مشاهدة النسخة كاملة : أحداث غزة


نضال1
23-07-2004, 10:51 PM
نداءات من بيت المقدس
تاريخ الإضافة : 20/07/2004

بقلم: أبو حمزة الخطواني/ القدس

إن ما جرى في قطاع غزة من عمليات اختطاف ومحاصرة واحتجاج، وما تلاها من اشتباكات بين مجموعات مسلحة متناقضة تابعة للسلطة الفلسطينية، ومحسوبة على حركة فتح نفسها وهي حزب السلطة، وما وقع أثناء هذه المعمعة من استقالات وتعيينات في المراكز الأمنية العليا في أجهزة السلطة، لا يمكن النظر إليها بمعزل عن الضغوطات الخارجية التي تمارسها أميركا والكيان اليهودي على عرفات وحرسه القديم. وكان آخر هذه الضغوطات الأميركية ما أدلى به مبعوث الأمم المتحدة في الجمعية العامة من تصريحات لاذعة ضد ياسر عرفات، واتهامه له بعدم القيام بالإصلاحات المطلوبة، الأمر الذي ينذر بانهيار السلطة وتردي الأوضاع في الأراضي الفلسطينية.

الأرجح أن هذه الضغوطات هي التي دفعت عرفات للقيام بهذه الحركات المصطنعة في قطاع غزة امتثالاً لأوامر أميركا التي تطالبه بتوحيد الأجهزة الأمنية، والسيطرة عليها، لمنع النشاط الفدائي ضد الاحتلال وللجم المخلصين من القيام بدورهم الجهادي ضد الكيان اليهودي الغاصب.

لكن عرفات حاول أن يُبقي على معظم الخطوط بيده، فعيَّن قريبه موسى عرفات قائداً أمنياً للقطاع وهو من أخلص رجاله، وعيَّن عبد الرزاق المجايدة قائداً عاماً لقوات الأمن ليُرضي بتعيينه الذين يبغضون موسى عرفات المشهور بفساده بين أوساط الفلسطينيين في القطاع. واستبعد تماماً المحسوبين على إسرائيل من تعييناته كدحلان ورجال أبي مازن، وبذلك حاول أن يرضي أميركا بتحقيق طلبها بتوحيد الأجهزة الأمنية في ثلاث أجهزة: وهي الشرطة والمخابرات والأمن العام. واستبعد بنفس الوقت خصومه الذين يسعون لإزاحته والذين عندهم الاستعداد للسير مع أميركا وإسرائيل سيراً تاماً.

وقام بهذه التغييرات في الوقت المناسب، أي قبل أن تَجري تكتلات في صفوف المتذمرين من المسؤولين الأمنيين في أجنحة السلطة المختلفة، وبعد أن وصلت الضغوطات الأميركية أوجها بتصريحات تيري لارسن التهديدية، وتصريحات كوفي عنان المطالبة عرفات بالإصلاحات التي تعني التنازل لأبي العلاء عن صلاحيات تولي الملف الأمني وتشدد أبي العلاء في العودة عن الاستقالة، حتى يحقق مكاسب من وراء التطورات الأمنية الأخيرة في غزة.

وبذلك يحاول عرفات الاستمرار في الإمساك بخيوط اللعبة، فقدم تنازلات من جهة واستمر في الحفاظ على نفوذه من جهة أخرى. وكانت أحداث غزة هي الأسلوب الذي استخدمه عرفات هذه المرة للتغيير والإقالة أو للتعيين وإعادة التنظيم للأجهزة الأمنية المتناثرة.

وأما أحمد قريع، فقد صُدم بسبب لعبة عرفات هذه التي جعلته على الهامش، وحطَّت من قدره، مما دفعه لتقديم استقالته، وعدم سحبها إلا إذا أُعطي صلاحيات موثقة تليق برئيس وزراء مثله!! مع أنه متآمر على عرفات ومتواطئ ضده مع رجال دحلان في غزة.

والغريب أن أحمد قريع هذا دأب كلما حَزَبَهُ أمر على تقديم استقالته أو كلما يقوم عرفات بإجراءات وتغييرات تضمن بقاءه على رأس السلطة الآمر الناهي فيها. وهذا يعزز فكرة أن أحمد قريع هو من رجال أبي مازن، ويحاول النيل من عرفات، ويتربص به الدوائر، لكنه أضعف من أن يحشد الرأي العام داخل حركة فتح –حزب السلطة- لجانبه، ومثله مثل أبي مازن من حيث أنهما منبوذان من الشارع الفلسطيني لما قاما به بدور مشبوه في اتفاقية أوسلو الخيانية، ولما ارتبكا بملفات الفساد واشتهرا بها. وعرفات وإن كان يشاركهما الخيانة لكنه يملك الأوراق التي يفتقر إليها كل منهما، ومن هذه الأوراق التمثيل على الفلسطينيين بأنه يرفض التنازل عن حقوقهم، ويظهر بذلك أنه ليس مثلهما يقبلان التنازل عن كل شيء وعن أي شيء.

وهذا الفرق هو فرق في الدجل والتمثيل، وليس فرقاً في الواقع، فعرفات كأبي مازن وقال كقوله، فقال بأنه يتفهم الصبغة اليهودية لإسرائيل، وعرفات هو الذي بعث أبا مازن وأبا علاء لإجراء مفاوضات أوسلو، لكن عرفات لا يُظهر تنازلاته على الملأ كما يفعل أبو مازن وأبو علاء.

ومن ناحية ثانية فعرفات ما زال يملك المال الذي يستطيع أن يشتري به الذمم، وما زال بالتالي يملك مفاتيح التعيينات والترقيات وهي مفاتيح هامة في دائرة المصالح الشخصية العريضة لحركة كحركة فتح، التي هي حركة غير مبدئية وتعتبر حزب السلطة الوحيد. هذه هي الفروق بين هؤلاء الرجال، فالأهداف إذاً واحدة، ولكن التكتيكات متباينة والأساليب مختلفة.

أضف إلى ذلك أن عرفات وإن كان يخضع لطلبات أميركا لكنه ما زال على ولائه لأوروبا ولاءً تاماً، بينما أبو مازن وأبو العلاء عندهما الاستعداد التام للسير مع أميركا وإسرائيل أشواطاً أبعد مما عند عرفات.

والخلاصة أن ما جرى في غزة ما هو إلا لعبة من عرفات، هدفها الإبقاء على نفوذه، بالتنازل خطوة واحدة أميركا في مجال توحيد الأجهزة الأمنية واستمرار السير على حبل التوازنات. وهكذا فإننا نرى أن السباق الذي يجري للفوز بزعامة السلطة مجاله الوحيد هو الصعيد الأمني الذي يتعلق في حماية اليهود، ودولة اليهود. فالكل مستعد أن يعمل جاهداً على السهر على أمن إسرائيل، مقابل أن يظفر بكرسي الزعامة الفارغة، بينما إسرائيل تقتل وتهدم وتجرف وتصادر الأراضي وتمارس شتى أنواع التنكيل في حق الفلسطينيين، فإلى متى تبقى هذه الزعامات المدسوسة مفروضة على هذا الشعب المسكين؟؟!!.