مشاهدة النسخة كاملة : فصائل العمل الوطني وتوزع القوة في الساحة الفلسطينية


khaledalsouri199
28-11-2004, 11:16 AM
منقول :

فصائل العمل الوطني

وتوزع القوة في الساحة الفلسطينية



فاطمة شعبان*

صحيفة الوطن السعودية 25/11/2004



عندما يغادر القادة المؤسسون للقوى السياسية مواقعهم سواء بفعل الموت أو بفعل الاستقالة، فإن اختفت هذه القوى تكن امتداداً لهذا المؤسس، وإن بقيت محافظة على مكان بارز لها في الساحة السياسية التي تعمل فيها، فإن لهذه القوى وظيفة موضوعية في تمثل مصالح قطاعات أو شرائح أو طبقات من المجتمع الذي تعمل فيه.



لقد غاب خلال العقد الأخير القادة المؤسسون للفصائل الرئيسية للعمل الوطني الفلسطيني، وبدأ غياب القادة باغتيال "إسرائيل" لمؤسس حركة الجهاد الفلسطيني فتحي الشقاقي في عام 1995 في مالطا على يد الموساد، وتبع هذا الغياب في عام 2000 استقالة جورج حبش من الأمانة العامة للجبهة الشعبية، التي تبعها اغتيال أمينها العام الثاني أبو علي مصطفى من قبل "إسرائيل" في عام 2001 بصاروخ إسرائيلي على مكتبه في رام الله. وكانت الخسارة الأكبر للقادة المؤسسين بغياب مؤسس حركة حماس أحمد ياسين الذي اغتالته "إسرائيل" وهو خارج من المسجد بعد صلاة الفجر في مطلع أبريل الماضي، وكان الغياب المدوي هو غياب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ومؤسس حركة فتح في 11 من الشهر الجاري.



لعب القادة المؤسسون دوراً كبيراً في التجربة الفلسطينية، وقد صبغوا التجربة بطابعهم، فقد شغلوا مناصبهم لفترات طويلة حتى أصبحت الفصائل تسمى بأسماء قادتها، لدرجة ظهر فيها أن القادة أهم من الفصائل ذاتها، أو أنهم هم الذين يمنحون هذه الفصائل القوة. وهذا ما ينطبق على القوى التي شكلت منظمة التحرير بشكل خاص، وإن كان لا يجافي الحقيقة في تجربة القوى الإسلامية التي ظهرت متأخرة في الساحة. وفي جميع الحالات كان للقادة المؤسسين تأثير ووزن خاص، ليس داخل فصائلهم فحسب، بل وداخل الشارع الفلسطيني أيضاً.



وإذا كان العمل السياسي قد انطبع بالطابع الشخصي لهذه القيادة بحكم الحضور القوي لهذه الشخصيات، فإن غيابهم شكل مشكلة البديل الذي يستطيع أن يحل مكان الغائب الكبير، خاصة وأنها حديثة في الفصيلين الأكبر، حركة فتح، وحركة حماس. فمسألة الخلافة ما زالت مطروحة للبحث فيهما، وستبقى كذلك لفترة من الوقت، قبل الوصول إلى الحل الطبيعي في مثل هذه الحالة، وهو أن الخط السياسي الذي يمثل قطاعات الشعب الفلسطيني، هو البديل الذي يحافظ على مكانة هذا الفصيل أو ذاك، ويجعله قادراً على الاستمرار بقوة على الخريطة السياسية، بفعل قواه الذاتية واستجابته لمصالح وحس الشارع.



من الصعب اليوم معرفة توزع القوة على الساحة الفلسطينية، فلا استطلاعات الرأي تعطي فكرة عن هذا التوزع لأن مجال الخطأ فيها كبير، ولا ادعاء الفصائل يصلح لقياس هذا التوزع لأنها تضخم من حجمها الفعلي، وتصبح أكبر من الحقيقة بكثير. كما لا تصلح نماذج انتخابية قطاعية مثل الطلاب كمثال لقياس أوزان القوى في كل الشارع الفلسطيني، ولا يصلح المجلس التشريعي، كنموذج تمثيلي لقياس هذه القوة لأنه لا يمثل سوى فصيل واحد بعد أن قاطعت القوى الأخرى انتخابات المجلس التشريعي لأنها تعارض اتفاقات أوسلو، فاحتكرت حركة فتح التمثيل لأنها الفصيل الوحيد الذي شارك في الانتخابات بعد مقاطعة المعارضة الإسلامية واليسارية.



حتى نقدر توزع القوى على الساحة الفلسطينية، يمكن تقسيم الاتجاهات الرئيسية إلى ثلاثة أقسام: حركة فتح أو حزب السلطة، والمعارضة الإسلامية، والمعارضة اليسارية. تستمد حركة فتح شعبيتها من دورها التاريخي في تفجير الثورة المسلحة وقيادة العمل الوطني طوال أربعة عقود، ولكن هذه الشعبية تتأثر أيضاً بكونها حزب السلطة القادر على تقديم خدمات ووظائف للقطاعات التي تؤيده مما يعزز من مكانها في الشارع الفلسطيني.

أما حركة حماس فبنت شعبيتها من خلال خيار المقاومة ومعارضة اتفاقات أوسلو، وعلى عدد كبير من الجمعيات والمؤسسات الخيرية. وتليها حركة الجهاد بذلك وإن بدرجة أقل.



أما المعارضة اليسارية المشرذمة والموزعة على عدد من القوى فلا يتناسب مع وزنها الصغير نسبياً، مثل الجبهتين الشعبية والديمقراطية، وحزب الشعب وحركة فدا وجبهة النضال... الخ، وهناك قوى في هذا الاتجاه لم يبقَ منها سوى الاسم فقط، استمدت هذه القوى شعبيتها من دورها في المعارضة ضمن منظمة التحرير قبل ظهور المعارضة الإسلامية ومن تبنيها الأيديولوجية الماركسية، التي أصابها الانهيار مما أثر على وزن هذه القوى وأدى إلى تراجعها، لكنها ما زالت تمثل قطاعات في الشارع الفلسطيني.



وإذا كانت حركة فتح القوة الأكبر، فإن هذا الوضع بعد غياب الرئيس عرفات، لم يتغير كثيراً، رغم أن الرئيس عرفات كان يمنح فتح قوة إضافية، وهي أقرب اليوم إلى وزن حماس التي تليها بالقوة، وإذا كانت الأخيرة معارضة لاتفاقات أوسلو فإنها باتت تتعامل معها كأمر واقع، من هنا تأتي دعوة مؤيديها إلى التسجيل في القوائم الانتخابية. إن ما تعرفه حماس جيداً أنها في الآونة الأخيرة وصلت إلى ذروة شعبيتها باستشهاد أبرز قادتها، ولا شك بأنها ستحاول أن تعكس هذه الشعبية بمؤشرات تؤخذ في الحسبان، وتشكل انتخابات رئاسة السلطة مجالاً مهماً لاختبار ذلك. وإذا كانت فصائل المعارضة اليسارية تعمل على تسمية مرشح لها في هذه الانتخابات من الشخصيات المستقلة، الحديث يدور عن حيدر عبد الشافي، وأن حماس مترددة بين المقاطعة وتسمية مرشح مستقل قريب منها لهذه الانتخابات، فإن المشاركة في الانتخابات ضرورة وطنية من أية زاوية جاءت، حتى لو كان ذلك من موقع استعراض القوة، فإذا توافقت المعارضة الإسلامية واليسارية على شخصية، فإن هذا يخلق تحدياً حقيقياً لمرشح فتح، وبذلك لا تُعاد انتخابات عام 1996 التي رشحت فيها سميحة خليل نفسها في مواجهة ياسر عرفات، وحصلت على حوالي 8 % من الأصوات. مرشح اليوم بتحالف هذه القوى يجب أن يكون مرشحاً منافساً وقوياً، وإن لم ينجح فإن عليه أن يأخذ نسبة تقترب من النصف، ويجب الحصول على ذات النسبة حتى في حال وجود مرشحين، وإلا كان الترشيح صورياً ولا معنى له. إن مرشح معارضة قوياً، يخلق رئيس سلطة قوياً، فالمرشح الذي ينجح بفارق بسيط عليه أن يكون رئيساً للجميع، وأن يأخذ هذه الأقلية الكبيرة جداً بعين الاعتبار وأن يوظفها في تحركاته، فمازالت تعقيدات القضية الفلسطينية وتحدياتها قائمة. ولذلك فإن الدرس الفلسطيني الجديد سيكون: بناء التحالفات جزء أساسي من السياسة ومن إدارة الصراع.



* كاتبة فلسطينية