرئيس عرفات ؟
في الواقع لم تغب زهوة عن خاطره سواء كانت موجودة في مكتبه أو في المنزل كان يداعبها ويقبلها شأن كل أب محب لابنته إنما لم تكن تشغله عن واجباته الأساسية كان يهمه ان تتعلم وان تكون فلسطينية بالدرجة الأولى واذكر أنهم ادخلوها إلى مدرسة (الوردية المقدسة) في غزة كان أبو عمار يحرص على ان تكون في هذا الجو الفلسطيني وأتمنى أن تعود زهوة الى هذه المدرسة, في وطنها تتنفس هواءه وتتشبع بروحه.وأنا اعلم أن هذه كانت رغبة الرئيس عرفات.
س/بعد رحيل الرئيس عرفات زهوة الآن في تونس. ما طبيعة العلاقة بينكم وبين زهوة؟
لم يمض كثير على الوفاة, وقد اختارت السيدة سها تونس لتعيش فيها بصحبة ابنتها وأرجو أن تكون هذه الفترة قصيرة. على أنني أود أن أقول:أن السيدة سها حرة في هذا الاختيار أما عن زهوة فيقال إن زهوة الآن في مدرسة أمريكية في تونس ومنذ الوفاة حتى اللحظة لم تأت إلى هنا ونحن لم نتصل ولا السلطة تحدثت في هذا الموضوع لأننا في مرحلة عزاء وحداد, ولكن نتمنى مثل ما كان يتمنى الرئيس ان تأتي إلى فلسطين لتنشأ نشأة فلسطينية مع أترابها وإخوانها وأخواتها أطفال فلسطين, ونحن نرجو لها ما كان يرجوه الرئيس من أن تشارك في رفع العلم الفلسطيني على القدس: مساجد وكنائس وأسوارا.
س/هل تفكرون في إجراء اتصالات مع السيدة سها لتطلبوا منها أن تعود بصحبة زهوة للعيش هنا ؟
أنا اعتقد أن هذا لا بد ان يحصل, لكن هذا ليس وقته الآن.
س/في تموز 1994خرجت الجماهير من شتى أنحاء غزة لاستقبال القائد العائد ياسر عرفات بعد توقيع اتفاقية السلام وبعد غياب عن الوطن دام عقوداً.كيف كان انطباع الرئيس الراحل أبو عمار وهو يرى هذا التأييد والاستقبال الحافل من أبناء غزة؟
هو حضر في تموز وأنا حضرت في أغسطس لكني تابعت وصوله عبر التلفزيون
وقد شاهدت حشود الفلسطينيين الذين يقيمون في ارض سيناء, الأمر الذي فاجأ الرئيس مبارك الذي اصطحب الرئيس عرفات إلى الحدود. عندها نزل الأخ الرئيس الى الأرض سجد وقبلها وسار وسط بحر من الناس عندما وصل الى غزة شعر بسعادة غامرة وقد مكث في المنتدى ولم يكن هناك مكان يصلح للإقامة فيه إلا كشكاً مكث أبو عمار فيه أياما طويلة وكان ينظر الى البحر بحر غزة وهو في منتهى السعادة.
لحظة ضعف
س/قرابة الثلاث سنوات عاش الرئيس الراحل ياسر عرفات في حصار محكم بمقر المقاطعة هل قمت بزيارة له في مقره أثناء هذه الفترة ؟كيف كان يقضي أيامه داخل المقاطعة؟
أولا كان الحصار حصاراً وحرب أعصاب لا سيما عندما بدا الإسرائيليون يهبشون في المبنى ويحطمون الجسر الذي يفصل القسم الأول عن القسم الثاني ولم يبقوا الا غرفتين صغيرتين والباب الرئيسي للمبنى تم تكسيره وقد استغربت عندما ذهبت إليه ووجدت غرفة للمرافقين لا تتسع إلا لشخص أو اثنين فقط وجدت فيها خمس سرر لهم.
وقدر لي أن أسافر إلى رام الله لزيارة الرئيس في مناسبة حزينة وهي فراق زوجتي أم ناصر زرته في 15/8 وقد أخبرته ونحن في القاهرة عن وفاة زوجتي وأود الإشارة إلى أنني نادرا ما كنت اسمعه يبكي ولكنه أجهش حينها بالبكاء بصوت مسموع وسأل كيف؟ ومتى؟ فقمت بإغلاق الهاتف حتى لا اسبب له الحرج وأنا اشعر بلحظة ضعفه التي مر بها في تلك الأثناء وبعد انتهاء المراسم والعزاء في غزة ذهبت إليه ورأيته وكان المكان الذي يجلس فيه غرفة طولية يستقبل فيها الزوار وعلى شماله كومة من الأوراق والغرفة تحتوي على شباك صغير جدا ولا يدخلها هواء يكفي لحياة الناس وكان يوجد جهازا لتوليد الأكسجين الصناعي أما الغرفة الأصغر فهي عبارة عن مكتبه اليومي عندما لا يتواجد زوار, جلسنا فيها وكان هذا اللقاء الوحيد في فترة الحصار لكننا كنا دائما على اتصال به لتشجيعه أنا وأخته المرحومة أم ناصر أأكد أن هو من كان يشجعنا.
ابتسامة لا تغيب
س/ابتسامة أبو عمار لم تغب لحظة وظل طوال تاريخه متفائلاً رغم كل الصعوبات التي واجهت القضية الفلسطينية.من أين استمد كل هذا التفاؤل وهذه القوة؟
استمده من إيمانه بالله سبحانه وتعالى, ومن عدالة قضيته, ومن إيمانه بشعبه كل هذا أعطاه مجالا للتفاؤل و تفاؤله هذا شيء طبيعي, لأنه كان يشعر ان الله سبحانه وتعالى لا بد ان ينصر هذه القضية هناك بعض الأحيان كانت تحلولك الأمور في عينيه لكنه سرعان ما يعود لتفاؤله وإيمانه بالله وبقضيته وبشعبه.
سيـاسة في سيـاسة
س/أخ أبو ناصر بحكم صلتكم العائلية بالرئيس الراحل ياسر عرفات.أود أن أسألك عن اهتمامات الرئيس الراحل وكيف كان يقضي ما تسنى له من وقت بعيدا عن معترك الحياة السياسية ؟
أنا أرى أن السياسة كانت هاجسه ليل نهار ولم يبعد عنها إطلاقا وفي الحقيقة انه قلما كان يلبي لنا دعوة لتناول الطعام عندنا أو ما شابه, ولكن مع ذلك قلما كان يسافر ويعود الا ويمر على بيت أخته الكبيرة ثم يزورنا وزيارته لا تتعدى الساعة وليست بدعوة واذا دعوناه كان يرفض كان هذا ديدنه مع كل الأقرباء والأصدقاء وكان الأقرباء يعتبون عليه وكنت اشعر انه يكرس وقته من اجل قضيتنا المشتركة, باختصار لم يكن عنده وقت للمجاملات الأهلية.
مستقبل القضية
س/هناك تخوف لا يخفيه البعض على القضية الفلسطينية بعد رحيل القائد ياسر عرفات.كيف يرى جرير القدوة "أبو ناصر" مستقبل القضية الفلسطينية بعد غياب الرئيس أبو عمار؟
أنا لي ثقة بما كان يثق به الراحل أبو عمار وهو ان الشعب الفلسطيني أصبح عالما بقضيته وبأبعادها ومشاكلها وارى ان هذا الشعب لن يفرط بأي حق من الحقوق التي أرساها لهم ياسر عرفات وهي إقامة الدولة الفلسطينية على أراضي أل 67 وعاصمتها القدس الشريف وعودة اللاجئين, ولا أرى أن أحدا يفرط بهذا الحق الذي لم يفرط فيه ياسر عرفات كما أنني على إيمان عميق بالقادة الذين خلفوا الرئيس عرفات, فجميعهم على نفس الدرجة من الإخلاص واعتقد أن هؤلاء القادة سيتمسكون بهذه الثوابت.
لا تفريــط ولا إهمـــال
س/لا يخفي عليكم البلبلة القائمة في أوساط الشعب الفلسطيني حول سبب وفاة الرئيس "أبو عمار"لا سيما احتمال وفاته مسموما.هل لدى عائلة الرئيس عرفات النية في متابعة سبب الوفاة الحقيقي؟
بلا شك أننا كعائلة للرئيس عرفات لا بد ان نتابع هذا الموضوع, وكسلطة لا بد ان تتابع البحث في هذا الموضوع, وانتم تعرفون أن الدكتور "ناصر القدوة" احضر الملف الطبي وسلمه الى رئيس السلطة المؤقت "روحي فتوح" الذي كلف لجنة طبية تتكون من خيرة الأطباء من مصر والأردن وتونس وفلسطين للبحث في سبب الوفاة.وكما فهمت من ناصر الذي كان يلازم المرحوم في فرنسا قوله:" إن من يقول ان ياسر عرفات مات مسموما مخطىء, كما أن من يقول انه مات غير مسموم أيضا يخطىء".
الآن الملف مفتوح لا احد يستطيع الجزم بحدوث التسمم أو عدم حدوثه. القضية مفتوحة ولا احد يدري الى متى لكن لن يفرط الشعب الفلسطيني وأسرة الرئيس عرفات والقيادة الفلسطينية التي خلفت الرئيس عرفات لن يفرطوا في هذه القناعة وبهذا الواجب وهو الاستمرار في العمل للتعرف على سبب وفاة الرئيس عرفات.
أنا لدي قناعة ان الوفاة غير طبيعية ولكن هذه القناعة لا ترقى إلى مستوى الدليل الذي أستطيع أن احلف عليه يمين.
موضوع ياسر عرفات معقد كثيرا تتشابك فيه السياسة مع العلم وهذا متروك للزمن لكن لا تفريط ولا إهمال.
لدغـــة عقــرب
لقد كانت لدغة العقرب مميتة وقوية وجديدة لدرجة أن الطب لم يستطع أن يحدد لها دواءاً معروفا لذا انتهى الرجل بسرعة خاطفة كيف لا اعلم, وتساورني أحيانا شكوك بان العملية لا بد أن تكون قد بدأت منذ اشهر قبل وصول حالة الرجل الى الوضع الذي رأيناه بها يودع ويعد بالعودة.
ليبارك الله روحه, ويرحمه رحمة واسعة.
صحيفة الكرامة تجري لقاء مفتوحا مع الأخ جرير القدوة للحديث عن الزعيم الراحل الشهيد ياسر عرفات
- لا أبالغ في القول إن أبو عمار جعل قضية فلسطين قرينته وشغله الشاغل.
- رايته يبكي عند استشهاد زهير محسن أما أبو جهاد فان استشهاده كسر ظهره.
- لدي قناعة إن وفاة الرئيس غير طبيعية لكني لا أستطيع الجزم بحدوث تسمم أو عدم حدوثه.
أبوعمار....شيخ الثوار
على مقربة من المسجد الأقصى كانت الصرخة الأولى معلنة عن ولادة ثائر في فلسطين, وفي قاهرة المعز بدأت الفكرة تتشكل, وفي الفاتح من يناير 1965كان البيان الأول لشباب امنوا بالله أولا وبحق شعب مقهور في الجهاد وبأمة تمنوا أن تظل ثائرة ومساندة لهذه الحركة.
عملاق في زمن الأقزام صقر قريش يمد جناحيه من المحيط إلى الخليج ومن صلالة وصنعاء إلى جبال طوروس, بين يوم وليلة اخذ يذبل سريعا, صعد للطائرة, وجمع ما تبقى له من قوة ليحيى شعبه بابتسامته المعهودة تحية الوداع, ويعد أن يعود.
أبو عمار ثائر من فلسطين, من الصعب أن نتحدث عن حياة من منحونا الحياة, من جعلوا لنا اسما على خارطة العالم ورسموا لنا ملامح دولة قادمة حلموا بها في المغارات والملاجىء, سماء وبحر وأرض وإنسان كريم مبدع, كان هذا حلم ياسر عرفات أبو عمار ورفاقه.
ولما كان للأب حقوق على أبنائه ارتأت صحيفة الكرامة إجراء مقابلة صحفية مع أحد أقارب الشهيد الراحل وواحد ممن عرفوا القائد عن قرب الأخ, جرير القدوة أبو ناصر ابن عم الرئيس الراحل وزوج أخته والذي يشغل منصب مستشار الرئيس لشؤون التعليم ورئيس هيئة دارا لكتب الوطنية ورئيس مجلس أمناء جامعة الأقصى والذي أطلعنا على جوانب من حياة الراحل أبو عمار ووضع حداً اللغط الدائر حول مكان ميلاد الرئيس كما وأطلعنا على أبو عمار الإنسان والقائد والأب.
وفيما يلي نص الحوار كاملاً:
ما صلة القرابة التي تربطك بالشهيد الراحل القائد ياسر عرفات وأين كان اللقاء الأول بينكما ومتى ؟
الأخ ياسر عرفات هو ابن عمي وحبيبي وصديقي وأكاد أقول وابني وهو أخ زوجتي رأيته لأول مرة وكان عمره حوالي خمس سنوات عندما كان يلعب ويلهو ويحبو في ساحة الحرم الشريف على مقربة من المسجد الأقصى عند باب بيت خاله سليم خليل أبو السعود إذ كان في ذلك الحين سنة 1934قد فقد والدته واحضره خاله وابن عم خاله الأخ راجي ليقيم عنده هو وأخوه فتحي الذي كان عمره حوالي سنة واحدة بعد رحيل الوالدة احضراه ليقيم عندهما في رعاية زوجتيهما. رأيته لأول مرة في هذا المكان عام 1934عندما كنت طالبا في القدس الشريف وذلك عن طريق عمة له شقيقة والده واسمها كوكب القدوة كانت متزوجة من السيد "سعد الدين المغربي الحسيني", من عائلة كريمة ذات صيت واسع في القدس.
بعد ذلك, وعند بدء ثورة 1936 رأى السيد عبد الرءوف اصطحاب ولديه ياسر وفتحي إلى القاهرة. وهناك التحق بمدارس القاهرة. وهنا اذكر انه قبل سفر العائلة إلى مصر التحق أخوه جمال بروضة المعارف الإسلامية التي أصبحت فيما بعد كلية الروضة داخل أسوار القدس وكذلك أخته الحاجة إنعام وهي اكبر من جمال.أما زوجتي ومصطفى فلم يتسن لهم ذلك لأنهم كانوا دون السن في ذلك الحين
على أي حال أريد أن أقول انه بعد أن عاد إلى القاهرة التحق بمدارسها الابتدائية ثم الإعدادية والثانوية واستمر إلى أن أكمل فيها دراسته الجامعية وقد مرت به ظروف وأحوال كثيرة سنتحدث عنها فيما بعد.
الرئيس عرفات ابن أحد العائلات الفلسطينية العريقة المعروفة في فلسطين. حدثنا قليلاً عن هذه العائلة؟
ولد الرئيس الراحل لأبوين معروفين من عائلتين عريقتين من غزة والقدس وكان بينهما صهر ونسب قديم, أبوه "عبد الرءوف عرفات القدوة الحسيني" المولود في غزة وجده السيد "داود" نقيب الأشراف في غزة في أواخر العهد العثماني, وهو منصب شرفي توارثته العائلة, وسبقه في هذا الشرف ابن عمه السيد "حسين".
أما أمه فهي السيدة "زهوة أبو السعود", بنت عائلة أبو السعود المقدسية والمعروفة من أكرم عائلات القدس. كان كبيرها في ذلك الحين الشيخ "حسن أبو السعود", مفتي السادة الشافعية المقيمين في زاويتهم عند الركن الجنوبي الغربي للحرم الشريف (دمرها الصهاينة عند احتلال القدس عام 1967م, مع حي المغاربة المجاور ليعملوا الساحة التي يسمونها ساحة المبكى بجانب حائط البراق ) وكان الشيخ "حسن أبو السعود" صديق مفتي فلسطين الحاج "أمين الحسيني" ورفيق دربه ونائبه في الكفاح ضد المحتلين والغزاة.
وكان والد ياسر يقيم مع أهله من هذه العائلة في شارع الزاوية في غزة, وكان تاجرا بدأ عمله في غزة وكان طموحا تطلع إلى تجارة أكبر فدفعه طموحه إلى القدس وهناك تزوج.
وبدأ يتطلع إلى مصر, وسافر إليها بلا أسرة وعاد عدة مرات مارا بأصدقائه وأقربائه في غزة وخان يونس. كما كان يسعى لاستلام وقف عائلي وخيري في مصر ورثه عن أجداد لجدة قديمة, وأخيرا استقر في مصر عام 1931 وكان قد سبقه إليها بعض أجداده للاتجار وعمل في التجارة وحقق نجاحا طيبا وبعد عمل نحو ربع قرن عاد إلى غزة وعاش فيها وسط عائلته وتوفي ودفن في خان يونس سنة 1954.
وفاة والده
توفى في خان يونس عندما كان في زيارة لنا سنة ال54 في كان خلالها على اتصال مع أبنائه الذين كانوا يقطنون مصر في تلك المرحلة وكان ياسر عرفات في ذلك الحين ما زال طالباً في الجامعة. وفي تلك الفترة ولد ابني "ناصر" وقد فرح الجد بحفيده فرحا كبيرا.
استمرت زيارته لنا سنتان تقريبا وكان أيضا يبحث عن أملاك وأوقاف عائلية ذرية وخيرية هنا في غزة شغل نفسه في البحث عن جزء من هذه الأملاك و الأوقاف الذرية والخيرية وكان بعضها ومايزال في منطقة الشيخ رضوان,وقد أراد أن يسافر إلى مصر لبعض شأنه ,ولكنه فجأة وبدون مقدمات ولا مرض ,توفاه الله في 19/7/1954,واحترت كيف أبلغ بني العم في مصر,بعد أن أقيمت له جنازة مهيبة شارك فيها كل محبيه وأصدقائه وهم كثر,ودفن بجانب والدي في خان يونس. وأخيراً كتبت برقية فيها بعض الغموض وما عرفته أن الأخت الأكثر قدرة على التحمل من بين إخوان و أخوات ياسر هي الأخت "خديجة" فكتبت لها برقية من كلمات قليلة قلت فيها (رحم الله الوالد) وقد عرفت المعنى جيدا واخفت البرقية عن ياسر لأنه كان يمر في فترة امتحانات في تلك الأثناء.
لم يكن من السهل أن يأتي الأبناء للمشاركة في الجنازة. ثم بعد ذلك بأسبوع سافرت إلى القاهرة بعد أن أودعناه الثرى في ضريح في مقبرة خان يونس بجانب والدي.
بالعودة إلى موضوع مكان ولادة ياسر عرفات وما يجري من محاولات تشكيك في مكان ولادته لماذا كل هذا اللغط الدائر حول مكان ولادة الرئيس الخالد ياسر عرفات؟
قلنا أن والده السيد عبد الرءوف بدأ حياته العملية في غزة تاجرا ناجحا وانتقل إلى القدس لتحقيق طموحات معينة هناك تابع تجارته وهي تجارة الحبوب وكان تاجرا ناجحا وهناك دله الأقرباء على السيدة( زهوة أبو السعود) وهي أخت( سليم خليل خليل أبو السعود) وبنت عم "راجي" تعرف عليها وتزوجها وكون الأسرة هناك في القدس ولد له إنعام وجمال ثم يسرى ثم مصطفى ثم خديجة ثم ياسر وفتحي وكان ترتيب ياسر السادس كلهم جميعا ولدوا في القدس.
ولعل الخلط جاء من انتقال الأسرة الى العيش في مصر عام 1931ولكنهم كانوا يأتون كل عام الى القدس لزيارة الأهل وفي زيارة صيف 1929 ولد ياسر تحديدا في 4/8/1929ولو لم يكن الميلاد في الصيف لربما كان ولد في مصر.
يقال إن ياسر عرفات الاسم والكنية التي عرف بها الرئيس الراحل ترجع إلى أحد الثوريين الذين حاربوا الانتداب البريطاني على فلسطين.ما حقيقة هذا الأمر ؟
لم يسم إلا "محمد ياسر" فاسمه مركب فياسر جزء من اسمه الأصلي وقد أطلق عليه أبو عمار من قبل المحيطين به والأصدقاء الفلسطينيين في الأزهر الشريف والجامعات كما تجري العادة العربية في بلادنا يقولون لإبراهيم أبو خليل وعلي أبو حسن وكذلك ياسر أبو عمار وعمار أبو ياسر لذلك أطلق عليه اصحابه أبو عمار لان اسمه ياسر وعمار ابن ياسر هو القائد الذي أرسله رسول الله في حملة لنشر الإسلام في منطقة شمال المدينة في الجزيرة العربية, ولعل هناك مجاهدون آخرون أعطوا نفس الكنية ولكن ما ذكرت لكم هو الأصل.
أخ أبو ناصر أنت كنت على مقربة من الرئيس عرفات أثناء فترة طفولته.هل لاحظت أثناء هذه الفترة أي من معالم القيادة تظهر في تصرفاته ؟
ياسر في صغره كان في القدس مدللا ومحبوبا هو وأخوه فتحي نظرا لظروفهم الخاصة من فقد الأم. لكن هذا الحنان لم يفسدهما كنت اشعر انه يتصرف تصرف رجل صغير يهتم بأخيه كما يهتم بنفسه وهذا أمر هام-تحمل المسؤولية عندما عاد الى القاهرة بدا يتمرد على سلطة أخته إنعام عندما كانت تحاول ان توجهه توجهات معينة لكنه كان يرفض كان يأبى أن يستجيب لها لست ادري ما سبب ذلك هل كان السبب لأنها أخته وليست أمه أم لأنها أنثى وليست أخ أو ذكر أما الأخ الأكبر جمال كان مشغولا بشؤونه الخاصة في المدرسة ثم بعدها في العمل.
أنا لاحظت أن أبو عمار في تلك السنوات لا يقبل نصيحة من أخته وخاصة في الوقت الذي كان عنده أصدقاء مصريين كانوا يقومون بفعاليات مثل المظاهرات كان يشترك معهم فكان يشعر انه في مصر وعليه الاهتمام بما كان يهتم به الشباب المصري كانت أخته تخشى عليه وتقدم له النصيحة بالاهتمام بمدرسته ودروسه قبل كل شيء, لكنه كان يأبى الانصياع لهذه النصائح والتوجيهات.
وكم كان عمره في تلك الفترة ؟ وما طبيعة المكان الذي كان يقطنه في تلك المرحلة من حياته؟وصف لنا الجو الأسري الذي نشأ فيه الرئيس الراحل أبو عمار؟
كان ما بين عشر وأثنى عشرة سنة وكان طالباً في مدرسة أهلية في الحي الذي كانوا يسكنون فيه وهو حي السكاكيني وهو مختلط فيه أيضا عدد لا باس به من اليهود ولكن لم يكن هناك أي شعور بالعداء نحو اليهود إطلاقا, وكانت تسود علاقاتهم علاقات الجيران الطبيعية. اذكر أن عائلته كان لها وضعها الخاص فجده كان نقيب أشراف ووالده كان يهتم بالناحية الدينية فنشا في هذا الجو الديني ملازما لقراءة القرآن وكان يستيقظ في الفجر لأداء صلاة الفجر في المسجد القريب من بيتهم فكان متدينا جدا منذ ذلك الحين.
وأثناء دراسته في المدرسة الثانوية كان يصحو في الفجر وقد جمع حوله صحبة من الأصدقاء الزملاء الذين كانوا يقيمون في حي السكاكيني بالقرب من قلعة الظاهر بيبرس ومسجدها ومن هناك ينطلقون معه فجرا يرددون الأذان والتسابيح في جوقة طلابية مؤمنة ويدعون إلى الصلاة وكانت نداءاتهم تملا الحي كله إلى أن يأتي وقت الصلاة وكان الجيران وأبنائهم يرتاحون لتعامله معهم دائماً.
ياسر فتى متمرد
وكانت تطغى عليه سمات حب التنظيم فكان يكون فرقة من طلاب الحي وكان هو يقوم بتنظيمهم وكان قائدهم لكن ما أقنعني أكثر بان ياسر لديه بوادر القيادة رفضه للانصياع لتوجيهات أي احد فكان هو الذي يفكر وهو من يعمل فكان شبه متمرد.وكان أخوه فتحي (رحمه الله)يفقد اسمه كثيرا إذ أنهما كانا ياسر وأخو ياسر.
عندما ذهب الى المدرسة الثانوية بدأت هذه الأمور تتضح أكثر عندما أقصت الحكومة البريطانية كثيرا من زعماء فلسطين سنة 1948 بعضهم جاء الى القاهرة وكان بيت السيد( عبد الرءوف ) والد أبو عمار شبه ملتقى لهؤلاء الناس خاصة لما بينهم من قرابة واقصد هنا الشيخ (حسن أبو السعود) والمفتي سماحة الحاج "أمين الحسيني" فكان يكرمهم كثيرا ويجتمعون في بيته في ذلك الحين بدأ ينشد الفتى ياسر لقضية الوطن وأصبح يدرك الأشياء التي مر بها وهو صغير علما بان البيت الذي كان يقطن به أبو عمار في مدينة القدس بجانب المكان الذي يطلق عليه اليهود حائط المبكى وهو حائط البراق, بل ويطل عليه وهو أعلى منه, فكان يراهم كل يوم سبت وثلاثاء وهم ينشدون أناشيدهم ويقيمون شعائرهم وكان يستغرب ذلك الوضع وأعتقد أنه لم ينسى ذلك.
في هذه الفترة بدأت تتبلور لديه عدة تساؤلات أين نحن من هذه القصة ومن كل ما يجري حولنا, ولماذا طردوا هؤلاء الجماعة, سمعهم يتحدثون عن الوطن وعن الظلم البريطاني والوعود الكاذبة بدأ ينشد لهذه الناحية من تلك الأيام زاد وعيه بالقضية الفلسطينية عندما كان يختلط بالطلاب الفلسطينيين القادمين من غزة وأنحاء أخرى من فلسطين للدراسة في جامعة الأزهر والكليات والمعاهد الجامعية الأخرى خاصة جامعة الأزهر اقترب منهم كثيرا وكان يجالسهم ويأكل معهم الأشياء البسيطة والمأكولات الشعبية المعروفة مثل الفول والطعمية والجبن والزيت والزعتر كان يجلس على الحصير معهم كواحد منهم وأنا رأيت عدة مرات آثار الحصير على أنحاء من جسده كان يعنى بهم ويساعدهم على اعتبار انه أصبح عالم وعلى معرفة ودراية بأحوال القاهرة والبيوت والمساكن والإيجارات فكان يساعدهم على إيجاد مساكن لهم هذا اتاح الفرصة لياسر للإطلاع على كثير من أحوال الوطن.
البحث عن السلاح في الصحاري
وقبيل عام ال48 بدأ يعلم أن الوطن بحاجة الى سلاح وكان عمره في تلك الفترة اقل من عشرين عاما وتطوع لمساعدة من جاء من فلسطين لهذا الغرض, بجمع السلاح ومن أين؟ من بقايا الأسلحة التي كانت من بقايا الحرب العالمية الثانية سنة ال42 من منطقة مرسى مطروح ومناطق غرب الإسكندرية وكانت في يد البدو وكان الحصول عليها أولا في غاية الخطورة ثانيا رخيصاً الى حد ما, ولكن التعامل مع البدو يحتاج الى شخص ذكي حتى يستطيع مساومتهم وقد ساهم ياسر في هذا العمل الضروري لأنه المصدر الوحيد للسلاح وفي نفس الوقت الخطر لكنه ومن معه استطاعوا أن يجمعوا كثيرا من هذا السلاح وتوفيره لهؤلاء الشباب بأسعار مقبولة وقد ساعده في ذلك إتقانه اللهجة المصرية.
حادث غريب
وقد حدث معه حادث غريب جدا عندما ذهب الى وكالة البلح وهو مشهور في مصر لبيع الأشياء القديمة ووجد سيارة مصفحة قديمة فقرر شرائها رغم نصيحة البائع له بعدم نفعها فقال له ياسر: مادام الأمر كذلك فلا تأخذ ثمنا كبيراً, وبعد شرائها دفعها بصحبة عدد من رفاقه الى مبنى وزارة الخارجية المصرية. وكان يريد بذلك إرسال رسالة مفادها أننا نريد سلاحاً وما لدينا من أسلحة قديمة لا تنفع نريد من مصر أسلحة لتكون عوناً لسكان فلسطين المعتدى عليهم.
طبعا بعد ذلك دخل الجيش المصري غزة في 15/5/48ووصل المجدل بل بعدها على مقربة من يبنا, تمنى ياسر أمنية, وتحققت وهي ان إخواننا المصريين يساعدون في مقاومة الاحتلال الصهيوني وقرار التقسيم الخاطىء والظلم البريطاني والأممي.
مهمة في غزة
بالنسبة لياسر لم ينقطع عن قطاع غزة في ذلك الحين من سنة أل 47 وال48, بل إنه اشترك في القتال مع قوات جيش الجهاد المقدس الذي أرسله الشهيد "عبد القادر الحسيني", وحارب مع المهندس "حيدر الحسيني" بعد استشهاد المرحوم "عبد القادر"..وحضر النكبة..وانفعل كثيراً لها وبها..وعاد إلى مصر وكاد يغادر مصر إلى عالم آخر يتابع فيه دراسته..ولكن, وسريعاً سمع نداء الوطن الذي كان أعلى وأقوى. فقرر عدم السفر, والبقاء مع الذين لمس فيهم إيماناً بالقضية وبالتحرير.
والتقوا جميعاً وبدأوا يعدون العدة على مبدأ"ما حك جلدك مثل ظفرك".
وجاء الى غزة سنة ال56 عندما انسحب اليهود جاء بعد ان رجعت الإدارة المصرية جاء ياسر ومعه مجموعة من الإخوان الذين كانوا على قناعة ان الحق لا يعيده الا اصحابه يجب ان نمسك قضيتنا بأيدينا ونكون نحن الطليعة والعالم العربي باجمعه معنا يؤيدنا ويساعدنا وبداوا يفكرون في إقامة حركة التحرر الوطني الفلسطيني فتح كان أول لقاء لهم في غزة سنة 56.
هل كانت هذه الزيارة الأولى لأرض الوطن منذ أن سافر وهو صغير؟!
بالطبع لا. كان يأتي إليها زيارات لكن هذه المرة كان لزيارتهم هدف حيث اجتمعوا هنا في غزة وفكروا في إقامة حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح
إذن البداية كانت هنا في غزة في أواخر مارس 56 وبدأوا يفكرون هذا التفكير الجدي الذي تطور ووصل الى ان يقيموا حركة التحرير الوطني لفلسطيني فتح.
من مصر إلى الكويت
في هذه الفترة تسع سنوات كان قد أكمل دراسته وبدأ يعمل في بناء شركة المحلة الكبرى في مصر ولكنه وجد ان الفرصة ستكون أفضل لو سافر لخارج مصر فذهب الى الكويت سنة 58 وهناك التقى بالطلائع" خالد الحسن" و"خليل الوزير"و"صلاح خلف" و"فاروق القدومي"وآخرين من الأشخاص الذين كانوا يفكرون في هذا التفكير وهو وجود حركة وطنية فلسطينية.
وفي الحقيقة انه عمل جيدا في شركة إنشاءات ولو قدر له ان يستمر في عمله لكان من الممكن ان يصبح مليونيرا ولكنه وجد إن الحركة الوطنية وتحرير الوطن أفضل من كل الأموال, فترك الشركة وبدأ يصرف على حركة التحرير الوطني فتح من أمواله الخاصة وكان يشرف على إصدار مجلة (فلسطيننا) التي استمرت في الصدور قرابة أربع سنوات وأصدرت أربعين عدداً تقريبا وكانت تنشر مقالات تعبأة وتوجيه وكان ياسر عرفات يعطي للأشخاص الذين يعملون معه رواتب تسد حاجاتهم بعد ان تفرغوا للعمل في هذه الصحيفة
من هنا ياسر عرفات أصبح قائداً أولا في القاهرة كان قائداً طلابياً ثم أصبح قائد حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح وبدأوا بترتيب أمورهم وترتيب قوات العاصفة الى ان انطلقت العملية الأولى في 1/1/65 وما تلاها من عمليات فشل بعضها بسبب تتبع المخابرات العربية لعملهم لكنهمأصدروا البلاغ الرسمي الأول باسم العاصفة.
لا شيء غير فلسطين
ولا أبالغ حينما أقول إن هذا الرجل قد جعل قضية فلسطين قرينته وشغله الشاغل ليل نهار معتبرا القليل من الوقت الذي يعطيه لأهله وأصدقائه منحة لا حقا وعندما مات أخوه الأكبر جمال تعامل معه كأي شهيد ولم يقو على بكائه وقال لي لا يحق لي أن ابكيه فكم من شهيد من أهلنا قضى ومضى.
فرض على نفسه قطيعة تامة عن متع الحياة حتى العادية منها, وكانت متعته الوحيدة هي كوب الشاي المحلى بالعسل صباحا وكان طعامه في النهار طعام سائر الناس وفي أيام الثورة والتقشف كان يفرض على الجميع صنفا واحدا من الطعام يتناولونه جميعا سواسية.
لا تنسوا فلسطين
س/ "لا تنسى فلسطين " ثلاث كلمات كانت فحوى الرسالة التي بعث بها الثائر ياسر عرفات إلى أول رئيس مصري وهو اللواء محمد نجيب في أعقاب ثورة 23/يوليو عام 53 ويقال انه سطرها بدمائه. ما حقيقة هذا الأمر ؟وما هو المغزى من وراء كتابة هذه الرسالة بدمائه؟
هذا صحيح وقد كان لياسر صلة مع الضباط الأحرار منذ أيام المقاومة في المعسكرات البريطانية عند قناة السويس .واستمرت إلى ما بعد قيام الثورة وقد كان السيد اللواء محمد نجيب على رأس هؤلاء الضباط وقد طلب ياسر مقابلته وكتب له هذه الوثيقة بالدم الفلسطيني ولست ادري ان كان دمه أم دم آخرين معه, وسلمهالا إلى اللواء عام 1952, وكان ياسر إذ ذاك طالباً وعمره 23سنة.
والمغزى من كتابتها بالدم هو طلب العون من الشقيقة الكبرى مصر ممثلة بالرئيس إضافة إلى اعتزازه بالدم الفلسطيني وجدية الطلب واستعداد هؤلاء الطلاب لبذل الدم في سبيل الوطن.
أغرار الأمة
س/بالانتقال إلى إحدى المحطات الهامة في تاريخ ياسر عرفات والشعب الفلسطيني بأسره وهو الانتصار الساحق في الكرامة, بعد تلك المعركة بدا يلمع نجم ياسر عرفات.لو تحدثنا قليلا عن تلك المرحلة وهل من رد فعل معين أو اتصالات بين أبو عمار وبعض الزعماء العرب بعد هذا الانتصار الذي حققته فئة قليلة من المقاتلين الفلسطينيين؟
قلنا انه أصبح رئيس فتح وان المخابرات العربية كانت نشطة في متابعتهم وانطلقت أبواق عربية تقول سوء التوقيت والتفريط والتوريط, والغريب أيضا إن هناك أبواقاً فلسطينية انطلقت لتؤيد هذا الكلام وكانت إسرائيل في عام 1967 قد حققت انتصاراً فظيعاً على العرب, ولعلها أرعبتهم جميعاً.
في ذلك الحين انكمشت العمليات مؤقتا واقتصر الأمر على التدريب والاستعدادات والعمليات الفردية حتى عام 68 بعد الهزيمة العربية كانت معركة الكرامة وجد ياسر عرفات ان الهزيمة حصلت ولكن يجب ان تظل روح القتال مشتعلة في ضمير الأمة العربية. كيف؟ في عملية الصمود في معركة الكرامة إذ قرر هو ومن معه من الإخوان الصمود وعرفوا ان إسرائيل لا بد ان تحضر للقضاء عليهم في الأردن.واستعدت إسرائيل وقررت سحق المقاومة الفلسطينية ,فكانت معركة الكرامة في مارس 68 غزوا الأراضي الأردنية بقوات من جميع الأسلحة طائرات ومدفعية ودبابات ومشاة وبأعداد كبيرة عندها قررت القيادة الفلسطينية "الصمود الواعي" وكان المقاتلين شباباً حتى ان اسمهم كان "الأغرار" واستشهد وقتها من المقاتلين الفلسطينيين ما لا يقل عن 130 شخصاً وعندما شعر الإسرائيليون بحجم الخسائر قرروا الانسحاب علما أنهم كانوا يعتقدون أنهم في نزهة ولأول مرة تركوا بعض قتلاهم في أرض المعركة حتى ان بعضهم كان مجنزر في الدبابة وتركت في ميدان المعركة. وهنا لا بد أن نذكر مقاومة القوات الأردنية الشقيقة ومشاركتها في صد العدوان بالمدفعية وتحملها نحو "30"شهيدا أسماؤهم مكتوبة على نصب تذكاري في الشونة.
انتصار الكرامة كان على المستوى الفلسطيني حيث انطلق الشباب بدون قيد للالتحاق بالحركة الوطنية وكثرت الأعداد بشكل مذهل حتى ان البعض ترك دراسته وعمله والتحق بهذه الحركة وأصبحوا كوادر في الثورة الفلسطينية.
إقامة سرية
في تموز 1967 كان عرفات قد انتقل للعمل السري و توجه سراً إلى الضفة الغربية المحتلة حيث أمضى أربعة اشهر قام خلالها بتنظيم خلايا حركة فتح. كيف قضى هذه الفترة العصيبة دون أن تطاله يد العدو ؟
قليل من الناس من كان يعلم تحركات الرئيس عرفات, فقد كان ينتقل من مكان الى آخر ويندر أن يظل في المكان أكثر من يوم واحد أو حتى ساعة. وكان عنده حس امني عجيب جدا كأنما يشتم رائحة الخطر وأذكر هنا أنه شعر في أحدى الأيام أنه محاصر وأن المكان الماكث فيه أصبح خطراً وفي دقائق غيَر ملامح وجهه واصطحب إحدى السيدات مع طفلها ليوهم من يراه أنهما زوجان يسيران معا في الشارع كان هذا في الضفة.
قلما كان يظهر نفسه لأنه كان يعرف انه مطارد وكان عنده حس امني عجيب شاهدناه أولا في بيروت 82 كان شارون و قد جند شارون ما لا يقل عن70 شخص ليراقبوا تحركاته ويبلغوا عنه وهم مزودون بأجهزة اتصال.
هذا شيء, الشيء الآخر الذي ظهر فيه حسه الأمني عندما تم مهاجمة حمام الشط أثناء وجوده في تونس فكان قد غادر المكان قبل دقائق.
ولكن لا ادري كيف تمت عملية التسميم الأخيرة التي يتم الحديث عنها وهذا شيء محزن بالفعل ومريع ولا يمكن السكوت عنه. سيظل ملف هذا الموضوع مفتوحاً لخلفاء القائد الراحل وللأجيال الفلسطينية القادمة, فهذه قضية الجميع.
س/لكن هل زار القدس خلال مدة الأربعة اشهر ؟
في الحقيقة لم اسأله هذا السؤال لكن لا استغرب ان يكون قد زار القدس وزار أقربائه هناك مع العلم انه كان يود السيدة (ثروت ) زوجة( راجي أبو السعود ) ابن عم خاله حتى نهاية حياته وقد بلغ عمرها قرابة التسعين عاما ولم تمت إلا بعد ان سمعت بوفاته فليس بعيد ان يكون قد زارها لكن لا أستطيع ان اجزم بذلك.
س/إذا ما تحدثنا عن فترة السبعينات لأول مرة يصبح فيها المقاوم الفلسطيني مطارداً من قبل إخوة عرب.كيف كان شعوره في تلك الفترة؟
تراوحت العلاقات مع الأردن بين مد وجزر منذ العملية الأولى 1/1/65 وعندما قامت الأردن بضم ما تبقى من الضفة الغربية وأصبحوا مسئولين عنها أقاموا مؤتمر أريحا بقيت العلاقات في تجاذب مستمر كما ان أهلنا في المخيمات عاشوا في عناء شديد أنا اعتقد أن هذا الموضوع لا يجب التطرق إليه لأنه مؤلم ولا داعي الآن لفتح الجراح.
عرفات الإنسان
كان إنسانا عاديا, يساعد كل محتاج إن أراد مساعدة في إيجاد مسكن أو شراء حاجة أو ما شابه ذلك وكان كريما مع المرضى والدارسين,لم يرفض لهم طلباً ولا طلب عون.
وكان عطوفا على الصغار والضعاف.كانت نقطة ضعفه اللطيفة المقبولة هي "حب الأطفال", فهو يحنو عليهم ويحرص على سعادتهم, كان يقبلهم ويقبل أيديهم ويكاد يضعهم في قلبه,وكان مبعث هذا إيمانه بأن الأطفال أحباب الله وحبهم من حب الله.
وتقديرا مني لهذا ورغبة مني في إخراجه من دائرة الأزمة والسياسة كنت احضر له مجموعة كبيرة من أطفال الأسرة عندما كنت اعلم بأنه سيأتي لزيارتي وكان يمضي معهم وقتا سعيدا جدا وكان يداعبهم ويقبلهم, وكان عندما يخرج إلى عمله يجد عند الباب ما لا يقل عن ثلاثين طفلاً وطفلة, فكان يترك الحراسات والسيارات وينزل إلى الشارع فيحيطون به ويدورون حوله ليسعدوا بالسلام عليه أكثر من مرة.
قائدا
ليس الأطفال فحسب ولكن كل أفراد الشعب الفلسطيني فقد كان رحمه الله محبوباً ومحترماً في أوساط المجاهدين والمقاتلين يعتبرونه أبا وأخا ومعلما يحب من يعمل معه ويحبونه ويلبون حاجاته بمجرد نظرة أو لفتة أو إشارة كان يعاملهم على قدم المساواة فكان يأكل معهم ولا يطلب أي شيء يزيد عن بقية المقاتلين وفي الأزمات كان ينام إلى جانب المقاتلين ويضع نصف البطانية تحته والنصف الأخر فوقه وربما شاركه فيها مقاتل من المقاتلين إذن تميزت معاملته بالود مع كل المقاتلين.
وفي حياته لم يمارس ما مارسه شباب زمانه في أي بلد أقام فيه من معاكسات الفتيات ولم يعرف عنه انه اقترب منهن
أبو عمار يبكي
كما كان يعامل الإخوة في الفصائل جميعا على قدم المساواة فلا يفرق بين احد منهم وقد شهدت هذا في بيروت عندما كان يسمع أن جورج حبش وصل, بعد دقائق يكون في زيارته وقد رأيته يبكي حقيقة عندما علم باستشهاد (زهير محسن) وهو يقود فصيل مناوئ تقريبا فلم يكن أبو عمار يهتم بهذا, أما أبو جهاد فان استشهاده قد كسر ظهره (بتعبيره هو).
وأذكر في إحدى المرات أن قائد فصيل مناوئ هاجم أبو عمار في إحدى المؤتمرات هجوما مرا وكأنما هذا المؤتمر خصص لمهاجمة ياسر عرفات وقد تساءل الناس كيف سيرد عرفات على هذا الهجوم اللاذع وما أن انتهى المؤتمر حتى انطلق ياسر عرفات كالصاروخ يحتضنه ويقبله وامسك بيده رافعا شارة النصر وكان يعامل قادة الفصائل معاملة جيدة جدا و في الحصار في بيروت لم يترك فصيلاً من الفصائل إلا ولبى حاجاته من مواد غذائية وعلاجية و ملابس وغيره فكانت مخابز فتح تعمل ليل نهار وتوزع على كافة الفصائل بهذا اكتسب ود الناس وحبهم وأنا لا اعتقد أن هناك فلسطينياً يكره ياسر عرفات وكانوا يختلفون معه ولكنهم لا يختلفون عليه. فهو كان يحبهم جميعا وقد ظهر هذا واضحا عندما عاد الى رام الله محمولا على الأكتاف.
ولكن إذا اتخذ قراراً يصبح ديكتاتوراً في التنفيذ, اخذ القرار لا بد ان ينفذ بلا جدال أو نقاش, كما رفض فوضى السلاح وكان يقول:" إذا لم ترشد البندقية تكون قاطعة طريق" يجب أن تستعمل البندقية والسلاح برشد.أيضا من صفاته مشاركته الجميع في جميع المناسبات السعيدة والحزينة.
خلاصة هذا الكلام انه أحب الناس حبا صادقا وأحبه الناس أيضا حبا صادقا بلا تصنع.
سقوط الطائرة في ليبيا
في نيسان 1992 تحطمت طائرة أبو عمار في الصحراء الليبية وقيل أنه استشهد في تلك الحادثة ولكن ظهر من جديد بعد ساعات من الحادث.كيف كانت حالته بعد هذه الحادثة ؟وهل روى لكم تفاصيل اللحظات الأخيرة التي سبقت سقوط الطائرة؟
الطائرة كتب عنها كاتب ورسام فلسطيني الدكتور (عبد الرحمن المزين ) واذكر مما سمعته من هنا وهناك ان الطائرة تعرضت لعاصفة هوجاء فضلت الطريق ولم تصبح هناك أي دلالة على مكان المطار ولم تنجح محاولات إرشادهم على مكان المطار عندها قال ياسر عرفات للطيارين لا فائدة علينا أن ننزل نزولاً اضطرارياً وهذا يقتضي حيطة كبيرة فقام المرافقون بلفه بالبطاطين وكذلك فعلوا لأنفسهم علما بان الطيارين هم من كانوا في خطر ماحق وكان أبو عمار أثناء نزول الطائرة يشجع الطيارين ويرفع من عزيمتهم ويحثهم على التفاؤل ولكن للأسف كما نعرف حدثت إصابات وقتلى.
والآن أصبحت الطائرة وسط صحراء وخوفا من الذئاب أشار عليهم أبو عمار أن يستفيدوا مما تبقى من أجزاء الطائرة وإشعالها لطرد الذئاب التي تهدد حياتهم.
أما نحن فقد كنا في قلق شديد جدا على مصيرهم لا سيما وأننا فقدنا أي مصدر بأي خبر عنهم وكنا تتابع مع مكتب حركة التحرير الوطني الفلسطيني في تونس, وفي النهاية خرجت دوريات ليبية للبحث عن طاقم الطائرة حتى استطاع احد هذه الدوريات بقيادة العميد (خالد سلطان) مع الإخوة الليبيين تحديد موقع الطائرة وتم إبلاغ الحكومة الليبية واتجهوا بسيارة إلى أحد مستشفيات طرابلس وكانت السيدة (سها) أول من أخبرتنا بنجاة الرئيس عرفات وذهبت أنا بصحبة بعض أفراد العائلة وإلى شقيقته الحاجة إنعام التي كانت قلقة جدا وزوجتي ومن الأشياء الغريبة التي سمعتها أنهم وجدوا ثلاثة عصافير( سنونو) في مكان الطائرة كيف جاءوا على هذه الصحراء لا ادري.وقد سأل أبو عمار عن المرافقين واحداً واحد وبالاسم , كيف فلان وأين فلان , وتابع حالة كل واحد وكل من استطاع الإجابة كان يقول المهم أنت يا أبو عمار واهتم بإحصاء ما يمكن أن يؤكل ويشرب ليوزعه عليهم التساوي انتظارا لفرج الله .
زواج أبو عمار
بالانتقال إلى موضوع زواج الرئيس عرفات من السيدة سها والذي يقال أنه أن لقي معارضة من بعض المقربين من الرئيس الراحل.كيف استقبلت عائلة الرئيس الراحل نبأ زواجه؟
حقيقة أنا لا اعلم أن أحداً رفض أو اعترض على هذا الزواج أنا شخصيا احترم اختيار الرئيس عرفات وليس لي أي اعتراض وليس لي ان اعترض فهو اختار والمفروض ان يحترم الجميع هذا الاختيار وأول مرة رأيت بها السيدة( سها) عندما ذهبت الى مدينة الحسين أنا وزوجتي عندما نقل لتلقي العلاج فيها بعد حادث الطائرة فوجدنا السيدة (سها) موجودة في المستشفى وعندها سألته زوجتي أم ناصر إذا ما كان تزوج من السيدة (سها) فأكد لها أن الزواج قد تم فقدمت لها"أم ناصر" أسورة من الذهب كانت تلبسها في يدها هدية.
أما أنا لم اسمع ان احد اعترض على اختياره ولو سمعت لما سمحت لأحد أن يعترض فمن حقه ان يختار من واجبنا احترام هذا الاختيار وكانت العلاقة فيما بعد ودية وكنا نتبادل الزيارات كثيرا عند عودتهم إلى غزة,وفي زمان البعد والسفر كنا نتصل تليفونيا باستمرار.
عرفات الأب
س/بالانتقال للحديث عن عرفات الأب. ماذا غير وجود زهوة في حياة الرئيس عرفات ؟
في الواقع لم تغب زهوة عن خاطره سواء كانت موجودة في مكتبه أو في المنزل كان يداعبها ويقبلها شأن كل أب محب لابنته إنما لم تكن تشغله عن واجباته الأساسية كان يهمه ان تتعلم وان تكون فلسطينية بالدرجة الأولى واذكر أنهم ادخلوها إلى مدرسة (الوردية المقدسة) في غزة كان أبو عمار يحرص على ان تكون في هذا الجو الفلسطيني وأتمنى أن تعود زهوة الى هذه المدرسة, في وطنها تتنفس هواءه وتتشبع بروحه.وأنا اعلم أن هذه كانت رغبة الرئيس عرفات.
س/بعد رحيل الرئيس عرفات زهوة الآن في تونس. ما طبيعة العلاقة بينكم وبين زهوة؟
لم يمض كثير على الوفاة, وقد اختارت السيدة سها تونس لتعيش فيها بصحبة ابنتها وأرجو أن تكون هذه الفترة قصيرة. على أنني أود أن أقول:أن السيدة سها حرة في هذا الاختيار أما عن زهوة فيقال إن زهوة الآن في مدرسة أمريكية في تونس ومنذ الوفاة حتى اللحظة لم تأت إلى هنا ونحن لم نتصل ولا السلطة تحدثت في هذا الموضوع لأننا في مرحلة عزاء وحداد, ولكن نتمنى مثل ما كان يتمنى الرئيس ان تأتي إلى فلسطين لتنشأ نشأة فلسطينية مع أترابها وإخوانها وأخواتها أطفال فلسطين, ونحن نرجو لها ما كان يرجوه الرئيس من أن تشارك في رفع العلم الفلسطيني على القدس: مساجد وكنائس وأسوارا.
س/هل تفكرون في إجراء اتصالات مع السيدة سها لتطلبوا منها أن تعود بصحبة زهوة للعيش هنا ؟
أنا اعتقد أن هذا لا بد ان يحصل, لكن هذا ليس وقته الآن.
س/في تموز 1994خرجت الجماهير من شتى أنحاء غزة لاستقبال القائد العائد ياسر عرفات بعد توقيع اتفاقية السلام وبعد غياب عن الوطن دام عقوداً.كيف كان انطباع الرئيس الراحل أبو عمار وهو يرى هذا التأييد والاستقبال الحافل من أبناء غزة؟
هو حضر في تموز وأنا حضرت في أغسطس لكني تابعت وصوله عبر التلفزيون
وقد شاهدت حشود الفلسطينيين الذين يقيمون في ارض سيناء, الأمر الذي فاجأ الرئيس مبارك الذي اصطحب الرئيس عرفات إلى الحدود. عندها نزل الأخ الرئيس الى الأرض سجد وقبلها وسار وسط بحر من الناس عندما وصل الى غزة شعر بسعادة غامرة وقد مكث في المنتدى ولم يكن هناك مكان يصلح للإقامة فيه إلا كشكاً مكث أبو عمار فيه أياما طويلة وكان ينظر الى البحر بحر غزة وهو في منتهى السعادة.
لحظة ضعف
س/قرابة الثلاث سنوات عاش الرئيس الراحل ياسر عرفات في حصار محكم بمقر المقاطعة هل قمت بزيارة له في مقره أثناء هذه الفترة ؟كيف كان يقضي أيامه داخل المقاطعة؟
أولا كان الحصار حصاراً وحرب أعصاب لا سيما عندما بدا الإسرائيليون يهبشون في المبنى ويحطمون الجسر الذي يفصل القسم الأول عن القسم الثاني ولم يبقوا الا غرفتين صغيرتين والباب الرئيسي للمبنى تم تكسيره وقد استغربت عندما ذهبت إليه ووجدت غرفة للمرافقين لا تتسع إلا لشخص أو اثنين فقط وجدت فيها خمس سرر لهم.
وقدر لي أن أسافر إلى رام الله لزيارة الرئيس في مناسبة حزينة وهي فراق زوجتي أم ناصر زرته في 15/8 وقد أخبرته ونحن في القاهرة عن وفاة زوجتي وأود الإشارة إلى أنني نادرا ما كنت اسمعه يبكي ولكنه أجهش حينها بالبكاء بصوت مسموع وسأل كيف؟ ومتى؟ فقمت بإغلاق الهاتف حتى لا اسبب له الحرج وأنا اشعر بلحظة ضعفه التي مر بها في تلك الأثناء وبعد انتهاء المراسم والعزاء في غزة ذهبت إليه ورأيته وكان المكان الذي يجلس فيه غرفة طولية يستقبل فيها الزوار وعلى شماله كومة من الأوراق والغرفة تحتوي على شباك صغير جدا ولا يدخلها هواء يكفي لحياة الناس وكان يوجد جهازا لتوليد الأكسجين الصناعي أما الغرفة الأصغر فهي عبارة عن مكتبه اليومي عندما لا يتواجد زوار, جلسنا فيها وكان هذا اللقاء الوحيد في فترة الحصار لكننا كنا دائما على اتصال به لتشجيعه أنا وأخته المرحومة أم ناصر أأكد أن هو من كان يشجعنا.
ابتسامة لا تغيب
س/ابتسامة أبو عمار لم تغب لحظة وظل طوال تاريخه متفائلاً رغم كل الصعوبات التي واجهت القضية الفلسطينية.من أين استمد كل هذا التفاؤل وهذه القوة؟
استمده من إيمانه بالله سبحانه وتعالى, ومن عدالة قضيته, ومن إيمانه بشعبه كل هذا أعطاه مجالا للتفاؤل و تفاؤله هذا شيء طبيعي, لأنه كان يشعر ان الله سبحانه وتعالى لا بد ان ينصر هذه القضية هناك بعض الأحيان كانت تحلولك الأمور في عينيه لكنه سرعان ما يعود لتفاؤله وإيمانه بالله وبقضيته وبشعبه.
سيـاسة في سيـاسة
س/أخ أبو ناصر بحكم صلتكم العائلية بالرئيس الراحل ياسر عرفات.أود أن أسألك عن اهتمامات الرئيس الراحل وكيف كان يقضي ما تسنى له من وقت بعيدا عن معترك الحياة السياسية ؟
أنا أرى أن السياسة كانت هاجسه ليل نهار ولم يبعد عنها إطلاقا وفي الحقيقة انه قلما كان يلبي لنا دعوة لتناول الطعام عندنا أو ما شابه, ولكن مع ذلك قلما كان يسافر ويعود الا ويمر على بيت أخته الكبيرة ثم يزورنا وزيارته لا تتعدى الساعة وليست بدعوة واذا دعوناه كان يرفض كان هذا ديدنه مع كل الأقرباء والأصدقاء وكان الأقرباء يعتبون عليه وكنت اشعر انه يكرس وقته من اجل قضيتنا المشتركة, باختصار لم يكن عنده وقت للمجاملات الأهلية.
مستقبل القضية
س/هناك تخوف لا يخفيه البعض على القضية الفلسطينية بعد رحيل القائد ياسر عرفات.كيف يرى جرير القدوة "أبو ناصر" مستقبل القضية الفلسطينية بعد غياب الرئيس أبو عمار؟
أنا لي ثقة بما كان يثق به الراحل أبو عمار وهو ان الشعب الفلسطيني أصبح عالما بقضيته وبأبعادها ومشاكلها وارى ان هذا الشعب لن يفرط بأي حق من الحقوق التي أرساها لهم ياسر عرفات وهي إقامة الدولة الفلسطينية على أراضي أل 67 وعاصمتها القدس الشريف وعودة اللاجئين, ولا أرى أن أحدا يفرط بهذا الحق الذي لم يفرط فيه ياسر عرفات كما أنني على إيمان عميق بالقادة الذين خلفوا الرئيس عرفات, فجميعهم على نفس الدرجة من الإخلاص واعتقد أن هؤلاء القادة سيتمسكون بهذه الثوابت.
لا تفريــط ولا إهمـــال
س/لا يخفي عليكم البلبلة القائمة في أوساط الشعب الفلسطيني حول سبب وفاة الرئيس "أبو عمار"لا سيما احتمال وفاته مسموما.هل لدى عائلة الرئيس عرفات النية في متابعة سبب الوفاة الحقيقي؟
بلا شك أننا كعائلة للرئيس عرفات لا بد ان نتابع هذا الموضوع, وكسلطة لا بد ان تتابع البحث في هذا الموضوع, وانتم تعرفون أن الدكتور "ناصر القدوة" احضر الملف الطبي وسلمه الى رئيس السلطة المؤقت "روحي فتوح" الذي كلف لجنة طبية تتكون من خيرة الأطباء من مصر والأردن وتونس وفلسطين للبحث في سبب الوفاة.وكما فهمت من ناصر الذي كان يلازم المرحوم في فرنسا قوله:" إن من يقول ان ياسر عرفات مات مسموما مخطىء, كما أن من يقول انه مات غير مسموم أيضا يخطىء".
الآن الملف مفتوح لا احد يستطيع الجزم بحدوث التسمم أو عدم حدوثه. القضية مفتوحة ولا احد يدري الى متى لكن لن يفرط الشعب الفلسطيني وأسرة الرئيس عرفات والقيادة الفلسطينية التي خلفت الرئيس عرفات لن يفرطوا في هذه القناعة وبهذا الواجب وهو الاستمرار في العمل للتعرف على سبب وفاة الرئيس عرفات.
أنا لدي قناعة ان الوفاة غير طبيعية ولكن هذه القناعة لا ترقى إلى مستوى الدليل الذي أستطيع أن احلف عليه يمين.
موضوع ياسر عرفات معقد كثيرا تتشابك فيه السياسة مع العلم وهذا متروك للزمن لكن لا تفريط ولا إهمال.
لدغـــة عقــرب
لقد كانت لدغة العقرب مميتة وقوية وجديدة لدرجة أن الطب لم يستطع أن يحدد لها دواءاً معروفا لذا انتهى الرجل بسرعة خاطفة كيف لا اعلم, وتساورني أحيانا شكوك بان العملية لا بد أن تكون قد بدأت منذ اشهر قبل وصول حالة الرجل الى الوضع الذي رأيناه بها يودع ويعد بالعودة.
ليبارك الله روحه, ويرحمه رحمة واسعة.