مشاهدة النسخة كاملة : حصــار الرئيس والإجتيــاح الإسرائيلـــي


فارس الأحلام
25-05-2005, 05:51 PM
[align=center]حصــار الرئيس والإجتيــاح الإسرائيلـــي


قبل وصول بعثة السلام الأمريكية برئاسة الجنرال أنتوني زيني، المقررة في 26/11/2001، شهدت المنطقة تصعيداً عسكرياً خطيراً، وذلك من خلال تكثيف إسرائيل لعملياتها العسكرية في مناطق السلطة الوطنية، بهدف جر الفلسطينيين للقيام برد فعل على تلك العمليات واتخاذ ذلك ذريعة للإستمرار في تنفيذ مسلسل اعتداءاتها اليومية ضد الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية، وجعل المنطقة وكأنها تعيش أجواء حرب حقيقية يخيم دخانها القاتم على المهمة المرتقبة للمبعوث الأمريكي، ووضع العقبات والعراقيل أمام مهمته، بهدف إفشالها سلفاً. فقبل أربعة أيام فقط من وصول الوفد الأمريكي، ارتكبت القوات الإسرائيلية في 22/11/2001، مجزرة جديدة في مدينة خانيونس بحق خمسة أطفال وهم في طريقهم إلى مدرستهم(1). ورفعت الحكومة الإسرائيلية من وتيرة تصعيدها العسكري عشية وصول طاقم السلام الأمريكي في 25/11/2001، بعدة عمليات بلغت ذروتها بإلقاء أكثر من عشرين صاروخاً من مروحيات عسكرية على عدد من المواقع الأمنية في محافظات غزة وخانيونس ودير البلح(2).

وأمام هذا البرنامج اليومي للحكومة الإسرائيلية من قصف واغتيال وتوغل، وتأكيدها على "مواصلة سياسة الإغتيالات حتى بوجود البعثة الأمريكية برئاسة زيني"(3)، حدثت العملية الإستشهادية، التي قام بها شابان فلسطينيان في محطة للحافلات في مدينة العفولة يوم 26/11/2001، قتل فيها ثلاثة من الإسرائيليين، وأصيب نحو 52 آخرين بجروح. وقد جاءت هذه العملية وفق بيان حركة الجهاد الإسلامي، وكتائب شهداء الأقصى، رداً على الممارسات الإسرائيلية واغتيال قائد الجناح العسكري لحركة حماس في الضفة الغربية محمود أبو هنود، الذي اغتيل في 23/11/2001.

في هذا الجو المتصاعد عسكرياً بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وصل الجنرال أنتوني زيني والوفد المرافق له، الذي انتدبته الإدارة الأمريكية إلى المنطقة، مساء يوم الاثنين 26/11/2001، في محاولة لإستعادة الهدوء بين الجانبين، ولإستئناف الولايات المتحدة تفعيل دورها في رعاية العملية السياسية في المنطقة. وفور وصول الوفد إلى إسرائيل، بدأ مهمته باللقاء مع رئيس الشاباك، آفي ديختر، ومع رئيس شعبة الإستخبارات العسكرية، اللواء عاموس مالكا، اللذين قدما تقريراً إستخبارياً عن المواجهات الإسرائيلية الفلسطينية. وفي 27/11/2001، التقى برئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون، الذي لم يتنازل خلال مباحثاته مع زيني عن مطالبته بـ "سبعة أيام من الهدوء المطلق" من الجانب الفلسطيني، كخطوة أولى لتنفيذ خطة ميتشل"(4). وفي 28/11/2001، التقى وفد السلام الأمريكي برئاسة زيني، وعضوية كل من وليام برنز، وأرون ميلر، يرافقهم القنصل الأمريكي العام في القدس رونالد شليكر، بالرئيس ياسر عرفات في مدينة رام الله، التي كان قد وصلها في 27/11/2001، بعد جولة مباحثات في القاهرة والرياض والأردن. وأكد زيني خلال الإجتماع أن مهمته لا تقتصر على الناحية الأمنية فقط، بل هي في الأساس سياسية، تتعلق بوقف إطلاق النار وتنفيذ خطة تينيت وتوصيات ميتشل، للتوصل إلى مفاوضات تؤدي في النهاية إلى إقامة الدولة الفلسطينية. وقد أعرب الرئيس عرفات، عن أمله في أن يتم البدء فوراً بتنفيذ تفاهمات تينيت وتوصيات ميتشل والاتفاقات الموقعة، وضرورة إيجاد آليات إلزامية وجدول زمني محدد لذلك، إضافة إلى أهمية تواجد مراقبين لمتابعة التنفيذ على الأرض(5).

وبينما يلتقي المبعوث الأمريكي الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، بهدف التوصل إلى تهدئة الأوضاع بينهما، لم تتوقف الممارسات الإسرائيلية لحظة واحدة ضد الشعب الفلسطيني ومناطق السلطة الوطنية، كان نتيجتها قيام شبان فلسطينيين بعمليات تفجيرية داخل إسرائيل، منها العملية التي وقعت شمال شرق مدينة الخضيرة في 29/11/2001، بتفجير حافلة إسرائيلية، قتل خلالها ثلاثة إسرائيليين وأصيب تسعة آخرين(6). وكثف الفلسطينيون من ردهم على الممارسات والإعتداءات الإسرائيلية، حيث كان هناك ثلاثة انفجارات في شارع بن يهودا وسط القدس، في 1/12/2001، قتل فيها ثمانية إسرائيليين على الأقل وجرح أكثر من اثنين وخمسين آخرين.

في ظل هذه الأوضاع، أراد الموفد الأمريكي الإضطلاع ميدانياً على ما تقوم به القوات الإسرائيلية في مناطق السلطة الوطنية، حيث قام والوفد المرافق له بزيارة إلى غزة في 1/12/2001، بعد زيارته لعدد من المواقع التي تعرضت للضرب والتدمير الإسرائيلي في الضفة الغربية، وشاهد جرافات الجيش الإسرائيلي وهي تقوم بأعمال تجريف في محيط مستوطنة دوغيت شمال قطاع غزة، والتدمير الذي لحق المدرسة الأمريكية، ومقر البحرية الفلسطينية جراء القصف الإسرائيلي المتواصل منذ عدة شهور(7). وفي 2/12/2001، وقعت عملية عسكرية في مدينة حيفا، أوقعت أربعة عشر قتيلاً اسرائيلياً، إضافة إلى تلك العمليات التي وقعت في القدس في اليوم السابق(8). ولقد خلقت هذه العمليات المتتالية داخل إسرائيل إرباكاً في الشارع الإسرائيلي، وتحفزاً لدى الأوساط الأمنية الإسرائيلية، التي تنتظر عودة شارون من زيارته إلى واشنطن. وفور عودة رئيس الوزراء الإسرائيلي في 3/12/2001، اجتمع بالمجلس الوزاري، على عجل في قاعدة سلاح الجو قرب مطار بن غوريون، حيث اتخذ عدة قرارات، من بينها المس برموز السلطة الفلسطينية، وضرب منشآتها وتدمير مقراتها. وتم التطبيق الفوري لتلك القرارات بالإغارة بواسطة الطائرات والزوارق الحربية على مدينة غزة، مستهدفة مهبط طائرات الرئيس ياسر عرفات، مما أدى إلى تدمير ثلاث مروحيات يستخدمها الرئيس عرفات، وكذلك خزانات الوقود الإضافية الموجودة تحت الأرض، مما أدى إلى اندلاع حريق هائل، فيما أصيبت مبان إدارية تابعة لقوى الأمن الوطني بأضرار مادية كبيرة، وكان قصف مروحيات الرئيس ليلة 3/12/2001 بمثابة إعلان عن بدء حصار الرئيس عرفات. كما تعرض مقر أنصار 2 إلى قصف عنيف من قبل المروحيات الإسرائيلية، التي أطلقت خمسة عشر صاروخاً، وفتحت نيران رشاشاتها بشكل عشوائي على المباني والمواطنين، أدت إلى إصابة ما لا يقل عن سبعة عشر شخصاً بجروح مختلفة. كما تم إحتلال مطار غزة الدولي، وتدمير مدرج المطار بإحداث سبع عشرة حفرة على امتداد المدرج، البالغ طوله 3070م. وكذلك دمرت الصواريخ الإسرائيلية مقري المحافظة والشرطة في مدينة جنين بالضفة الغربية، إضافة إلى إستشهاد شابين في جنين وطولكرم(9)، وفي 3/12/2001 كذلك نص القرار الصادر عن الحكومة الإسرائيلية كما ورد في صحيفة هآرتس الصادرة في 4/12/2001 على اعتبار السلطة الوطنية الفلسطينية كيان داعم للإرهاب، وأن المجلس الوزاري المصغر مخول باتخاذ قرار بشأن الخطوات العملية لذلك. وقد كشف الناطق العسكري الإسرائيلي في 4/12/2001، أن الجيش الإسرائيلي تلقى أوامر بتنفيذ عملية عسكرية طويلة الأمد، لم يسبق لها مثيل من حيث اتساع نطاقها ضد أهداف فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، حددها في الأهداف التالية: المقر العام لقوات الـ 17 في غزة، المقر العام ومعسكر تدريب قوات الـ 17 على حدود مخيم جباليا للاجئين في غزة، مقر قوات الأمن الوقائي في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، قاعدة لقوات الأمن العام في خانيونس، المقر العام لقوة التدخل السريع في طولكرم، المقر العام للقوة الـ17 في طولكرم، المقر العام للإستخبارات في سلفيت، والمقر العام للشرطة في رام الله. وقد تعرضت هذه الأهداف بالفعل إلى قصف إسرائيلي بري وجوي في 4/12/2001، أدى إلى سقوط ثلاثة شهداء في غزة ونابلس، وإصابة أكثر من 150 جريحاً، إضافة إلى توغل في مدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، وإعادة إحتلال أحياء عدة في مدينة البيرة(10). وكان الرئيس ياسر عرفات، يتابع أنباء العدوان الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني من مكتبه في مدينة رام الله، الذي طوقته القوات الإسرائيلية منذ يوم 3/12/2001، وهاتف عدداً من القادة العرب والدوليين، للقيام بخطوات من شأنها الضغط على إسرائيل لوقف عدوانها(11). كما طالب عبر اتصال هاتفي مع وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز، الحكومة الإسرائيلية بوقف عدوانها ضد الشعب الفلسطيني، والقصف الإسرائيلي لمقار السلطة الوطنية الفلسطينية، ورفع الحصار والإغلاق والإغتيالات وأعمال القتل، والإقتحامات الإسرائيلية لمناطق السيادة الفلسطينية(12). وفي الوقت الذي سعى فيه الرئيس ياسر عرفات لوقف العدوان الإسرائيلي وإيجاد حل دبلوماسي بعيداً عن الاقتتال، اتهم رئيس الحكومة الإسرائيلي أرئيل شارون في جلسة خاصة لحكومته وفق ما نشرته الصحف الإسرائيلية في 4/12/2001، الرئيس عرفات بمسؤوليته عن العمليات في الأيام الأخيرة، ووصفه في مؤتمر صحفي بأنه عقبة كبيرة جداً للسلام والإستقرار. وطلب منه محاولات تعجيزية، منها اعتقال المسلحين الفلسطينيين واستجوابهم ومعاقبتهم، وتفكيك البنية التحتية لحماس وفتح والجهاد والشعبية والقوة 17، وجمع الأسلحة غير الشرعية وتسليمها للأمريكيين، وعمل إجراءات وقائية، ووقف التحريض ضد إسرائيل.

وفي الوقت الذي كان فيه مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية يتابع تنفيذ ممارسات قواته العسكرية ضد الشعب الفلسطيني. كان مقر الرئاسة في رام الله في 6/12/2001، محوراً لنشاط سياسي مكثف بذلته الدبلوماسية الأمريكية والمصرية، في محاولة لوقف تدهور الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، إذ إستقبل الرئيس ياسر عرفات، في هذا اليوم الجنرال أنتوني زيني، والقنصل الأمريكي العام في القدس رونالد شليكر، ومستشار وزارة الخارجية الأمريكية أرون ميلر، ويعد هذا اللقاء الثاني بين الرئيس عرفات وزيني، منذ قدوم الأخير للمنطقة. وأكد الجانب الفلسطيني في الإجتماع أن على إسرائيل إنهاء الحصار ورفع الإغلاق وإنسحاب الدبابات الإسرائيلية من المناطق التي احتلتها، وأكد المبعوث الأمريكي خلال الإجتماع، أنه يبذل جهداً مجدداً بشكل فعال من أجل تهدئة الأمور، والسير على تنفيذ الرؤية التي تحدث عنها وزير الخارجية الأمريكي كولن باول، وهي تنفيذ توصيات ميتشل، وصولاً إلى إنهاء الإحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية. كما استقبل الرئيس ياسر عرفات، السيد أحمد ماهر وزير الخارجية المصري، الذي جاء برسالة تضامن مع الفلسطينيين، وقد أبلغ الإسرائيليين أثناء محادثاته في وقت سابق من اليوم مع رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون، ووزير الخارجية شمعون بيريز، ورئيس الدولة موشيه قصاب، أن كل حديث عن الأمن بمعزل عن الحل السياسي سيبقى ناقصاً، كما أبلغهم الموقف الرافض لكل الإجراءات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية من قصف وقتل وحصار وإغلاق(13).

رغم كافة الوساطات والنداءات الدولية والعربية، استمرت إسرائيل في عدوانها على الشعب الفلسطيني، حيث قامت الطائرات الحربية الإسرائيلية إف-16، في 7/12/2001، بقصف المقر الرئيسي للشرطة الفلسطينية في غزة، بقنابل تزن الواحدة منها 1000 رطل، مما أدى إلى تدمير عدد من المباني، وإلحاق أضرار مادية جسيمة بالمباني الأخرى، وإصابة مالا يقل عن عشرين شخصاً من أفراد الشرطة والمواطنين، بينهم ستة أطفال(14). كما اغتالت وحدات خاصة مواطنين من حركة فتح في كمين نصب لهما إلى جانب قرية دير غسان شمال غرب رام الله(15).

لقد خيم هذا العدوان الإسرائيلي الجديد على الإجتماع الأمني الثلاثي الأميركي الإسرائيلي الفلسطيني، الذي عقد في السفارة الأمريكية في تل أبيب يوم 7/12/2001، برئاسة الجنرال زيني. وقد حاول الجانب الإسرائيلي في الإجتماع فرض إملاءاته على الجانب الفلسطيني بضرورة اعتقال نشطاء فلسطينيين، ومنع عمليات ضد أهداف إسرائيلية، وجمع الأسلحة غير المرخصة، ووقف ضرب الهاون على المناطق اليهودية. في حين طالب الجانب الفلسطيني من أجل الوصول إلى تهدئة الأوضاع بينهما تنفيذ أمرين: الأول: رفع الحصار والإغلاق ورفع الحواجز، ووقف الإغتيالات وعمليات القتل، وإذلال المواطنين الفلسطينيين، وفتح المعابر الدولية. والثاني: الوقف الكامل لكافة أشكال العدوان على السلطة الفلسطينية، سواء ما يتعلق بقصف المقار المدنية والأمنية الفلسطينية، أو التوغل في مناطق السيادة الفلسطينية. وقد عرض الجانب الفلسطيني في الإجتماع رؤيته لكيفية تثبيت وقف إطلاق النار، وإحلال الهدوء وتنفيذ توصيات لجنة ميتشل وتفاهمات تينيت(16)، وذلك بهدف التوصل إلى سلام عادل وشامل في المنطقة، الأمر الذي أكده الرئيس ياسر عرفات، في مقابلة للتلفزيون الإسرائيلي في 7/12/2001، عندما قال: "أنا مستعد لتطبيق كل الاتفاقات التي سبق أن أبرمت مع إسرائيل"(17). في حين واصلت الحكومة الإسرائيلية وضع العراقيل تلو العراقيل أمام مهمة المبعوث الأمريكي، بهدف إفشالها وإحباط الجهود الدولية، وضرب الجهود المستمرة التي تقوم بها السلطة الوطنية لتعزيز الهدوء في كافة المناطق، وذلك من خلال ارتكابها مجزرة جديدة فجر يوم 9/12/2001، عندما اجتاحت بلدة عنبتا شرق طولكرم، مستخدمة في ذلك طائرات مروحية ودبابات وناقلات جند، وأسفر عن ذلك إستشهاد أربعة ضباط من الشرطة الفلسطينية، واعتقال ما يزيد عن عشرين مواطناً.

لم يمنع التصعيد العسكري الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني من عقد إجتماع أمني ثلاثي آخر في 9/12/2001، بمشاركة المبعوث الأمريكي أنتوني زيني، غير أن هذا الإجتماع كسابقه لم يحقق أية نتائج، نتيجة لاستخدام الطرف الإسرائيلي لغة التهديد والتوعد باستمرار أعمال القتل والإغتيال والقصف إضافة إلى حصار مقر الرئيس عرفات ومنعه من السفر لحضور الإجتماع الوزاري الطارئ لمنظمة المؤتمر الإسلامي في الدوحة في 10/12/2001، بدلاً من أن يأتي برد على الرؤية التي قدمها الطرف الفلسطيني لإحلال الهدوء في المنطقة، أثناء الإجتماع السابق، مما حدا بالمبعوث الأمريكي قبل مغادرته الإجتماع بالقول: "إذا لم تقوموا خلال الساعات الثماني والأربعين المقبلة بالشروع في إجراءات تثبيت وقف إطلاق النار والتهدئة، فإنني سأعيد تقييم جولتي في المنطقة، وأتخذ القرار بهذا الشأن"(18). وقد أبدت السلطة الوطنية الفلسطينية استعدادها للتجاوب مع اقتراح زيني لوقف شامل لإطلاق النار خلال الـ (48) ساعة المقبلة، واقترحت على الجانب الإسرائيلي عقد لقاء ثنائي عاجل، كي يتم وضع اتفاق وقف إطلاق النار الشامل ودون شروط موضع التنفيذ الفوري. كما طلب الرئيس ياسر عرفات، من المبعوث الأمريكي خلال لقائه في رام الله في 10/12/2001، ممارسة ضغط على إسرائيل لوقف عمليات الإغتيال والتصعيد العسكري ورفع الحصار المفروض على الأراضي الفلسطينية. وأكد الرئيس عرفات للجنرال زيني، عزمه على مساعدته في سعيه للتوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الفلسطينيين والإسرائيليين(19). وعقب إجتماع زيني مع الرئيس عرفات، وفي محاولة للمبعوث الأمريكي لسد الفجوة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، عقد إجتماع أمني ثلاثي في 11/12/2001، في مدينة القدس، طلب فيه الجنرال زيني من الإسرائيليين وقف هجماتهم على السلطة الفلسطينية لمدة 48 ساعة لتمكينها من "معاقبة" المجموعات الإسلامية، كما ذكرت مصادر مطلعة، على أن تبدأ فترة الـ 48 ساعة، بإجتماع أمني فلسطيني إسرائيلي مشترك، دون مشاركة الممثلين الأمريكيين، وتنتهي الفترة بعقد إجتماع مشابه يتضمن حضور الممثلين الأمريكيين(20).

وبعد ثلاث ساعات فقط من طلب المبعوث الأمريكي أنتوني زيني من الجانب الإسرائيلي وقف عمليات القصف والتوغل والإغتيالات، قصفت الطائرات الإسرائيلية مدينة خانيونس، مما أدى إلى سقوط ثلاثة شهداء، وسبعة عشر جريحاً، الأمر الذي يثبت مراراً إصرار حكومة شارون على إفشال مهمة موفد السلام الأمريكي، الذي حمل الجانب الإسرائيلي في الإجتماعين السابقين مسؤولية خرق التعهد الذي تم التوصل إليه في الإجتماع الثاني، حيث تعهدت إسرائيل بموجبه وقف العدوان لمدة ثلاثة أيام. علماً بأنه لم يتم في الإجتماع الأخير الاتفاق على عقد لقاء آخر، وسيظل ذلك متروكاً لتقديرات الجنرال زيني، كما أنه يتوقف على مدى الإلتزام الإسرائيلي بوقف سياسة الإغتيالات والتوغل والقصف خلال الثماني والأربعين ساعة المقبلة(21). وفي إصرار إسرائيلي آخر على إفشال مهمة زيني، قامت القوات الإسرائيلية في خطوة غير مسبوقة، أعادت إلى الأذهان الإحتلال الإسرائيلي للضفة وغزة عام 1967، عندما أقدمت تلك القوات على إحتلال مدينة بيت حانون بالكامل، شمال قطاع غزة، وذلك في صباح يوم 15/12/2001، بهدف اعتقال مطلوبين، كان نتيجتها إستشهاد أربعة مواطنين وأكثر من 100 جريح، إضافة إلى حملة اعتقالات واسعة في صفوف المواطنين. وتعد عملية إقتحام بيت حانون والمناطق المجاورة لها من أوسع وأكبر العمليات العسكرية التي تنفذها قوات الإحتلال منذ توقيع اتفاقيات أوسلو ودخول السلطة الوطنية إلى أرض الوطن. وكانت المدينة قد تعرضت إلى عملية توغل محدودة مطلع العام 2001 ليوم واحد، غير أن قوات الإحتلال اضطرت للإنسحاب بعد أن تعرضت إسرائيل لانتقادات حادة من قبل الولايات المتحدة والمجتمع الدولي(22).

ونتيجة لتردي الأوضاع بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، بسبب التعنت الإسرائيلي الدائم، طلبت الإدارة الأمريكية في 15/12/2001، من مبعوثها إلى المنطقة (أنتوني زيني)، العودة إلى واشنطن مؤقتاً، وحذرت من أن المساعي الرامية للتوسط من أجل وقف لإطلاق النار تواجه "تحديات رئيسية". وذكر ريتشارد باوتشر، المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، أن زيني سيقدم تقيماً للرئيس الأمريكي بوش، ولوزير الخارجية باول، بشأن الوضع في ضوء الأحداث الأخيرة. ويمكن القول أن إسرائيل استطاعت أن تضع العراقيل والعقبات أمام مهمة المبعوث الأمريكي، التي لا تعدو أن تكون إلا مهمة استطلاعية فقط، حيث أنها لم تحقق أي تقدم يذكر بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي نحو تهدئة الأوضاع بينهما. في حين شددت السلطة الوطنية الفلسطينية على "ضرورة الإسراع في عودة زيني إلى المنطقة، من أجل الحفاظ على استمرار الجهود الرامية لعودة الهدوء، ووقف التوتر، وإحياء عملية السلام"(23).

الرئيس يعلن وقف إطلاق النار
في 16/12/2001، وفي محاولة لإثبات حسن النية، وجه الرئيس ياسر عرفات، خطاباً للشعب الفلسطيني، وللعالم أجمع* في 16/12/2001، أعلن فيه: "إنني أؤكد مجدداً اليوم الوقف الشامل والفوري لجميع الأعمال المسلحة، وبخاصة الهجمات الانتحارية(24).

وفي الوقت الذي عكفت فيه اللجنة الأمنية المشتركة، التي تشكلت في أعقاب خطاب الرئيس عرفات، على اتخاذ خطوات عملية لتثبيت قرار القيادة بوقف إطلاق النار، تجاوبت كتائب عز الدين القسام، الذراع العسكري لحركة حماس، في 21/12/2001، مع هذا القرار بتعليق عملياتها العسكرية الإستشهادية والقصف بالهاون، إذا التزمت إسرائيل بوقف سياسة الإغتيالات والإعتداءات على المدنيين الفلسطينيين(25). كما أعلنت حركة الجهاد الإسلامي، عن وقف عملياتها العسكرية داخل إسرائيل، في 25/12/2001، مؤكدة أن ذلك يأتي انسجاماً مع الاجماع الوطني الفلسطيني، وحتى لا تكون الحركة سبباً في زيادة الضغط على السلطة الوطنية(26). غير أن إسرائيل زادت من حدة إجراءاتها التصعيدية، عندما قرر مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر في 23/12/2001، منع الرئيس عرفات من الذهاب إلى بيت لحم لحضور احتفالات عيد الميلاد، وقداس منتصف الليل في المدينة(27). ثم أكدت في 26/12/2001، أنها لن تسمح للرئيس عرفات بمغادرة رام الله إلى أي مكان، بما في ذلك مقره الرئاسي في غزة، قبل اعتقال من تتهمهم باغتيال الوزير الإسرائيلي رحبعام زئيفي، الذي أغتيل في 17/10/2001(28).

إن دعوة الرئيس ياسر عرفات، إلى احترام وقف إطلاق النار، ووقف العمليات داخل إسرائيل، والموقف المسؤول للفصائل والقوى الوطنية والإسلامية الفلسطينية بالاستجابة لهذه الدعوة، شكلا السبب الرئيس وراء تهدئة الأوضاع من جانب واحد، وخلق حالة من الهدوء النسبي في المنطقة، رغم الاستفزازات الإسرائيلية المتكررة. علماً بأن الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، اعترف بأن الهجمات على الإسرائيليين قد خفت في الأسبوعين التاليين لكلمة الرئيس ياسر عرفات، "وقد يعجل هذا الهدوء من عودة الوسيط الأمريكي للمنطقة"(29).غير أن إسرائيل ردت على ذلك بمنع الرئيس ياسر عرفات من مغادرة مقره في رام الله، ومن حضور احتفالات أعياد الميلاد في مدينة بيت لحم.

وفور حديث وزير الخارجية الأمريكية كولن باول، في 30/12/2001، عن اقتراب عودة المبعوث الأمريكي وفريقه الأمني للمنطقة، سارع شارون كعادته بوضع العراقيل أمام عودة زيني مرة أخرى، وذلك بالتصعيد العسكري الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية، حيث اغتالت قوات الجيش الإسرائيلي في 30/12/2001، ستة مواطنين فلسطينيين في كمينين منفصلين بغزة، وقصفت خانيونس وبيت لاهيا، وهاجمت مدرستين في الخليل وطولكرم(30).

ومع اقتراب موعد وصول المبعوث الأمريكي أنتوني زيني للمنطقة، أخذ رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون، بتجديد اشتراطاته، التي منها الإلتزام الفلسطيني بسبعة أيام من الهدوء التام في الضفة الغربية وقطاع غزة. وبالغ كثيراً عندما أعلن للمرة الأولى في 2/1/2002، أن الرئيس ياسر عرفات، سيبقى محاصراً في رام الله طالما أنه لم يعتقل قتلة وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي(31). كل هذه العراقيل وغيرها وضعها شارون أمام مهمة أنتوني زيني، الذي وصل إلى المنطقة في 3/1/2002، في ظروف مشابهة لتلك التي أحاطت بزيارته الأولى، عندما عملت إسرائيل على إحباط مهمته وإجهاضها سلفاً، بإقدامها على عمليات الإغتيال والقصف والتوغل ضد الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية. وفور وصول زيني إلى إسرائيل للمرة الثانية، التقى مساعد رئيس الأركان الإسرائيلي موشي يالون، ثم وزير الدفاع بنيامين بن أليعازر، وبحثا خلال اللقاء الوضع الأمني في المنطقة(32). وفي صباح 4/1/2002، التقى المبعوث الأمريكي برئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون، الذي وضع العراقيل أمامه بإصراره على اشتراطاته السابقة، إضافة إلى ما أعلنته وسائل الإعلام الإسرائيلية في ذات الوقت الذي يجتمع فيه زيني مع شارون، عن ضبط سفينة الأسلحة (كارين أي) واتهام السلطة الوطنية بها، كي تكون هناك فرصة تكتيكية أمام شارون لتوظيف هذه الحادثة لإفشال مهمة زيني. وفي مساء نفس اليوم، كان لقاء الرئيس عرفات بالمبعوث الأمريكي أنتوني زيني، في مقر الرئاسة في رام الله. وطلب الرئيس عرفات من المبعوث أنتوني زيني الشروع فوراً في تطبيق توصيات ميتشيل وتفاهمات تينيت، بغية خلق أفق سياسي للعملية يسنح بتطبيق الرؤية التي تحدثت عنها الإدارة الأمريكية، القائمة على إنهاء الإحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.

رغم الإلتزامات الفلسطينية، والمساعي الأمريكية، والإتصالات الدولية، لم تكف الحكومة الإسرائيلية عن ممارساتها ضد الشعب الفلسطيني، ومن صور ذلك ما قامت به القوات الإسرائيلية من عملية عسكرية واسعة النطاق في قرية تل قرب مدينة نابلس في 4/1/2002، وقتلت خلالها أحد المواطنين، واعتقلت عدداً غير معلوم من أهالي القرية(33). وفي هذه الأجواء من التصعيد العسكري الإسرائيلي، واصل المبعوث الأمريكي اتصالاته، مع الجانب الفلسطيني، بلقائه مع رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني أحمد قريع في مدينة أبو ديس، حيث أوضح قريع لزيني عدم قيام إسرائيل بخطوات لرفع القيود المفروضة على الفلسطينيين، التي من شأنها أن تعمل على الهدوء، ورد زيني على ذلك، بأنهم يراقبون الوضع على الأرض، وأن الوفد الأمريكي كان له يوم 4/1/2002، عملية استطلاع من الخليل إلى نابلس وطولكرم وقلقيلية. كما التقى المبعوث الأمريكي في وقت لاحق من ذلك اليوم، بوزير الحكم المحلي د. صائب عريقات في أريحا. وقد بين عريقات للجنرال زيني، أن الحكومة الإسرائيلية تمارس الخداع في الحديث عن عملية السلام، وأنه منذ خطاب الرئيس عرفات في 16 كانون الأول الماضي، تشير كافة الدلائل على استمرار تصعيد الاعتداءات الإسرائيلية وتصعيد الشروط التعجيزية، ذلك لأن الحكومة الإسرائيلية ترفض تقرير ميتشل وتينيت. وأكد زيني على ضرورة تنفيذ كل من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي لالتزاماتهما، وأشار إلى أنه سيعود إلى واشنطن صباح يوم الاثنين 7/1/2002، ويقدم تقريره عن تقييم الوضع في المنطقة، للإدارة الأمريكية، على أن يعود للمنطقة مرة ثالثة في الثامن عشر من يناير 2002، لاستكمال مهمته(34).

فشلت مهمة المبعوث الأمريكي أنتوني زيني، للمرة الثانية، نتيجة استمرار الممارسات العنيفة التي تقوم بها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية حيث قامت القوات الإسرائيلية ضمن ما تقوم به من ممارسات يومية، بأبشع وأوسع جريمة تدمير لها منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، ودمرت آلياتها المصفحة يوم 10/1/2002، نحو 73 منزلاً في مخيم رفح بلوك "0" المحاذي للشريط الحدودي الفاصل بين فلسطين ومصر، مشردة بذلك 120 أسرة فلسطينية، وادعت إسرائيل أن قواتها قامت بذلك رداً على مقتل أربعة إسرائيليين وإصابة جنديين آخرين في الهجوم المسلح الذي شنه مسلحان فلسطينيان على موقع عسكري إسرائيلي "كير شلوم" شرق محافظة رفح(35). كما اقتحمت تلك القوات في اليوم التالي، شرق المحافظة وقامت بتجريف مدرج مطار غزة الدولي للمرة الثانية(36).

انهيار وقف إطلاق النار
بلغت العمليات ذروتها باغتيال الشهيد رائد الكرمي في 14/1/2002، قائد كتائب الشهيد ثابت ثابت التابعة لكتائب شهداء الأقصى في طولكرم(37). مما أكد على أن رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون، يعمل كل ما يستطيع لإعادة أجواء التوتر، رغم اعتقال السلطة الفلسطينية لأمين عام الجبهة الشعبية أحمد سعدات في 16/1/2002، ونسف جهود التهدئة التي تقوم بها القيادة الفلسطينية. وكرد فعل فلسطيني على ما تقوم به القوات الإسرائيلية من تصعيد خطير في مناطق السلطة الوطنية، جاءت العملية الإستشهادية لكتائب شهداء الأقصى في 17/1/2002، في مدينة الخضيرة شمال تل أبيب، وأسفرت عن مقتل ستة إسرائيليين ومنفذ العملية، وذلك إنتقاماً لاغتيال الشهيد رائد الكرمي(38). مما دفع مساعد قائد الأركان الإسرائيلي موشي يعالون للتصريح عبر الإذاعة الإسرائيلية، بأن الجيش الإسرائيلي قد يضطر إلى العودة إلى قطاعات إنسحب منها إثر اتفاقات أوسلو(39). وبدأت القوات الإسرائيلية في 18/1/2002، بزيادة التوغل في مدينة رام الله والتمركز على بعد أمتار من مقر الرئيس ياسر عرفات. كما تعرضت مدينة طولكرم لقصف جوي من طائرات الـ "إف 16"، نتج عنه تدمير مبنى المقاطعة ومقار أمنية أخرى، ووقوع شهيد و80 جريحاً. إضافة إلى تفجير مقر هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطيني في حي أم الشرايط في مدينة البيرة في 19/1/2002(40)، وذكر مصدر عسكري إسرائيلي في 20/1/2002، أن العمليات الإنتقامية ضد مناطق السلطة الفلسطينية لم تنته بعد (41). ويعد ما قامت به القوات الإسرائيلية في 21/1/2002، من اعتداءات إحتلالية على طولكرم ورام الله وقلقيلية، هو تنفيذ للمخططات الإسرائيلية المبيتة، مما أدى إلى إستشهاد ثلاثة مواطنين وإصابة 22 آخرين(42). إضافة إلى ارتكاب تلك القوات مجزرة جديدة أثناء عملية توغل في مناطق مصنفة "أ" شمال غرب نابلس، راح ضحيتها أربعة مواطنين، واعتقال تسعة آخرين(43).

ونظراً لاستمرار الحكومة الإسرائيلية في سياسة التوغل والتدمير والإغتيالات في الأراضي الفلسطينية، ومحاصرة الرئيس ياسر عرفات في مقره في رام الله، كان هناك رد فلسطيني بعملية إستشهادية في 27/1/2002، في تل أبيب أوقعت 25 جريحاً إسرائيلياً، وقد تبنت هذه العملية كتائب سرايا القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي، وكتائب الأقصى التابعة لحركة فتح(44). وتبعها عملية إستشهادية أخرى في 30/1/2002 قامت بها الشهيدة وفاء إدريس، التي تعد أول فلسطينية تنفذ عملية من هذا النوع ضد إسرائيل، وقد وقعت العملية في شارع يافا في القدس قتل فيها إسرائيلي وأصيب العشرات(45). واتخذت الحكومة الإسرائيلية من هذه العمليات الإستشهادية ذريعة للمضي نحو تصعيد عدوانها ضد الشعب الفلسطيني، وقامت في 4/2/2002، باغتيال خمسة شبان أعضاء في كتائب المقاومة الوطنية الجناح العسكري للجبهة الديمقراطية في منطقة رفح، بواسطة صواريخ مروحية إسرائيلية استهدفت سيارتهم(46). كما أغارت طائرات الـ "إف 16" على مقر محافظة نابلس، ومجمع الأجهزة الأمنية في المدينة، مما أدى إلى إصابة ثمانية مواطنين. وتذرع الجيش الإسرائيلي أن هذا العدوان يأتي انتقاماً لمقتل أربعة إسرائيليين في هجوم نفذه مسلح فلسطيني تسلل إلى مستوطنة الحمرا في منطقة الأغوار(47). واستمرت الممارسات الإسرائيلية في كافة المناطق الفلسطينية إلى أن جاء يوم 20/2/2002، الذي شهد مجزرة جديدة في مناطق مختلفة من الضفة الغربية وقطاع غزة حصدت أرواح ثمانية عشر شهيداً(48)، واستهدفت، المروحيات الإسرائيلية مقر الرئيس عرفات في رام الله في 21/2/2002، الذي وصفه الرئيس عرفات أثناء تفقده للهجمات الإسرائيلية على أماكن قريبة من مقره وعلى مختلف المدن الفلسطينية بالوقحة، مؤكداً أن هذه الهجمات لن تزيد الشعب الفلسطيني وقيادته إلا إصراراً على مواصلة الصمود والتصدي للعدوان(49).

ومما يدل على عدم وجود أي برنامج سياسي لدى الحكومة الإسرائيلية، وأنها لا تريد التهدئة أو العودة إلى المفاوضات السياسية، وإنما الإستمرار في عدوانها ضد الشعب الفلسطيني، إتخاذها قراراً بموافقة جميع أعضاء الحكومة في 24/2/2002، يقضي بإبقاء الحصار مفروضاً على الرئيس ياسر عرفات(50)، إضافة إلى الممارسات اليومية في كافة مناطق السلطة الوطنية. وقد قوبل هذا التصعيد الإسرائيلي بتصعيد فلسطيني، حيث قام مقاومون فلسطينيون في 25/2/2002، بثلاث عمليات في القدس، وبيت لحم، والخليل. قتل خلالها مستوطنان وجرحت مستوطنتان خلال هجوم على حاجز عسكري إسرائيلي ما بين مستوطنتي تقوع ونوكديم جنوب شرق بيت لحم. وجرح عشرة مستوطنين في هجوم مسلح بالأسلحة الرشاشة في محطة حافلات في مستوطنة النبي يعقوب في القدس الشرقية، وجرح مستوطن آخر قرب مستوطنة شمعة جنوب الخليل(51). وجاء الرد الإسرائيلي ما بين القصف والتوغل في 27/2/2002، أدى إلى سقوط أربعة شهداء في رفح، وشهيد آخر في نابلس(52). وفي عملية توغل أخرى في مخيم بلاطة في نابلس يوم 28/2/2002، استشهد ستة مواطنين وأصيب أكثر من مئة مواطن، واستطاع المدافعون عن المخيم قتل جندي إسرائيلي وإصابة اثنين آخرين بجروح، ومحاصرة وحدة من أفراد جيش الإحتلال كانت قد تسللت إلى مدرسة المخيم خلال الليل(53).

ويعتبر شهر مارس 2002، الأكثر ضراوة في الحرب التي أعلنها رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون على الشعب الفلسطيني خلال ثمانية عشر شهراً هي عمر انتفاضة الأقصى. ففي مطلع هذا الشهر تواصلت معركة المخيمات، وبخاصة في مخيمي بلاطة وجنين، مما أسفر عن إستشهاد سبعة مواطنين وإصابة ستين جريحاً(54). بالمقابل كان هناك رد فلسطيني بعملية إستشهادية، نفذها في 2/3/2002 أحد عناصر كتائب شهداء الأقصى، في أحد أحياء القدس الغربية، قتل فيها عشرة إسرائيليين بينهم منفذ العملية، وجرح 57 آخرين(55). في اليوم التالي، اتخذت حكومة شارون في ختام إجتماع لها في 3/3/2002، قرار تصعيد عدوانها على الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية والفصائل والقوى، عبر القيام بعمليات عسكرية مكثفة يومية ومتواصلة، تتضمن أعمال قصف واغتيال ودخول المخيمات، وتوغل في مناطق السيادة الوطنية الفلسطينية(56). وتم تطبيق ذلك فوراً من قبل قوات الجيش الإسرائيلي على الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث أوقعت عملياتها العسكرية في هذا اليوم خمسة شهداء وعشرات الجرحى، إضافة إلى قصف مقر الرئيس عرفات في غزة في 4/3/2002، وهي المرة الأولى التي يتعرض فيها مقر الرئيس للإستهداف المباشر من قبل البحرية الإسرائيلية. كما ارتكبت القوات الإسرائيلية مجزرة جديدة في مخيم جنين، راح ضحيتها ستة شهداء، ومثلهم قرب مخيم الأمعري في البيرة، وثلاثة مواطنين في مخيم رفح(57).

وفي 5/3/2002، اجتمعت الحكومة الأمنية الإسرائيلية المصغرة، في تل أبيب طوال أكثر من أربع ساعات، وقررت الإستمرار في تكثيف عملياتها العسكرية ضد الفلسطينيين(58). وفي نفس اليوم، تم اغتيال ثلاثة من كوادر فتح في رام الله، بصاروخين استهدفا سيارتهم، إضافة إلى ضرب مواقع ومقار أجهزة أمنية بطائرات الـ "إف 16" والأباتشي والدبابات، في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية وقطاع غزة(59). ورداً على هذا التصعيد الإسرائيلي الخطير، قام شابان فلسطينيان بعمليتين إستشهاديتين في تل أبيب والعفولة، قتل فيهما أربعة إسرائيليين وأصيب العشرات بجروح(60). وفي سابقة هي الأولى من نوعها منذ إندلاع إنتفاضة الأقصى، قصف الطيران الحربي مقر الرئيس ياسر عرفات، في رام الله في 6/3/2002، أثناء إجتماعه مع المبعوث الأوروبي لعملية السلام ميغيل موراتينوس، الذي عبر عن غضبه واستنكاره للهجوم الإسرائيلي(61)، مما يدلل على استخفاف إسرائيل بالاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي والجهود المبذولة لحماية عملية السلام. كما أنه يؤكد على نهج حكومة شارون وضربها عرض الحائط بكل الجهود الدولية. واعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون في تصريح له، في 6/3/2002، خلال زيارة قام بها إلى حاجز عسكري بالقرب من مدينة ترقوميا شمال غربي الخليل، أن العمليات العسكرية الإسرائيلية الجارية "ضرورية" لإتاحة العودة إلى "عملية سياسية" من شأنها أن تؤدي إلى حل للنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني(62). وقد انتقد وزير الخارجية الأمريكي كولن باول، في حديثه أمام إحدى لجان مجلس النواب الأمريكي في 6/3/2002، سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون حيال الفلسطينيين، داعياً إياه إلى "النظر عن قرب" لمعرفة ما إذا كانت هذه السياسة مفيدة. وأضاف: إذا أعلنت الحرب على الفلسطينيين وكنت تعتقد أنك قادر على حل المشكلة عبر إحصاء الفلسطينيين الذين تقتلهم، أعتقد أن ذلك لا يؤدي إلى أية نتيجة(63).

لم تكترث الحكومة الإسرائيلية للإنتقادات الأمريكية لأرييل شارون، وظلت مستمرة في حربها ضد الفلسطينيين، حيث اجتاحت قواتها في 7/3/2002، محافظتي بيت لحم وطولكرم وسقط خمسة عشر شهيداً نتيجة تواصل القصف والتوغل في الضفة والقطاع(64). وقد علق الرئيس الأمريكي جورج بوش على ذلك، في مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض قائلاً: "أنا قلق للغاية بسبب الخسائر المأساوية في الأرواح والعنف المتصاعد في الشرق الأوسط". وأضاف: "أن زيني سيعود إلى الشرق الأوسط الأسبوع المقبل". وقد رحبت السلطة الوطنية الفلسطينية بقرار إيفاد زيني إلى المنطقة، معبرة عن أملها في أن يحمل معه خطة واضحة لتنفيذ توصيات لجنة ميتشل وتفاهمات تينيت(65). من جانبه قال رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون في مقابلة للقناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي في 8/3/2002، "كنت أعتقد بإمكانية التوصل إلى تهدئة قبل إجراء محادثات لوقف إطلاق النار. ولكننا نشهد حالياً وضع حرب، والمفاوضات لوقف إطلاق النار ستجري في ظل إطلاق النار"(66)، في إشارة إلى تخلي شارون عن المطالبة بسبعة أيام من الهدوء التام قبل البدء بالمفاوضات مع الفلسطينيين، حول وقف إطلاق النار وتطبيق تقرير ميتشل وخطة تينيت، وفي تحول يرمي إلى إرضاء الولايات المتحدة في أعقاب الإنتقادات السابقة، التي وجهها إلى إسرائيل وزير الخارجية كولن باول.

بات من العادة، أنه كلما أعلن عن إيفاد المبعوث الأمريكي إلى المنطقة، يسبقه تصعيد إسرائيلي خطير ضد الشعب الفلسطيني، ولا أدل على ذلك من قيام القوات الإسرائيلية في 8/3/2002، بارتكاب مجزرة رهيبة في مناطق غزة وبيت لحم وطولكرم، أسفرت عن إستشهاد ثلاثة وأربعين شهيداً، بينهم اللواء أحمد مفرج (أبو حميد) قائد قوات الأمن الوطني في جنوب قطاع غزة(67). مما دفع أحد الإستشهاديين من كتائب عز الدين القسام للرد بعملية إستشهادية في 9/3/2002، في "مقهى مومنت" بالقدس، قرب مقر إقامة أرييل شارون رئيس وزراء إسرائيل، قتل فيها أحد عشر إسرائيلياً، وأصيب مائة وخمسة آخرين. وفي عملية أخرى قام بها أحد أعضاء شهداء الأقصى، في فندق نتانيا شمال تل أبيب، سقط ثلاثة قتلى إسرائيليين، وأربعون جريحاً(68). وتذرعت إسرائيل بهاتين العمليتين، وقامت في 10/3/2002، بتدمير مقر الرئيس ياسر عرفات في مدينة غزة، وضربه بما يزيد على 35 صاروخاً في عدوان بري وبحري وجوي(69). كما شنت القوات الإسرائيلية في 11/3/2002، هجوماً شاملاً عن طريق البر والبحر على جباليا وبيت لاهيا شمال قطاع غزة. وتم اجتياح محافظة رام الله والبيرة وإحتلال معظم أجزاء المدينتين، مما أوقع أكثر من أربعة وعشرين شهيداً، وحوالي مائة جريح(70).

وقبل أيام من عودة المبعوث الأمريكي أنتوني زيني إلى الشرق الأوسط، أعلنت رئاسة مجلس الوزراء الإسرائيلي في بيان لها في 11/3/2002، السماح للرئيس ياسر عرفات، المحاصر في مكتبه برام الله في الضفة الغربية منذ كانون الأول 2001، بحرية التنقل داخل الأراضي الفلسطينية، وأنه "إثر اعتقال الفلسطينيين الستة، الأمر الذي كانت إسرائيل تطالب السلطة الفلسطينية بتنفيذه، قرر رئيس الوزراء أرييل شارون رفع القيود عن تحرك الرئيس ياسر عرفات في أراضي السلطة الفلسطينية". وكانت أجهزة الأمن الفلسطينية أعلنت في 9/3/2002، عن اعتقال مجدي الريماوي الذي تعتبره إسرائيل مدبر اغتيال وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي في تشرين الأول الماضي، وهو آخر المطلوبين لذلك. وكان شارون قد صرح للتلفزيون الإسرائيلي في 11/3/2002، قائلاً: "أعتبر أن الشروط التي وضعتها حتى يتمكن عرفات من الخروج من رام الله أستوفيت، علينا الوفاء بالتزاماتنا". لكن بيان الحكومة حذر السلطة الفلسطينية من أن إسرائيل "ستحتفظ بحق اتخاذ إجراءات مضادة، في حال أفرجت عن معتقلي الجبهة الشعبية الذين اغتالوا الوزير وآمريهم فؤاد الشوبكي"، المسؤول المالي في أجهزة الأمن لدى السلطة الفلسطينية الذي تم اعتقاله في كانون الثاني 2002، بتهمة مسؤوليته عن قضية السفينة "كارين ايه" التي ادعت إسرائيل بأنها ضبطتها في المياه الدولية في البحر الأحمر في 3 كانون الثاني 2002، وادعت إسرائيل أنها كانت تحمل 50 طناً من الأسلحة التي أرسلتها إيران إلى الفلسطينيين(71).

ومع اقتراب موعد وصول المبعوث الأمريكي للمنطقة، وسع الجيش الإسرائيلي من هجماته على الأراضي الفلسطينية، حيث احتلت قواته مدينتي رام الله والبيرة ومخيم الأمعري وقدورة في 12/3/2002، في عملية عسكرية وصفها الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي، بأنها أهم عملية منذ بدء الإنتفاضة. وقد جوبهت القوات الإسرائيلية بمقاومة من المسلحين الفلسطينيين، أصيب فيها جنديان وأعطبت ثلاث دبابات في مدخل الأمعري وقرب مستشفى رام الله وقرب سرية رام الله. وسقط في الجانب الفلسطيني خمسة شهداء، وعدد من الجرحى، وأعتقل مائتا مواطن. وواصلت تلك القوات اعتداءاتها في مناطق مختلفة من قطاع غزة، كان أشدها في مخيم جباليا، حيث سقط سبعة عشر شهيداً، وأكثر من خمسين جريحاً. وقد بلغ عدد شهداء هذا اليوم سبعة وعشرين شهيداً، في الضفة الغربية وقطاع غزة(72).

وتمهيداً لقدوم زيني إلى المنطقة، وسعياً لإنجاح مهمته، دعا وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في 12/3/2002، إسرائيل إلى عدم عرقلة الجهود الأمريكية الهادفة إلى التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار. مضيفاً: أن زيني قادم، وعليكم الإنسحاب من رام الله ومن باقي المناطق(73). وعشية وصول المبعوث الأمريكي إلى منطقة الشرق الأوسط في 13/3/2002، نأى الرئيس الأمريكي جورج بوش بنفسه عن رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، وانتقد بشدة سياسة القمع في الأراضي الفلسطينية. وقال بوش: "بصراحة إن ما قام به الإسرائيليون أخيراً لا يساعد على خلق الظروف المؤاتية للسلام"(74). ونتيجة للضغط الأمريكي أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، عن إنسحاب تدريجي لقواته من رام الله مع إبقاء الطوق الأمني عليها. وقد نفت القيادة الفلسطينية المزاعم الإسرائيلية بإعادة نشر قواتها في رام الله، التي أعلنتها صباح 14/3/2002، معتبرة أنه لا أساس لها من الصحة. وأكدت أن القوات الإسرائيلية واصلت تعزيز وجودها داخل المدينة، واستولت على المزيد من العمارات وزرعت القناصة عليها(75). وقد اجتاحت تلك القوات في نفس اليوم مدينة بيت لحم في الضفة الغربية، وتوغلت في مدينة النصيرات في قطاع غزة، وأدت المواجهات بين الجانبين إلى إستشهاد عشرة فلسطينيين وإصابة خمسين آخرين.(76)

وصل الموفد الأمريكي أنتوني زيني إلى إسرائيل ظهر يوم 14/3/2002، في زيارته الثالثة للمنطقة، بهدف التوصل إلى وقف إطلاق النار بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وتهدئة الأوضاع بينهما على أساس خطة تينيت ومقترحات ميتشل. وفور وصوله اجتمع زيني مع رئيس الموساد الإسرائيلي، ورئيس جهاز الشاباك، ورئيس هيئة الإستخبارات في الجيش، واستمع منهم إلى تقارير عن آخر التطورات في المنطقة. والتقى في المساء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون وعدداً من كبار المسؤولين الاسرائيليين، في مقر رئيس الوزراء في القدس الغربية. وطالب زيني شارون بسحب وحداته من المناطق الفلسطينية. وفي اليوم التالي 15/3/2002، التقى الجنرال زيني بوزير الجيش الإسرائيلي بنيامين بن اليعيزر، الذي قال للصحفيين في بدء اللقاء: "نحن مستعدون لسحب قواتنا من مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني إذا تحمل أحد ما في الجانب الآخر مسؤولية السهر على الهدوء، وتجنب وقوع هجمات على الإسرائيليين انطلاقاً من المناطق الفلسطينية". كما التقى زيني رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريس، وقال زيني في ختام اللقاء متوجهاً إلى الصحفيين: "إنني متفائل كالعادة، وأتوقع النجاح بالرغم من المصاعب". ومن جهته قال بيريس أن "إسرائيل لم تنو أبداً إبقاء قواتها بشكل دائم في المناطق الفلسطينية". وتابع "إننا نأخذ بعين الاعتبار مواقف الولايات المتحدة، ونتوقع أن تأخذ الولايات المتحدة موقفنا بعين الإعتبار". وعقد اللقاء بين الرئيس ياسر عرفات، والجنرال زيني، في مقر الرئاسة في رام الله في 15/3/2002، وخلال جلسة المحادثات، قال الرئيس عرفات، أن السلطة الفلسطينية تطالب بالإنسحاب الكامل للجيش الإسرائيلي من أراضيها قبل إجراء أية مفاوضات حول وقف النار. وأن الإنسحاب الإسرائيلي وتخفيف الحصار يجب أن يسبقا أية مفاوضات حول وقف إطلاق النار. وقال: أنه لن تتم أية لقاءات سياسية مع إسرائيل، قبل إعلانها عن بدء الإنسحاب. وطرحت خلال اللقاء مسألة المراقبين الدوليين، حيث طلب عرفات من زيني، أن تلتزم الولايات المتحدة الأمريكية بالعمل على إرسال مراقبين دوليين، وتقديم ضمانات دولية لتطبيق توصيات لجنة ميتشل. وكرر الرئيس عرفات في مؤتمر صحفي مشترك مع المبعوث الأمريكي، عقب اللقاء الذي استمر زهاء الساعة ونصف الساعة، إلتزامه الكامل بعملية السلام. وقال زيني بأنه هنا لمساعدة الطرفين لتنفيذ هذه الخطة وإيجاد آليات لذلك(77).

ورغم مساعي الموفد الأمريكي لتهدئة الأوضاع بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، لم تهدأ الممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، وكان نتيجتها في 16/3/2002، خمسة شهداء فلسطينيين في الخليل وغزة، وتوغل في طولكرم واشتباكات في بيت لحم. وكان هناك رد فلسطيني في 17/3/2002، بعمليتين إستشهاديتين، الأولى في بلدة كفار سابا داخل الخط الأخضر قرب قلقيلية، قتلت فيها إسرائيلية، وأصيب خمسة عشر آخرين. والأخرى في الحي الإستيطاني المعروف باسم التلة الفرنسية في القدس الشرقية، أسفرت عن إصابة تسعة أشخاص بجروح، إضافة إلى إستشهاد منفذ العملية من سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي(78). وما بين العنف الإسرائيلي ورد الفعل الفلسطيني، كان هناك لقاء ثنائي خلال 24 ساعة، بين الرئيس ياسر عرفات، والمبعوث الأمريكي أنتوني زيني، في مقر الرئاسة في رام الله في 16/3/2002، ولقاء آخر بين زيني، ووزير الحكم المحلي صائب عريقات، وعدد من المسؤولين الفلسطينيين. وقال عريقات لشبكة سي إن إن الأمريكية، أن الفلسطينيين أبلغوا زيني بالحاجة إلى أن تنسحب إسرائيل من جميع المناطق التي أعادت إحتلالها، واتباع نهج ذي شقين في التفاوض، "ولا يمكننا أن نبحث الجوانب الأمنية بعيداً عن المسار السياسي أو الرؤية السياسية، وما نحاول إقامته بالفعل هو المسار السياسي، وسيوازيه المسار الأمني". عقد في نفس اليوم لقاء في الجانب الآخر بين زيني وأرييل شارون(79)، في إطار محاولات جسر الهوة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وفي 17/3/2002، تم عقد جلسة محادثات بين الرئيس ياسر عرفات، والمبعوث الأمريكي للمرة الثالثة منذ وصول الأخير إلى المنطقة. جرى خلالها استكمال المباحثات مع الجانب الأمريكي، الهادفة إلى وقف العدوان الإسرائيلي، وصولاً إلى إنهاء الإحتلال، وتطبيق الاتفاقات الموقعة. وقد دعا الجنرال الأمريكي في هذا اليوم إلى إجتماعين عسكريين فلسطيني-إسرائيلي، في الضفة الغربية وقطاع غزة، لبحث ترتيبات الإنسحاب الإسرائيلي من كافة مناطق "أ" الخاضعة للسيطرة الفلسطينية، وتمهيداً لعقد إجتماع أمني ثلاثي في 18/3/2002، بمشاركته، لوضع خطة وجدول زمني لتنفيذ تفاهمات تينيت(80). وفي ذات الوقت، جددت الحكومة الأمريكية، على لسان الناطق الرسمي لوزارة الخارجية ريتشارد باوتشر، دعوتها لإسرائيل بالإنسحاب الشامل من أراضي السلطة الوطنية. الأمر الذي دفع إسرائيل إلى إعلان بيان رسمي في 18/3/2002، بالإنسحاب من جميع مناطق "أ" في الضفة الغربية وقطاع غزة. أتاح هذا الإلتزام الإسرائيلي، للجنة الأمنية العليا الفلسطينية-الإسرائيلية للإنعقاد في نفس اليوم في القدس الغربية، وتم البحث في خطة مشتركة لتنفيذ تفاهمات تينيت. كما قدم الجانب الإسرائيلي تصوراً إسرائيلياً لتطبيق توصيات لجنة ميتشيل على أن يدرس الجانب الفلسطيني هذا التصور الإسرائيلي، ويقدم تصوره بشأن تطبيق توصيات لجنة ميتشيل في إجتماع آخر للجنة الأمنية العليا، المقرر عقدها في 20/3/2002، على أمل التوصل إلى خطة تنفيذ متفق عليها فلسطينياً-أمريكياً-إسرائيلياً. وقد ترأس هذا الإجتماع الجنرال أنتوني زيني، وعن الجانب الفلسطيني مسؤول الأمن الوقائي في الضفة الغربية العقيد جبريل الرجوب، ومسؤول الأمن الوقائي في قطاع غزة محمد دحلان، واللواء أمين الهندي مسؤول المخابرات العامة الفلسطيني. وعن الجانب الإسرائيلي رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلي آفي ديختر، والمسؤول العسكري غيؤرا أيلاند، وآخرون(81).

وفي لقاء مفاجيء مع الرئيس ياسر عرفات، في رام الله في 19/3/2002، استأنف الجنرال زيني مهمة الوساطة، وسلم الرئيس عرفات، رسالة من نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني، يبلغه فيها استعداده والإدارة الأمريكية للقائه في حال الشروع في تنفيذ تفاهمات تينيت، وتأكيد الإدارة الأمريكية التزامها بالعمل الحثيث من أجل تنفيذ توصيات لجنة ميتشل، وتفاهمات تينيت، والدخول في المفاوضات السياسية. وقد أعلن تشيني نفسه أثناء مؤتمر صحافي عقده في القدس، في ختام لقائه مع شارون، بهدف مساعدة مهمة الجنرال زيني. أنه سيكون على استعداد لمقابلة الرئيس ياسر عرفات، في المستقبل في مكان ما في المنطقة، يتم تحديده خلال تطبيق خطة تينيت. وأن اللقاء وتاريخه سيتم تحديدهما من قبل الجنرال زيني.

وفي تضييق آخر على حركة الرئيس عرفات المحاصر في مقره في رام الله منذ ديسمبر 2001، قرر شارون خلال المؤتمر الصحافي مع تشيني، منع عرفات من حضور مؤتمر القمة العربية في بيروت في 27/3/2002، وقال بأن عرفات "قد يتمكن من الذهاب إلى بيروت. إنها مسألة أيام. غير أنه اشترط لعودة الرئيس، ألا تحدث هجمات إرهابية مروعة هنا، وألا يلقى عرفات خطاب تحريض في القمة(82). وفي اليوم التالي 20/3/2002، إلتقى الرئيس ياسر عرفات، في رام الله، المبعوث الأمريكي زيني، وعقد معه بمشاركة المسؤولين الفلسطينيين السياسيين والأمنيين جلسة مباحثات مطولة، بحثت بشكل خاص في الخطة الفلسطينية لتنفيذ تفاهمات تينيت، المقدمة في إجتماع اللجنة الأمنية الثلاثية المنعقدة مساء ذلك اليوم.

لم تمنع العملية الإستشهادية، التي نفذت في وادي عارة يوم 20/3/2002، وأوقعت 7 قتلى إسرائيليين من إلتئام اللجنة الأمنية الثلاثية، في منزل السفير الأمريكي في هرتسليا، حيث دخلت مهمة الوساطة التي يقوم بها المبعوث الأمريكي أنتوني زيني مرحلة حاسمة. قدم خلالها الجانب الفلسطيني تصوره لتطبيق تفاهمات تينيت وربطها مع ميتشل والمسار السياسي، وذلك رداً على الخطة الإسرائيلية المقدمة في إجتماع اللجنة الأمنية الثلاثية في 18/3/2002. وقد ترأس الإجتماع الموفد الأمريكي أنتوني زيني، وحضره عن الجانب الفلسطيني رئيس جهاز الأمن الوقائي في الضفة الغربية العقيد جبريل الرجوب. ورئيس جهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة العقيد محمد دحلان، ورئيس جهاز الأمن العام في قطاع غزة اللواء عبد الرزاق المجايدة، ونظيره في الضفة الغربية الحاج اسماعيل جبر. وعن الجانب الإسرائيلي، رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (شين بيت) آفي ديختر، ومسؤولون عن الجيش الإسرائيلي(83).

وبهذا تكون قد وضعت خطتان على الطاولة: الأولى فلسطينية، والثانية إسرائيلية، والمطلوب من الوسيط الأمريكي دراسة الخطتين، والإحتكام إلى تفاهمات تينيت، ومقترحات ميتشل، وعدم النظر خارج هذه النصوص، وبخاصة أن هناك محاولات إسرائيلية للإلتفاف والتجزئة والإنتقائية لتلك التفاهمات والمقترحات.



* الورقة الفلسطينية المقدمة في 20/3/2002

تربط بين القضايا الأمنية والسياسية. وتتحدث عن عقد إجتماعات اللجنة السياسية الثلاثية العليا، التي لم تجتمع منذ وصول رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون إلى سدة الحكم. وتشير إلى أن الهدف من تطبيق تفاهمات تينيت، هو العودة بالأوضاع إلى ما كانت عليه قبل 28 أيلول 2000، بما في ذلك إلغاء التغيرات الجغرافية والديمغرافية، التي تم اتخاذها بعد هذا التاريخ، وإلغاء جميع الإجراءات والخطوات التي تتعارض والإتفاقيات الموقعة، مشيرة إلى أن تطبيق تينيت سيسري بالتوازي مع محادثات اللجنة السياسية الثلاثية العليا، بشأن تطبيق المتبقي من توصيات لجنة ميتشل، باعتبار تينيت هو الجزء الأول من هذه التوصيات. وتؤكد الورقة الفلسطينية، أن التطبيق المتبقي من توصيات لجنة ميتشل، بما في ذلك الوقف الكامل للنشاطات الإستيطانية الإسرائيلية يمكن أن يبدأ في أي وقت، على أن لا يتأخر عن اتمام تطبيق الجدول المتقرح لتنفيذ تينيت، وهو أسبوعان وليس بعد الأسبوع الثالث من البدء في تطبيق تفاهمات تينيت وفقاً للجدول الزمني الفلسطيني المقترح. وتشير الورقة الفلسطينية إلى أن تطبيق الإقتراح الفلسطيني لتطبيق تينيت سيسري بالتوازي مع البحث الفوري في اللجنة السياسية الثلاثية العليا، حول استئناف مفاوضات الوضع النهائي بشأن قضايا القدس والحدود والمستوطنات والأمن واللاجئين والمياه، وغيرها من القضايا بما يؤدي إلى تطبيق قراري مجلس الأمن 242 و338، واستناداً إلى النقطة التي انتهت اليها المفاوضات في طابا في كانون الثاني 2001، على أن تنتهي مفاوضات الوضع النهائي ضمن فترة زمنية لا تزيد على العام. وتذكر الورقة الفلسطينية، أن اللجنة السياسية العليا ستنشئ بعثة رقابة وتحقيق دولية، بمشاركة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا الإتحادية والأمم المتحدة (اللجنة الرباعية)، لمراقبة ومتابعة تنفيذ الإلتزامات الواردة ضمن الخطة المشتركة المزمع التوصل اليها لتطبيق تينيت وتوصيات لجنة ميتشيل، مشيرة إلى أن مهمة اللجنة السياسية الثلاثية العليا هي تحديد آليات لإنهاء الإحتلال الإسرائيلي وتطبيق قراري 242 و338، ومرجعيات مؤتمر مدريد، ومبدأ الأرض مقابل السلام، وتفاهمات طابا، آخذين بعين الإعتبار قرار مجلس الأمن 1397، وخطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش والمبادرة السعودية. حددت الورقة الفلسطينية فترة اسبوعين لتطبيق تفاهمات تينيت على أن يبدأ التطبيق بعد إنسحاب جميع القوات الإسرائيلية من جميع المناطق "أ" والمناطق الفلسطينية الأخرى الواقعة تحت الولاية الجغرافية الفلسطينية، وفقاً للإتفاقات الموقعة. مشيراً إلى أنه بعد الإتفاق في اللجنة الأمنية العليا على خطة العمل لتطبيق تينيت، فإنه سيتم تبني هذه الخطة من خلال اللجنة السياسية العليا، التي ستتبنى أيضاً إعلاناً مشتركاً لوقف إطلاق النار. وتتحدث الورقة التي قسمت التطبيق إلى أربع مراحل، عن خطوات فورية تتضمن وقفاً إسرائيلياً كاملاً للعدوان ضد الأهداف الفلسطينية، بما يشمل وقف التوغل في المناطق (أ)، ووقف القتل والإغتيالات، ووقف الهجمات من أي نوع على مقرات الرئيس، ومقرات الأجهزة الأمنية، والمخابرات، والشرطة، والسجون، والمواقع الفلسطينية في الضفة وغزة، وتعد لتطبيق جدول زمني محدد لرفع الاغلاقات الداخلية وفتح الشوارع والمعابر ومطار وميناء غزة، فضلاً عن التوصل إلى جدول زمني متفق عليه لإعادة الانتشار الكامل للقوات الإسرائيلية إلى واقع ما قبل 28 أيلول 2000. في المقابل، فإن الجانب الفلسطيني سيقوم فوراً بمنع كل مسؤول أمني فلسطيني عن التحريض أو المساعدة أو السماح بالتحريض ضد مدنيين إسرائيليين ومواقع إسرائيلية، وتواصل تطبيق الإجراءات المتخذة لمنع التحريض. واستناداً إلى الخطة الفلسطينية، فإن المرحلة الأولى من التطبيق ستكون مدتها 48 ساعة، تقوم السلطة الفلسطينية بما عليها من إلتزامات وفقاً لتينيت، بما يشمل تحديد الأسلحة غير القانونية، وإعداد خطة فلسطينية لجمعها، والبدء بتحديد ما يسمى مصانع الهاون وإعداد خطة فلسطينية لإغلاقها، وتواصل خطواتها لإحلال الهدوء. أما إسرائيلياً، فإنه في هذه الفترة سيتم الشروع بإعادة انتشار القوات الإسرائيلية إلى المواقع ما قبل 28 أيلول عام 2000، والشروع في تطبيق جدول زمني لرفع الإغلاق والحصار وفتح المعابر والشروع في تحويل الأموال المستحقة للسلطة الفلسطينية. أما المرحلة الثانية في التطبيق فتستمر أسبوعاً، وفيها تقوم إسرائيل بخطوات ضد مسؤولين ومواطنين إسرائيليين يحرضون أو ينفذون أو يخططون لأعمال عنف ضد الفلسطينيين، وإجراء تحقيقات في حالات قتل فلسطينيين، خلال عدوان الجيش الإسرائيلي، والشروع في إطلاق سراح معتقلين فلسطينيين تم اعتقالهم في الفترة بعد 28 أيلول 2000، مع الإفراج عن جميع عناصر الأمن الفلسطينيين فوراً. أما فلسطينياً، فإن السلطة الفلسطينية ستبذل 100% من الجهد من أجل توقيف وسؤال من ينتهكون وقف إطلاق النار، وينتهكون القانون الفلسطيني، واحباط عمليات ضد مدنيين، مع إجراءات ضد مصانع الهاون. وتستغرق المرحلة الثالثة أسبوعاً واحداً، وفيها تنسحب القوات الإسرائيلية، بما في ذلك الدبابات والمدرعات إلى المواقع قبل 28 أيلول، وتستكمل إسرائيل رفع الحصار، ورفع العوائق والحواجز الإسمنتية، والخنادق، والعوائق الأخرى أمام حركة الآليات الفلسطينية، والبضائع، والسكان، وفتح المعابر، فضلاً عن إلغاء جميع قرارات العزل والفصل والمناطق العازلة.

* الورقة الإسرائيلية المقدمة في 18/3/2002

تتحدث الخطة الإسرائيلية عن أربع مراحل، أولاها فورية، والثانية مدتها 24 ساعة، والثالثة مدتها أسبوع واحد، والرابعة مدتها أربعة أسابيع، حيث تشير الورقة إلى قيام الجانبين بشكل فوري بإصدار بيانات رسمية، صادرة عن الزعيمين الفلسطيني والإسرائيلي يوجهها كل إلى شعبه، يعبران فيها عن إلتزامهما بوقف إطلاق النار، وتطبيق خطة العمل الخاصة بتينيت. ولوحظ أن الجانب الإسرائيلي يشترط وقف اعتداءاته العسكرية في المناطق (أ) بالأوضاع الأمنية فيها، حيث تشمل الإجراءات الفورية "تخفيف الضغط الأمني وتسهيل القيود المفروضة على الجانب الفلسطيني"، على أن تشمل فلسطينياً إصدار أوامر بوقف إطلاق النار، والعمليات، واعتقال فلسطينيين، واتخاذ خطوات لمنع "نشاطات العنف" في إسرائيل والضفة الغربية وغزة، بما في ذلك الهجمات الإنتحارية، وإطلاق النار، وإطلاق الهاون، والصواريخ، ووضع العبوات الناسفة ، والعمل لمنع تهريب وتصنيع الأسلحة، ونبذ جميع نشاطات العنف ووقف التحريض. ووفقاً للورقة الإسرائيلية، فإنه في المرحلة الأولى ومدتها 48 ساعة، ستقوم إسرائيل بخطوات غير مشروطة لتخفيف القيود الأمنية، والإنسحاب من مناطق "أ"، ورفع الإغلاقات الداخلية عن مناطق هادئة أو أكثر، وإزالة بعض العوائق والعراقيل في الضفة، والبدء بإعادة نشر الآليات العسكرية، والمصادقة على تنقل مسؤولين أمنيين في مناطق (أ). أما فلسطينياً، فتطلب إسرائيل تعليمات واضحة وخطوات لإحلال الهدوء الأمني، ووقف الهجمات ضد أهداف إسرائيلية، ونشر القوات الفلسطينية في مناطق الإحتكاك، وتولي المسؤولية الأمنية في المناطق التي تخفف فيها القيود الأمنية(84).

إن الحركة الدؤوبة للوساطة الأمريكية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، والإجتماعات المتلاحقة للجنة الأمنية خلال الأيام القليلة الماضية، لم يثنيا الحكومة الإسرائيلية عن وقف عدوانها ضد الشعب الفلسطيني ومدنه وقراه ولا يمر ساعة أو يوم إلا ويتعرض الشعب الفلسطيني لاعتداءات إسرائيلية بتوغل الدبابات تارة، وبإطلاق الرشاشات الثقيلة ومهاجمة البلدات والقرى واعتقال عدد من أبنائها تارة أخرى. وهي تهدف من هذه الاعتداءات في الدرجة الأولى إلى إفشال مهمة الجنرال زيني وتعطيل أي تقدم في اللقاءات التي يرأسها الموفد الأمريكي. حيث طغت أجواء من التشاؤم على الإجتماع الذي رعاه الجنرال الأمريكي في 23/3/2002، والذي حضره مسؤولون أمنيون فلسطينيون وإسرائيليون، ومندوبون عن وكالة الإستخبارات الأمريكية، وذلك من خلال فرض الإسرائيليين شروطهم في محادثات وقف إطلاق النار الحالية، دون تحديد أي خطوات لاحقة وأن تكون إسرائيل وحدها الحكم وتقرر ما بدا لها. مما أدى إلى انتهاء الإجتماع دون التوصل إلى أي إتفاق(85). وفي لقاء الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي في 24/3/2002، بحضور المبعوث الأمريكي أنتوني زيني، الذي قدم للجانبين ورقة رسمية ولأول مرة، تتضمن الرؤية التفصيلية للولايات المتحدة الأمريكية لتفاهمات تينيت، وذلك كرد على تقديم الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي في الإجتماع الأمني الثالث في 23/3/2002، تفسيرين متباعدين حول رؤية كل جانب لتفاهمات تينيت(86).

الورقة الأمريكية المقدمة في 24/3/2002

المرحلة الأولى: فورية- حتى 48 ساعة
تصدر حكومة إسرائيل والسلطة الفلسطينية بياناً علنياً عن وقف إطلاق النار. تلتزم إسرائيل بوقف النشاطات الأمنية المبادرة في المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية، بما في ذلك الهجمات ضد قوات الأمن الفلسطينية أو مؤسساتها. السلطة تنشر أوامر واضحة لقواتها الأمنية تلزمها باتخاذ خطوات ضد الإرهاب وأعمال العنف. تتخذ إسرائيل خطوات ضد مواطنين إسرائيليين، يحرضوا أو ينفذوا أو يخططوا لتنفيذ أعمال عنف ضد فلسطينيين. تستأنف إسرائيل والسلطة التعاون بينهما في إطار لجنة التعاون الأمني، وتتبادلان المعلومات المتعلقة بالتهديدات الأمنية. إسرائيل والسلطة تسمحان بحرية حركة الطواقم الأمنية في قطاع غزة والضفة الغربية. تلتزم السلطة الفلسطينية بمنع التهريبات وصنع وحيازة أسلحة غير قانونية. وتعد السلطة خطة لجمع السلاح، ومنع التهريب، وإغلاق مصانع إنتاج الأسلحة. ينسحب الجيش من المناطق المتفق عليها. ترفع إسرائيل الإغلاق في المناطق المتفق عليها. تتحمل السلطة مسؤولية أمنية في المناطق التي تخفف فيها إسرائيل من الترتيبات الأمنية.

المرحلة الثانية: 48 ساعة – حتى أسبوع
مع نهاية المرحلة الأولى، تجرى جلسة للجنة الأمنية المشتركة من أجل تقييم التقدم الذي أحرز. تعمل السلطة بصورة حاسمة من أجل منع الهجمات، وتفرض إتفاق وقف إطلاق النار، ومن ضمن ذلك تعتقل من ينتهك وقف إطلاق النار. تعمل إسرائيل والسلطة من أجل منع التحريض على العنف وسط سكانهما. تسمح إسرائيل والسلطة بحركة حرة للطواقم الأمنية داخل قطاع غزة والضفة الغربية. تستكمل إسرائيل الإنسحاب من مناطق أ، وتواصل رفع الأطواق، وتنسحب حسب جدول زمني متفق عليه، وكذلك ترفع الحواجز الثابتة في الطرق في غزة. تعرض السلطة خطة شاملة لجمع الأسلحة غير القانونية. وتعمل السلطة من خلال التعاون مع إسرائيل من أجل منع تهريب الأسلحة غير القانونية. تتخذ إسرائيل نشاطات موضعية من أجل التسهيل من القيود الاقتصادية وحركة الفلسطينيين. تبدأ إسرائيل بالإفراج عن أسرى فلسطينيين، من بينهم رجال أمن تابعين للسلطة الفلسطينية اعتقلوا في إطار العمليات الأمنية، ولم يكونوا على صلة بالعمليات الإرهابية.

المرحلة الثالثة: بين أسبوع وشهر
الأسبوع الأول: مع نهاية المرحلة الثانية تجري جلسة للجنة الأمنية الثلاثية، من أجل تقدير التقدم الذي أحرز. تنهي إسرائيل التغييرات في مكان قواتها، وترفع كل الأطواق وتعود إلى المواقع التي كانت بها في 28 أيلول 2000، بما في ذلك فتح شوارع داخلية، جسر اللنبي، مطار غزة، ميناء غزة، والمعابر الحدودية. تعتقل السلطة نشطاء الإرهاب، حسب قائمة تبلورت من قبل اللجنة الأمنية المشتركة، وتتخذ إجراءات قانونية ضد مشبوهين اعتقلتهم. تواصل السلطة اتخاذ نشاطات وقائية ضد الإرهاب، وتواصل في تنفيذ خطة جمع الأسلحة غير القانونية، وتواصل نشاطها لمنع التهريب(87).

بناء على الورقة الأمريكية التوفيقية بين الورقتين الفلسطينية والإسرائيلية ، سلم الجانب الفلسطيني رده على الأفكار الأمريكية، بشأن تطبيق تفاهمات تينيت، التي تمت مناقشتها في إجتماع القيادة الفلسطينية برئاسة الرئيس ياسر عرفات في رام الله في 25/3/2002. وقد تم تسليمها في إجتماع عقد في القدس الغربية مع الجنرال الأمريكي أنتوني زيني في 26/3/2002. وأكد الجانب الفلسطيني في رده المكتوب على، أن السلطة الفلسطينية تقبل بكل ما ورد في تفاهمات تينيت، وتطالب بإسقاط ما هو خارج هذه التفاهمات. كما أكدت وجوب الترابط ما بين المسارين السياسي والأمني، ووجوب إلغاء جميع الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية، بعد الثامن والعشرين من أيلول العام 2000، لا سيما ضد المؤسسات المقدسية الفلسطينية، فضلاً على التأكيد بوجوب أن يؤدي تنفيذ تينيت لإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الثامن والعشرين من أيلول العام 2000. من جانبها أعطت إسرائيل موافقتها المبدئية على الأفكار الأمريكية، في جلسة المجلس الوزاري المصغر الإسرائيلي، برئاسة شارون في 25/3/2002، لكنها أرفقتها بطلب توضيحات حول مقترح التسوية الذي عرضه المبعوث الأمريكي أنتوني زيني، بغية إعلان وقف لإطلاق النار. وقال مسؤول إسرائيلي في رئاسة مجلس الوزراء، أن إسرائيل مستعدة لعدم التمسك بجدول زمني محدد لتطبيق خطة تينيت، لكننا نود معرفة ما سيكون عليه الوضع تجاه اعتقال الإرهابيين المطاردين، ومصادرة الأسلحة غير المشروعة، التي ينبغي على السلطة الفلسطينية القيام بها(88).