دوشكا
27-05-2004, 01:00 PM
مفهوم القيادة
إن أمتنا اليوم تفتقر أكثر ما تفتقر إلى القيادة، ولسنا نتحدث
عن أي قيادة، ولكننا نقصد تلك الموجهة والمدروسة والتي تحيط بها عدة
صفات نموذجية، ولعل الحديث عن القيادة في حقيبتنا اليوم، هو من أفضل ما
يمكن تقديمه من دراسة لأمتنا المعاصرة، لمجتمعاتنا الكبيرة، ولشركاتنا
العظيمة، ولمؤسساتنا الحكومية والخاصة، ولكل منظمة عاملة صغيرة أو
كبيرة، ومن ثم لكل أسرة وفرد، فمفهوم القيادة التربية والتدريب عليها
هو شرخ كبير في حياتنا العملية، ونقص ظاهر في تركيبتنا الاجتماعية
والمؤسساتية، واليوم نحاول تسليط الضوء على هذا الأمر الهام والحيوي،
والذي نراه ملحاً لوضع اليد عليه، واكتشاف أسراره وسبر أغواره.
أهمية القيادة
إن عملية القيادة ووجود القائد الجيد على رأس عمله أمر غاية في الأهمية،
بل نكاد نقول: إن جزءاً كبيراً من تخلف الأمة في شتى الميادين بما فيها
العلمية والتجارية والاقتصادية يرجع لعدم وجود ما يكفي من القادة في
منظماتنا ومؤسساتنا الاقتصادية والتجارية. إذ كيف تبحر السفينة بدون
ربان؟! وكيف تصل دون تخطيط ودراسة للطريق الذي تسلكه وحالة البحر وما
إلى ذلك.
فالقيادة لا بد منها حتى تترتب الحياة، ويُقام العدل، ويُحال دون أن يأكل
القوي الضعيف. والقيادة هي التي تنظم طاقات العاملين وجهودهم لتنصب في
إطار خطط المنظمة بما يحقق الأهداف المستقبلية لها ويضمن نجاحها. كما
يعمل القائد بشكل دائم على تدعيم السلوك الإيجابي للأفراد والمجتمعات،
وإنه يبذل قصارى جهده لتقليل السلوك السلبي، موجداً بذلك مناخاً أفضل
للعمل والإنتاج الهادف، ثم إن على القائد أن لا يُستهلك بالتعامل مع
الأمور
اليومية والروتينية، بل إن أهم عمل له هو استشراف المستقبل، ووضع الخطط
المستقبلية وتطويرها، وحل أي مشكلات مستقبلية متوقعة قد يواجهها.
كما أن على القائد الناجح والمؤثر في منظمة ما، أن يستشف التغييرات
الآتية في المجتمع الذي تعمل فيه المنظمة ويواكبها، ويساعد المنظمة على
التأقلم معها والاستفادة منها ما استطاعت. ومن أجل تهيئة المنظمة
لمواكبة التغييرات يحتاج القائد إلى تنمية قدرات الموظفين والعاملين
ورعايتهم من خلال البرامج التدريبية المستمرة التي تلائم احتياجات هذه
المنظمة والعاملين فيها، وترفع من قدراتهم وإمكانياتهم.
معاناة !
تعاني معظم الشركات والمنظمات في العالم العربي من ضعف كبير في كوادرها
القيادية. فهي لا تبذل الجهد والوقت والمال الكافي لتطوير ورفع قدرات
ومهارات إدارييها ليصبحوا قادة للمنظمة أو الشركة. ولعل هذا أبرز
الأسباب التي تجعل هذه الشركات والمنظمات عاجزة عن التخطيط بعيد المدى
وعاجزة عن المنافسة الدولية في عصر العولمة، باستثناء قلة من الشركات
الكبرى التي تعد على الأصابع. إن الإنسان، وبالذات الساعي نحو القيادة، لا
بد أن تواجهه عثرات في طريقه، بل وقد يفشل في تنفيذ أو أداء بعض
المشاريع والبرامج. ولكن هذا لا يعني أنه إنسان فاشل، فالفشل أسلوب في
التعلم كالنجاح أو أفضل. وقد أدرك الغرب هذا الأمر، وهذا "بيل غيتس"
يقول في إحدى المقابلات الصحفية إنه يفضل تعيين مديرين ممن سبق أن عملوا
في شركات فاشلة. ويعلل ذلك بقوله إنهم لا بد تعلموا من أخطائهم ما
يجنبهم الفشل ثانية، كما أنهم سيصممون على النجاح كي يثبتوا لأنفسهم
ولغيرهم أنهم ليسوا فاشلين.
وفي شركة "آسم" خسر "بوب" مليون دولار في منتج معين. وعندما طلبه الرئيس
في مكتبه، دخل "بوب" وقال: حتى لا نضيع الوقت، إنني أعرف لماذا طلبتني.
وهذه استقالتي. قاطع الرئيس "بوب" بقوله: على مهلك، يجب أن نتخذ
قراراتنا بأساليب علمية، إنني لا أستطيع أن أتحمل أن أفقدك. لقد أنفقنا
مبلغ مليون دولار على تعليمك.
فأين نحن من هذه العقلية؟
القيادة منذ الطفولة
يعتقد أغلب المفكرين أن القدرات القيادية والاستعداد القيادي تزرع في
السنوات السبع الأولى من عمر الطفل. ويكتسب الطفل مهارات قيادية بقدر ما
يمر به من تجارب. يقول "مونتغمري" عن تربية الأطفال وتنشئتهم: إن طفل
اليوم هو رجل المستقبل، يجب أن يكون الغرض من صناعته هو بناء سجيته،
ليتسنى له أن يؤثر في الآخرين إلى ما فيه الخير عندما يحين الوقت. إن
تجربتي الشخصية تحملني على الاعتقاد بأن الأسس لبناء السجية تغرس في
الطفل في سن السادسة من عمره.
وهذا الإمام مالك يقول: كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم
من أدبه قبل علمه.
وقديماً قيل العلم في الصغر كالنقش في الحجر، لذا فإن الاهتمام برعاية
وتنمية المواهب والقدرات القيادية في سنوات الطفولة المبكرة أمر في
غاية الأهمية، بل هو أمر غالباً ما نسهى عن أهميته.
بهذه الطريقة تصبح القيادة موهبة نكتشفها في الصغر ونرعاها ونصقلها
وننميها إلى أن نكبر. وهي في هذا الصقل والتطوير تدخل في مرحلة التعلم،
تعلم المهارات القيادية التي تساعد الموهبة على البروز وتساعد قائد
المستقبل على التعامل مع الأفراد والمجتمع والقضايا والحالات بشكل علمي
مدروس بعيداً عن العاطفية وردات الفعل. إن من المهم تعلم مهارات التعامل
مع الناس ومهارات التخطيط وغيرها من الأمور التي لا غنى للقائد عنها.
المرأة والقيادة
أما إذا تحدثنا عن المرأة والقيادة فإننا نتحدث عن مجتمعات لا زالت بشكل
عام مجتمعات شرقية ذكورية، لذا فإن الكثير من الناس يعتقد أن المرأة لا
تصلح للقيادة وبالتأكيد لا تصلح لقيادته هو، وقد يتساهل البعض فيقول إن
المرأة تستطيع قيادة النساء فقط. لكن هذه الرؤية آخذة في التغير، فهناك
أعداد متزايدة من النساء في مواقع قيادية متوسطة وعليا في المؤسسات
الحكومية والقطاع الخاص. نعم إن المرأة تسعى إلى لعب دور قيادي أكبر في
المجتمع، ولكن العقبات ما زالت كثيرة. فالكثير من الرجال يعتقدون بأن
المرأة لا تعرف كيف تدير الرجل. بل ويشعر الكثير من الرجال بالذل
والإهانة حينما تترأسه امرأة.
ولكن المؤكد هو أن النساء أصبحن أكثر من نصف المجتمع اليوم، وهن إضافة
إلى ذلك يقمن بتربية النصف الآخر، لذا فإن الاهتمام بدورهن الاجتماعي
والاقتصادي وحتى السياسي أصبح ضرورياً أكثر من أي وقت مضى، في إطار ما
أقرته لهن شريعتنا السمحة من حقوق سبقنا الدنيا في إعطائها إياها قبل
أن نمنعها منها تحت غطاء العادات والتقاليد الموروثة بعيداً عن الدين
الحنيف.
من يصلح للقيادة !؟
يشعر الكثيرون في العالم العربي بأنهم جديرون بالقيادة، وأنهم أهل لها،
ولعل البعض منهم مصيب في شعوره هذا، ولكن لماذا الإصرار على القيادة
ومحبتها؟ إن أحد الأسباب هو أن الجميع يعتقدون أنهم لا يستطيعون تحقيق ما
يرونه صواباً في ظل قيادة أو إدارة شخص آخر.
وهذا أحد أسباب التفرد بالقرار في مؤسساتنا وعدم الأخذ بمبدأ الشورى
وحرية الرأي. لكن من المؤكد أنه ليس هناك مجتمع كامل أعضائه قادة، فالله
خلق البشر بقدرات متفاوتة وأدواراً مختلفة لا غنى عن أي منها لتوازن
المجتمع. فهل نعقل؟
ومن أجل أن يتكون هذه الدراسة البسيطة مدعمة برأي المختصين، انتقلت
مجلتكم إلى كلية الإدارة بجامعة الكويت والتقت ببعض أساتذة علم الإدارة،
ووجهت لهم بعض الأسئلة.
صياغة القادة
فالدكتور عادل الوقيان، وهو الخبير بأمور الإدارة والتسويق، والحاصل على
شهادة الدكتوراه من كلية إدارة الأعمال في جامعة ولاية روود آيلاند
بالولايات المتحدة، يتحدث إلينا عن عملية إعداد القادة في الشركات
والمنظمات الحالية، فيقول
المنظمات والشركات التي نعرفها حالياً تغلب عليها الصفة التجارية،
وبعضها آخر له صفة حكومية أو خدمية، فإذا تكلمنا عن المنظمات الحكومية
فلا أجد أي دليل علمي يشير إلى أن هناك صياغة للقيادة في هذا المجال،
فالشركات والمؤسسات والهيئات الحكومية يتم التعيين فيها وفقاً لمعايير
سياسية خاصة في المستوى الإداري الأعلى، كما أنه لا يوجد بشكل واضح خط
تطوير إداري للموظف، وبالتالي فإن مستقبل الموظف الإداري غير واضح
المعالم، ولا يمكن صنع قادة مع هذا الإشكال، أضف إلى ذلك فقدان الحماس
للرغبة في التطور والتعلم لدى معظم العاملين إذا ما أحسوا بضيق أفق
التطوير الإداري والترقي أمامهم.
أما في الشركات الخاصة فهي نوعان منها:
- شركات أموال شركات مساهمة وهي أيضاً تخضع لاعتبارات اقتصادية وسياسية.
- وهناك شركات فردية تسمى شركات عائلات، وشركات العائلات هي أفضل مناخ
لدعم الشخصية القيادية، وذلك لوجود ارتباط قوي ما بين دوافع المدير وما
بين الهدف من وجود الشركة، وبما أن مالك الشركة العائلة يكون غالباً هو
المدير التنفيذي، فتجده يحرص أن يزود شخصيته بكل المزايا القيادية،
إضافة إلى حرصه إلى تطوير الطاقم العامل لديه للوصول إلى أرفع مستويات
الإنتاج.
وكما هو معروف فإن القيادة تختلف عن السيادة، فالقيادة محاولة إيجاد
فريق العمل والتأثير عليهم بحيث يكون هناك تناغم وتجانس وتطابق في
الرؤى والآليات حتى يصل إلى هدف معين. أما السيادة فهي فرض القوة بالقسر
والعنف، وبالتالي هناك نوع من النفور من هذا الشخص. وأعتقد أن أفضل
فرصة لتكوين الشخصية القيادية هي الشركات العائلية.
وهناك نوع آخر من الشركات الخاصة، وهي الشركات المتجانسة، والتي يكون
فيها المدير العام يفقه جيداً أهمية القيادة، وأن القيادة لا يجب أن
تنحصر فقط في الإدارة العليا، بل يجب أن تكون أيضاً في الإدارة
الوسطى، ,عن تهيئة وإيجاد الجيل القيادي الثاني يعتبر من أهم أهداف
المنظمة أو المؤسسة، والتي يجب دائماً أن تضعها نصب عينها الفاحصة.
وبسؤال الدكتور عادل الوقيان عن عملية إعداد القادة منذ الطفولة
المبكرة أجاب بأنه يجب أن يكون هناك جهد حثيث لتدريب الأطفال على حمل
المسؤولية، وهناك أكثر من أسلوب لتطوير الأطفال. فبينما يكون بعض الأطفال
اتكاليين في طبعهم، فإنك تجد آخرين تسودهم روح المبادرة والقيادية،
ويجب أن يعامل كل صنف يما يناسبه، ويجب أن لا نعدم الوسيلة في إقناع كل
طفل بأن يكون قائداً، وأول هذه الوسائل هو أن يتحمل المسؤولية، ويشعر
بضرورة قيادته لنفسه وللآخرين، ولا بأس من إعطاء الأطفال ? حسب أعمارهم ?
بعض هوامش الحرية، ليتخذوا قراراتهم بأنفسهم، ومن ثم ليتحملوا نتائج
هذه القرارات، وكل ذلك ضمن رقابة وتوجيه مباشر وغير مباشر من الوالدين.
القيادة من شقين
ولكن هل القيادة مجرد موهبة إلهية؟! أم أنها اكتساب يكتسبه الإنسان
بالدربة والتعلم؟!
يرى الدكتور عادل أنها مكونة من الجزأين معاً، جزء فطري وجزء مكتسب، أما
الفطري فهو الهبة الإلهية، وربما الوراثة والطبيعية، والصفات الخلُقية
والخلْقية، فهناك من يقول أن القائد لا بد أن يتصف بصفات جسمانية معينة،
من حيث الشكل والطول والعضلات والصوت والسمع والبصر.. والبعض يقول أن
النظرية "الكاريزماتية" لها علاقة بالجسم، وأيضاًَ لها علاقة بالصوت
والقدرات والذكاء وقوة السمع والحواس المختلفة للإنسان وكل هذه الأمور
منشؤها طبيعي فطري وليس مكتسباً، ولكن هل هي فقط موهبة؟! بالطبع لا، إن
علماء النفس يقولون إن الفطرة هي المسدس والبيئة هي الزناد، فالفطرة هي
أصل الطبع، غير أن ما يكتسبه الإنسان خلال حياته هو الباعث الحقيقي وراء
هذه الموهبة، وهذه الخبرات هي التي تكوّن القائد وتجعله متمرساً وخبيراً.
وعلى هذا فإن بعض الصفات الجسمانية والحسية مطلوبة للقيادة، لكنها ليست
بالضرورة العامل الأول ، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الشخص الذي لا يعاني
من بطئ في التعلم، أو سوء في النطق، أو مشاكل جسمانية معينة، فبذلك
يستطيع أن يكتسب فن القيادة، لكن المحدد الأول لهذه الخاصية القيادية هو
عامل الدافعية، فهل لديه الدافعية؟ وهل لديه القدرة؟ ولديه الطاقة
الكافية من داخله؟ فتفجير هذه الطاقة الكامنة هو مكمن السر، ومهما
أعطيت لشخص ? لديه من القدرات ما لديه ? مهمة ويحس أنه لا يستطيع ويقنع
نفسه أن لا يستطيع، فلن يستطيع أبداً.
ويعبر د. عادل عن رأيه في دور المرأة في القيادة بالإيجاب، ولكنه يرى
أننا كمجتمعات عربية يسودها الذكور، فإن المرأة تكاد تكون مهمّشة،
وخصوصاً قبل عصرنا الحالي، فهي كانت لا تستطيع أن تخرج للعمل أو تتعلم أو
لاستلام منصب قيادي، فكان هناك نوع من الحجر عليها، لكنها الآن بدأت تتطور
أكثر، ولكن لا بد أن تتم ممارسة دور المرأة وفقاً للضوابط الشرعية، فلا
يجوز أن تخرج المرأة عن الحدود التي حددها الله تعالى للبشر، وحتى الرجل
كذلك يجب أن تكون أعماله في حدود الشرع، فالاثنان سواسية في ذلك.
قصور في إعداد القادة
وكذلك التقت أسرة تحرير المجلة مع الدكتور راشد العجمي، وهو المحاضر في
كلية العلوم الإدارية بجامعة الكويت، والحاصل على شهادة الدكتوراه في
إدارة الأعمال من جامعة كنت سيتي من ولاية أوهايو في الولايات المتحدة،
ودار بينهما حوار حول مفهوم القيادة.
ويرى د. راشد أن إعداد القادة في الشركات والمؤسسات العربية لا يتم
حالياً بشكل جيد، حيث أن الجزء الأكبر في القيادة يعتمد على الشخص نفسه،
ولا يوجد إعداد مدروس، أي أنه يتم تدريب العاملين منذ البداية على
مفاهيم القيادة، لكن القضية أننا لا نلتفت للشخص إلا أن يكون جيداً أو
يُظهر نفسه، فهذا ليس إعداداً، وإنما هو تبنٍّ للمواهب.
أما في الدول المتقدمة فإننا نجد الاختبارات الكثيرة تجرى على الأطفال في
سن مبكرة لاكتشاف مواهبهم القيادية، الإبداعية، الاتصالية والحوارية،
وأحياناً تعقد الاختبارات قبل رياض الأطفال لمعرفة الذكاء والمواهب ويتم
رعايتها منذ الصغر.
ويمكن لأي شخص في رأيي أن يتعلم فنون القيادة، فالتعلم متاح في الدورات
والجامعات، لكن هل سيتحول هذا الشخص إلى شخصية قيادية فيما بعد؟ لا يُعلم
هذا، فإن هناك جزءاً كبيراً فطرياً، وليس بالضرورة أننا إذا تعلمنا شيئاً
فإن تطبيقه سيكون بحذافيره، فالفرق واسع بين التعليم والتطبيق، فلا يكفي
تدريس علم القيادة لكي نصنع قياديين.
أما المرأة فيمكنها أن تكون قيادية كالرجل تماماً، والدليل أن هناك
كثيراً من الصحابيات كن رائدات في محيطهن، وكان لهن دور بارز حتى في
مجتمعات الرجال، مثل السيدة عائشة رضي الله عنها، حيث كان لها الدور
العلمي والسياسي في مواقفها، والسيدة أسماء رضي الله عنها وغيرهن من
الصحابيات اللائي برزن بوضوح في منافسة الرجال.
أزمة قيادية
ويرى الدكتور طارق محمد السويدان صاحب كتاب صناعة القائد أن أمتنا تعيش
أزمة قيادية، فعلى الرغم من كثرة المديرين والمسؤولين. فإن هناك ندرة
في القيادة الحقيقية التي تنهض بالمجتمع والأمة، وتتخلص هذه الأزمة في
أربع مظاهر هي:
1- أزمة تخلف: إننا نعيش أزمة تخلف مريرة في كل مجال. فما عدنا نقود
الأمم، ولا يوجد لدينا مقومات لقيادة الأمم. فرغم وجود المنهج المتمثل
بالقرآن والسنة إلا أنه ليس هناك من يطبقه لعدم وجود من يفهمه الفهم
الصحيح المتسع الأفق. وصدق فينا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ
يقول
أبو الدرداء رضي الله عنه: كان رسول الله عليه الصلاة والسلام جالساً بين
أصحابه، فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: "هذا أوان يُختلس العلم من
الناس، حتى لا يقدرون منه على شيء". فقال زياد بن لبيد: يا رسول الله، كيف
يُختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لَنقرأنَّه ولنُقرِأنَّه أبناءنا
ونساءنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثكلتك أمك يا زياد، إنْ كنتُ لأعدُّك
من
فقهاء أهل المدينة، هذه التوارة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا
تغني عنهم"؟ رواه الترمذي.
لقد افتقدنا النماذج والقدوات القيادية الحية التي تستطيع أن تقود
وتطبق فيقتدي الناس بها ويتفاعلوا معها كي تتطور المنظمات ويعلو شأن
الأمة.
2- أزمة فاعلية: فنحن أمة غير فاعلة، وما أصبحنا هكذا إلا بعد أن أصبحنا
أفراداً غير فاعلين في مجالاتنا. لكن هناك حقيقة مهمة يجب ألا نغفل عنها،
وهي أن هذه الأمة خلقت لتبقى، وما خلقت لتؤدي دوراً وتنتهي مثل الأمم
الأخرى. إذاً نحن بحاجة إلى تفعيل الدور القيادي للأشخاص في مجتمعنا،
وبناء شخصيات قيادية قادرة على التنافس مع الغرب والتفوق عليه في إدارة
الشركات والإبداع والإبتكار والتجديد كي نمتلك قوتنا الاقتصادية ونفعلها
لخدمة مصالحنا كأمة.
كما أنه لدينا قصوراً في فن التعامل أو فن التأثير على الناس، حتى على
المستوى والمحيط الصغير، كتأثير الوالد في ولده أو المعلم في تلميذه أو
المدير في موظفيه. فإن كنا نعجز عن ذلك فكيف سنؤثر في المجتمع الأكبر
وفي العالم؟!
3- أزمة استشعار: أي استشعار ثقل القيادة ومسؤوليتها، فالقيادة غُرم لا
غنم. وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول واصفاً حاله منذ أصبح خليفةً:
فو الله ما أستطيع أن أصلي وما أستطيع أن أرقد، وإني لأفتح السورة فما
أدري في أولها أنا أو في آخرها من همّي بالناس منذ جاءني هذا الخبر.
(تاريخ عمر لابن الجوزي). ولم يفارق هذا الهم عمر رضي الله عنه حتى وفاته.
4- أزمة ضعف أداء القائد: وهي من الأزمات التي تمر بها المنظمات
والمؤسسات بشكل عام وأعراض هذه الأزمة وآثارها منعكسة على كل المستويات.
وهي مشكلة ضعف نفسي داخلي، أي ضعف معرفتنا بأنفسنا ومعرفة هويتنا
ومعرفتنا بربنا سبحانه وتعالى.
استبيان إبداع
وفي الختام أجرت أسرة تحرير المجلة استبياناً على عينة عشوائية من مثقفي
مجتمع الكويت، يبلغ تعداد هذه العينة (100) شخص، وكانت الأسئلة وأعداد
الإجابات كالتالي:
(إلى الإخراج أرجو وضع إخراج الاستبيان على شكل دوائر ونسب في داخلها)
1-
هل تتم عملية إعداد القادة بشكل جيد في الشركات والمنظمات الحالية؟!
الإجابة نعم لا ربما لا أدري العدد (النسبة %) 10 33 42 15 2-
هل تعتقد أنه يجب إعداد القادة منذ فترة الطفولة المبكرة؟ الإجابة نعم لا
ربما لا أدري العدد (النسبة %) 61 19 15 5 3-
هل ترى أن القيادة موهبة من الله تعالى فقط؟ الإجابة نعم لا ربما لا أدري
العدد (النسبة %) 29 50 18 3 4-
هل يمكن لشخص لا يملك شخصية قيادية أن يتعلم فن القيادة ويصبح قائداً؟
الإجابة نعم لا ربما لا أدري العدد (النسبة %) 54 18 25 3 5-
هل ترى أنه يمكن للمرأة أن تلعب دوراً قيادياً في مجتمعات الرجال؟ الإجابة
نعم لا ربما لا أدري العدد (النسبة %) 42 33 24 1 6-
هل تعتقد أنك يمكن أن تكون قائداً؟ الإجابة نعم لا ربما لا أدري العدد
(النسبة %) 59 10 27 4
في نظرة سريعة للاستبيان السابق نرى أن معظم طبقة المثقفين ترى أنه لا
تتم عملية إعداد القيادات بشكل ناجح حالياً، وتؤمن بوجوب البدء بهذه
العملية منذ الطفولة المبكرة، كما أن الغالبية ترى أن القيادة تعلم
ودراسة ودُربة أكثر منها موهبة وفطرة وشخصية، بينما ترى أغلبية بسيطة أن
باستطاعة المرأة أن تكون قائدة في مجتمع الرجال، وعلى الرغم من أنها
هذه الأغلبية ليست كبيرة إلا أنها مشجعة لقبول المرأة كصنوٍ للرجل في
المجتمع، وأخيراً يعتقد معظم الناس أنه يمتلك صفة قيادية تمكنه وتؤهله
للقيادة، وإن كانت هذه الأخيرة لا تعكس جانباً دقيقاً، إلا أنها تعطينا
مفهوماً عاماً لطبيعة المجتمع الذي نحيا فيه
جمع للأخ بكر ابو بكر
إن أمتنا اليوم تفتقر أكثر ما تفتقر إلى القيادة، ولسنا نتحدث
عن أي قيادة، ولكننا نقصد تلك الموجهة والمدروسة والتي تحيط بها عدة
صفات نموذجية، ولعل الحديث عن القيادة في حقيبتنا اليوم، هو من أفضل ما
يمكن تقديمه من دراسة لأمتنا المعاصرة، لمجتمعاتنا الكبيرة، ولشركاتنا
العظيمة، ولمؤسساتنا الحكومية والخاصة، ولكل منظمة عاملة صغيرة أو
كبيرة، ومن ثم لكل أسرة وفرد، فمفهوم القيادة التربية والتدريب عليها
هو شرخ كبير في حياتنا العملية، ونقص ظاهر في تركيبتنا الاجتماعية
والمؤسساتية، واليوم نحاول تسليط الضوء على هذا الأمر الهام والحيوي،
والذي نراه ملحاً لوضع اليد عليه، واكتشاف أسراره وسبر أغواره.
أهمية القيادة
إن عملية القيادة ووجود القائد الجيد على رأس عمله أمر غاية في الأهمية،
بل نكاد نقول: إن جزءاً كبيراً من تخلف الأمة في شتى الميادين بما فيها
العلمية والتجارية والاقتصادية يرجع لعدم وجود ما يكفي من القادة في
منظماتنا ومؤسساتنا الاقتصادية والتجارية. إذ كيف تبحر السفينة بدون
ربان؟! وكيف تصل دون تخطيط ودراسة للطريق الذي تسلكه وحالة البحر وما
إلى ذلك.
فالقيادة لا بد منها حتى تترتب الحياة، ويُقام العدل، ويُحال دون أن يأكل
القوي الضعيف. والقيادة هي التي تنظم طاقات العاملين وجهودهم لتنصب في
إطار خطط المنظمة بما يحقق الأهداف المستقبلية لها ويضمن نجاحها. كما
يعمل القائد بشكل دائم على تدعيم السلوك الإيجابي للأفراد والمجتمعات،
وإنه يبذل قصارى جهده لتقليل السلوك السلبي، موجداً بذلك مناخاً أفضل
للعمل والإنتاج الهادف، ثم إن على القائد أن لا يُستهلك بالتعامل مع
الأمور
اليومية والروتينية، بل إن أهم عمل له هو استشراف المستقبل، ووضع الخطط
المستقبلية وتطويرها، وحل أي مشكلات مستقبلية متوقعة قد يواجهها.
كما أن على القائد الناجح والمؤثر في منظمة ما، أن يستشف التغييرات
الآتية في المجتمع الذي تعمل فيه المنظمة ويواكبها، ويساعد المنظمة على
التأقلم معها والاستفادة منها ما استطاعت. ومن أجل تهيئة المنظمة
لمواكبة التغييرات يحتاج القائد إلى تنمية قدرات الموظفين والعاملين
ورعايتهم من خلال البرامج التدريبية المستمرة التي تلائم احتياجات هذه
المنظمة والعاملين فيها، وترفع من قدراتهم وإمكانياتهم.
معاناة !
تعاني معظم الشركات والمنظمات في العالم العربي من ضعف كبير في كوادرها
القيادية. فهي لا تبذل الجهد والوقت والمال الكافي لتطوير ورفع قدرات
ومهارات إدارييها ليصبحوا قادة للمنظمة أو الشركة. ولعل هذا أبرز
الأسباب التي تجعل هذه الشركات والمنظمات عاجزة عن التخطيط بعيد المدى
وعاجزة عن المنافسة الدولية في عصر العولمة، باستثناء قلة من الشركات
الكبرى التي تعد على الأصابع. إن الإنسان، وبالذات الساعي نحو القيادة، لا
بد أن تواجهه عثرات في طريقه، بل وقد يفشل في تنفيذ أو أداء بعض
المشاريع والبرامج. ولكن هذا لا يعني أنه إنسان فاشل، فالفشل أسلوب في
التعلم كالنجاح أو أفضل. وقد أدرك الغرب هذا الأمر، وهذا "بيل غيتس"
يقول في إحدى المقابلات الصحفية إنه يفضل تعيين مديرين ممن سبق أن عملوا
في شركات فاشلة. ويعلل ذلك بقوله إنهم لا بد تعلموا من أخطائهم ما
يجنبهم الفشل ثانية، كما أنهم سيصممون على النجاح كي يثبتوا لأنفسهم
ولغيرهم أنهم ليسوا فاشلين.
وفي شركة "آسم" خسر "بوب" مليون دولار في منتج معين. وعندما طلبه الرئيس
في مكتبه، دخل "بوب" وقال: حتى لا نضيع الوقت، إنني أعرف لماذا طلبتني.
وهذه استقالتي. قاطع الرئيس "بوب" بقوله: على مهلك، يجب أن نتخذ
قراراتنا بأساليب علمية، إنني لا أستطيع أن أتحمل أن أفقدك. لقد أنفقنا
مبلغ مليون دولار على تعليمك.
فأين نحن من هذه العقلية؟
القيادة منذ الطفولة
يعتقد أغلب المفكرين أن القدرات القيادية والاستعداد القيادي تزرع في
السنوات السبع الأولى من عمر الطفل. ويكتسب الطفل مهارات قيادية بقدر ما
يمر به من تجارب. يقول "مونتغمري" عن تربية الأطفال وتنشئتهم: إن طفل
اليوم هو رجل المستقبل، يجب أن يكون الغرض من صناعته هو بناء سجيته،
ليتسنى له أن يؤثر في الآخرين إلى ما فيه الخير عندما يحين الوقت. إن
تجربتي الشخصية تحملني على الاعتقاد بأن الأسس لبناء السجية تغرس في
الطفل في سن السادسة من عمره.
وهذا الإمام مالك يقول: كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم
من أدبه قبل علمه.
وقديماً قيل العلم في الصغر كالنقش في الحجر، لذا فإن الاهتمام برعاية
وتنمية المواهب والقدرات القيادية في سنوات الطفولة المبكرة أمر في
غاية الأهمية، بل هو أمر غالباً ما نسهى عن أهميته.
بهذه الطريقة تصبح القيادة موهبة نكتشفها في الصغر ونرعاها ونصقلها
وننميها إلى أن نكبر. وهي في هذا الصقل والتطوير تدخل في مرحلة التعلم،
تعلم المهارات القيادية التي تساعد الموهبة على البروز وتساعد قائد
المستقبل على التعامل مع الأفراد والمجتمع والقضايا والحالات بشكل علمي
مدروس بعيداً عن العاطفية وردات الفعل. إن من المهم تعلم مهارات التعامل
مع الناس ومهارات التخطيط وغيرها من الأمور التي لا غنى للقائد عنها.
المرأة والقيادة
أما إذا تحدثنا عن المرأة والقيادة فإننا نتحدث عن مجتمعات لا زالت بشكل
عام مجتمعات شرقية ذكورية، لذا فإن الكثير من الناس يعتقد أن المرأة لا
تصلح للقيادة وبالتأكيد لا تصلح لقيادته هو، وقد يتساهل البعض فيقول إن
المرأة تستطيع قيادة النساء فقط. لكن هذه الرؤية آخذة في التغير، فهناك
أعداد متزايدة من النساء في مواقع قيادية متوسطة وعليا في المؤسسات
الحكومية والقطاع الخاص. نعم إن المرأة تسعى إلى لعب دور قيادي أكبر في
المجتمع، ولكن العقبات ما زالت كثيرة. فالكثير من الرجال يعتقدون بأن
المرأة لا تعرف كيف تدير الرجل. بل ويشعر الكثير من الرجال بالذل
والإهانة حينما تترأسه امرأة.
ولكن المؤكد هو أن النساء أصبحن أكثر من نصف المجتمع اليوم، وهن إضافة
إلى ذلك يقمن بتربية النصف الآخر، لذا فإن الاهتمام بدورهن الاجتماعي
والاقتصادي وحتى السياسي أصبح ضرورياً أكثر من أي وقت مضى، في إطار ما
أقرته لهن شريعتنا السمحة من حقوق سبقنا الدنيا في إعطائها إياها قبل
أن نمنعها منها تحت غطاء العادات والتقاليد الموروثة بعيداً عن الدين
الحنيف.
من يصلح للقيادة !؟
يشعر الكثيرون في العالم العربي بأنهم جديرون بالقيادة، وأنهم أهل لها،
ولعل البعض منهم مصيب في شعوره هذا، ولكن لماذا الإصرار على القيادة
ومحبتها؟ إن أحد الأسباب هو أن الجميع يعتقدون أنهم لا يستطيعون تحقيق ما
يرونه صواباً في ظل قيادة أو إدارة شخص آخر.
وهذا أحد أسباب التفرد بالقرار في مؤسساتنا وعدم الأخذ بمبدأ الشورى
وحرية الرأي. لكن من المؤكد أنه ليس هناك مجتمع كامل أعضائه قادة، فالله
خلق البشر بقدرات متفاوتة وأدواراً مختلفة لا غنى عن أي منها لتوازن
المجتمع. فهل نعقل؟
ومن أجل أن يتكون هذه الدراسة البسيطة مدعمة برأي المختصين، انتقلت
مجلتكم إلى كلية الإدارة بجامعة الكويت والتقت ببعض أساتذة علم الإدارة،
ووجهت لهم بعض الأسئلة.
صياغة القادة
فالدكتور عادل الوقيان، وهو الخبير بأمور الإدارة والتسويق، والحاصل على
شهادة الدكتوراه من كلية إدارة الأعمال في جامعة ولاية روود آيلاند
بالولايات المتحدة، يتحدث إلينا عن عملية إعداد القادة في الشركات
والمنظمات الحالية، فيقول
المنظمات والشركات التي نعرفها حالياً تغلب عليها الصفة التجارية،
وبعضها آخر له صفة حكومية أو خدمية، فإذا تكلمنا عن المنظمات الحكومية
فلا أجد أي دليل علمي يشير إلى أن هناك صياغة للقيادة في هذا المجال،
فالشركات والمؤسسات والهيئات الحكومية يتم التعيين فيها وفقاً لمعايير
سياسية خاصة في المستوى الإداري الأعلى، كما أنه لا يوجد بشكل واضح خط
تطوير إداري للموظف، وبالتالي فإن مستقبل الموظف الإداري غير واضح
المعالم، ولا يمكن صنع قادة مع هذا الإشكال، أضف إلى ذلك فقدان الحماس
للرغبة في التطور والتعلم لدى معظم العاملين إذا ما أحسوا بضيق أفق
التطوير الإداري والترقي أمامهم.
أما في الشركات الخاصة فهي نوعان منها:
- شركات أموال شركات مساهمة وهي أيضاً تخضع لاعتبارات اقتصادية وسياسية.
- وهناك شركات فردية تسمى شركات عائلات، وشركات العائلات هي أفضل مناخ
لدعم الشخصية القيادية، وذلك لوجود ارتباط قوي ما بين دوافع المدير وما
بين الهدف من وجود الشركة، وبما أن مالك الشركة العائلة يكون غالباً هو
المدير التنفيذي، فتجده يحرص أن يزود شخصيته بكل المزايا القيادية،
إضافة إلى حرصه إلى تطوير الطاقم العامل لديه للوصول إلى أرفع مستويات
الإنتاج.
وكما هو معروف فإن القيادة تختلف عن السيادة، فالقيادة محاولة إيجاد
فريق العمل والتأثير عليهم بحيث يكون هناك تناغم وتجانس وتطابق في
الرؤى والآليات حتى يصل إلى هدف معين. أما السيادة فهي فرض القوة بالقسر
والعنف، وبالتالي هناك نوع من النفور من هذا الشخص. وأعتقد أن أفضل
فرصة لتكوين الشخصية القيادية هي الشركات العائلية.
وهناك نوع آخر من الشركات الخاصة، وهي الشركات المتجانسة، والتي يكون
فيها المدير العام يفقه جيداً أهمية القيادة، وأن القيادة لا يجب أن
تنحصر فقط في الإدارة العليا، بل يجب أن تكون أيضاً في الإدارة
الوسطى، ,عن تهيئة وإيجاد الجيل القيادي الثاني يعتبر من أهم أهداف
المنظمة أو المؤسسة، والتي يجب دائماً أن تضعها نصب عينها الفاحصة.
وبسؤال الدكتور عادل الوقيان عن عملية إعداد القادة منذ الطفولة
المبكرة أجاب بأنه يجب أن يكون هناك جهد حثيث لتدريب الأطفال على حمل
المسؤولية، وهناك أكثر من أسلوب لتطوير الأطفال. فبينما يكون بعض الأطفال
اتكاليين في طبعهم، فإنك تجد آخرين تسودهم روح المبادرة والقيادية،
ويجب أن يعامل كل صنف يما يناسبه، ويجب أن لا نعدم الوسيلة في إقناع كل
طفل بأن يكون قائداً، وأول هذه الوسائل هو أن يتحمل المسؤولية، ويشعر
بضرورة قيادته لنفسه وللآخرين، ولا بأس من إعطاء الأطفال ? حسب أعمارهم ?
بعض هوامش الحرية، ليتخذوا قراراتهم بأنفسهم، ومن ثم ليتحملوا نتائج
هذه القرارات، وكل ذلك ضمن رقابة وتوجيه مباشر وغير مباشر من الوالدين.
القيادة من شقين
ولكن هل القيادة مجرد موهبة إلهية؟! أم أنها اكتساب يكتسبه الإنسان
بالدربة والتعلم؟!
يرى الدكتور عادل أنها مكونة من الجزأين معاً، جزء فطري وجزء مكتسب، أما
الفطري فهو الهبة الإلهية، وربما الوراثة والطبيعية، والصفات الخلُقية
والخلْقية، فهناك من يقول أن القائد لا بد أن يتصف بصفات جسمانية معينة،
من حيث الشكل والطول والعضلات والصوت والسمع والبصر.. والبعض يقول أن
النظرية "الكاريزماتية" لها علاقة بالجسم، وأيضاًَ لها علاقة بالصوت
والقدرات والذكاء وقوة السمع والحواس المختلفة للإنسان وكل هذه الأمور
منشؤها طبيعي فطري وليس مكتسباً، ولكن هل هي فقط موهبة؟! بالطبع لا، إن
علماء النفس يقولون إن الفطرة هي المسدس والبيئة هي الزناد، فالفطرة هي
أصل الطبع، غير أن ما يكتسبه الإنسان خلال حياته هو الباعث الحقيقي وراء
هذه الموهبة، وهذه الخبرات هي التي تكوّن القائد وتجعله متمرساً وخبيراً.
وعلى هذا فإن بعض الصفات الجسمانية والحسية مطلوبة للقيادة، لكنها ليست
بالضرورة العامل الأول ، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الشخص الذي لا يعاني
من بطئ في التعلم، أو سوء في النطق، أو مشاكل جسمانية معينة، فبذلك
يستطيع أن يكتسب فن القيادة، لكن المحدد الأول لهذه الخاصية القيادية هو
عامل الدافعية، فهل لديه الدافعية؟ وهل لديه القدرة؟ ولديه الطاقة
الكافية من داخله؟ فتفجير هذه الطاقة الكامنة هو مكمن السر، ومهما
أعطيت لشخص ? لديه من القدرات ما لديه ? مهمة ويحس أنه لا يستطيع ويقنع
نفسه أن لا يستطيع، فلن يستطيع أبداً.
ويعبر د. عادل عن رأيه في دور المرأة في القيادة بالإيجاب، ولكنه يرى
أننا كمجتمعات عربية يسودها الذكور، فإن المرأة تكاد تكون مهمّشة،
وخصوصاً قبل عصرنا الحالي، فهي كانت لا تستطيع أن تخرج للعمل أو تتعلم أو
لاستلام منصب قيادي، فكان هناك نوع من الحجر عليها، لكنها الآن بدأت تتطور
أكثر، ولكن لا بد أن تتم ممارسة دور المرأة وفقاً للضوابط الشرعية، فلا
يجوز أن تخرج المرأة عن الحدود التي حددها الله تعالى للبشر، وحتى الرجل
كذلك يجب أن تكون أعماله في حدود الشرع، فالاثنان سواسية في ذلك.
قصور في إعداد القادة
وكذلك التقت أسرة تحرير المجلة مع الدكتور راشد العجمي، وهو المحاضر في
كلية العلوم الإدارية بجامعة الكويت، والحاصل على شهادة الدكتوراه في
إدارة الأعمال من جامعة كنت سيتي من ولاية أوهايو في الولايات المتحدة،
ودار بينهما حوار حول مفهوم القيادة.
ويرى د. راشد أن إعداد القادة في الشركات والمؤسسات العربية لا يتم
حالياً بشكل جيد، حيث أن الجزء الأكبر في القيادة يعتمد على الشخص نفسه،
ولا يوجد إعداد مدروس، أي أنه يتم تدريب العاملين منذ البداية على
مفاهيم القيادة، لكن القضية أننا لا نلتفت للشخص إلا أن يكون جيداً أو
يُظهر نفسه، فهذا ليس إعداداً، وإنما هو تبنٍّ للمواهب.
أما في الدول المتقدمة فإننا نجد الاختبارات الكثيرة تجرى على الأطفال في
سن مبكرة لاكتشاف مواهبهم القيادية، الإبداعية، الاتصالية والحوارية،
وأحياناً تعقد الاختبارات قبل رياض الأطفال لمعرفة الذكاء والمواهب ويتم
رعايتها منذ الصغر.
ويمكن لأي شخص في رأيي أن يتعلم فنون القيادة، فالتعلم متاح في الدورات
والجامعات، لكن هل سيتحول هذا الشخص إلى شخصية قيادية فيما بعد؟ لا يُعلم
هذا، فإن هناك جزءاً كبيراً فطرياً، وليس بالضرورة أننا إذا تعلمنا شيئاً
فإن تطبيقه سيكون بحذافيره، فالفرق واسع بين التعليم والتطبيق، فلا يكفي
تدريس علم القيادة لكي نصنع قياديين.
أما المرأة فيمكنها أن تكون قيادية كالرجل تماماً، والدليل أن هناك
كثيراً من الصحابيات كن رائدات في محيطهن، وكان لهن دور بارز حتى في
مجتمعات الرجال، مثل السيدة عائشة رضي الله عنها، حيث كان لها الدور
العلمي والسياسي في مواقفها، والسيدة أسماء رضي الله عنها وغيرهن من
الصحابيات اللائي برزن بوضوح في منافسة الرجال.
أزمة قيادية
ويرى الدكتور طارق محمد السويدان صاحب كتاب صناعة القائد أن أمتنا تعيش
أزمة قيادية، فعلى الرغم من كثرة المديرين والمسؤولين. فإن هناك ندرة
في القيادة الحقيقية التي تنهض بالمجتمع والأمة، وتتخلص هذه الأزمة في
أربع مظاهر هي:
1- أزمة تخلف: إننا نعيش أزمة تخلف مريرة في كل مجال. فما عدنا نقود
الأمم، ولا يوجد لدينا مقومات لقيادة الأمم. فرغم وجود المنهج المتمثل
بالقرآن والسنة إلا أنه ليس هناك من يطبقه لعدم وجود من يفهمه الفهم
الصحيح المتسع الأفق. وصدق فينا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ
يقول
أبو الدرداء رضي الله عنه: كان رسول الله عليه الصلاة والسلام جالساً بين
أصحابه، فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: "هذا أوان يُختلس العلم من
الناس، حتى لا يقدرون منه على شيء". فقال زياد بن لبيد: يا رسول الله، كيف
يُختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لَنقرأنَّه ولنُقرِأنَّه أبناءنا
ونساءنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثكلتك أمك يا زياد، إنْ كنتُ لأعدُّك
من
فقهاء أهل المدينة، هذه التوارة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا
تغني عنهم"؟ رواه الترمذي.
لقد افتقدنا النماذج والقدوات القيادية الحية التي تستطيع أن تقود
وتطبق فيقتدي الناس بها ويتفاعلوا معها كي تتطور المنظمات ويعلو شأن
الأمة.
2- أزمة فاعلية: فنحن أمة غير فاعلة، وما أصبحنا هكذا إلا بعد أن أصبحنا
أفراداً غير فاعلين في مجالاتنا. لكن هناك حقيقة مهمة يجب ألا نغفل عنها،
وهي أن هذه الأمة خلقت لتبقى، وما خلقت لتؤدي دوراً وتنتهي مثل الأمم
الأخرى. إذاً نحن بحاجة إلى تفعيل الدور القيادي للأشخاص في مجتمعنا،
وبناء شخصيات قيادية قادرة على التنافس مع الغرب والتفوق عليه في إدارة
الشركات والإبداع والإبتكار والتجديد كي نمتلك قوتنا الاقتصادية ونفعلها
لخدمة مصالحنا كأمة.
كما أنه لدينا قصوراً في فن التعامل أو فن التأثير على الناس، حتى على
المستوى والمحيط الصغير، كتأثير الوالد في ولده أو المعلم في تلميذه أو
المدير في موظفيه. فإن كنا نعجز عن ذلك فكيف سنؤثر في المجتمع الأكبر
وفي العالم؟!
3- أزمة استشعار: أي استشعار ثقل القيادة ومسؤوليتها، فالقيادة غُرم لا
غنم. وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول واصفاً حاله منذ أصبح خليفةً:
فو الله ما أستطيع أن أصلي وما أستطيع أن أرقد، وإني لأفتح السورة فما
أدري في أولها أنا أو في آخرها من همّي بالناس منذ جاءني هذا الخبر.
(تاريخ عمر لابن الجوزي). ولم يفارق هذا الهم عمر رضي الله عنه حتى وفاته.
4- أزمة ضعف أداء القائد: وهي من الأزمات التي تمر بها المنظمات
والمؤسسات بشكل عام وأعراض هذه الأزمة وآثارها منعكسة على كل المستويات.
وهي مشكلة ضعف نفسي داخلي، أي ضعف معرفتنا بأنفسنا ومعرفة هويتنا
ومعرفتنا بربنا سبحانه وتعالى.
استبيان إبداع
وفي الختام أجرت أسرة تحرير المجلة استبياناً على عينة عشوائية من مثقفي
مجتمع الكويت، يبلغ تعداد هذه العينة (100) شخص، وكانت الأسئلة وأعداد
الإجابات كالتالي:
(إلى الإخراج أرجو وضع إخراج الاستبيان على شكل دوائر ونسب في داخلها)
1-
هل تتم عملية إعداد القادة بشكل جيد في الشركات والمنظمات الحالية؟!
الإجابة نعم لا ربما لا أدري العدد (النسبة %) 10 33 42 15 2-
هل تعتقد أنه يجب إعداد القادة منذ فترة الطفولة المبكرة؟ الإجابة نعم لا
ربما لا أدري العدد (النسبة %) 61 19 15 5 3-
هل ترى أن القيادة موهبة من الله تعالى فقط؟ الإجابة نعم لا ربما لا أدري
العدد (النسبة %) 29 50 18 3 4-
هل يمكن لشخص لا يملك شخصية قيادية أن يتعلم فن القيادة ويصبح قائداً؟
الإجابة نعم لا ربما لا أدري العدد (النسبة %) 54 18 25 3 5-
هل ترى أنه يمكن للمرأة أن تلعب دوراً قيادياً في مجتمعات الرجال؟ الإجابة
نعم لا ربما لا أدري العدد (النسبة %) 42 33 24 1 6-
هل تعتقد أنك يمكن أن تكون قائداً؟ الإجابة نعم لا ربما لا أدري العدد
(النسبة %) 59 10 27 4
في نظرة سريعة للاستبيان السابق نرى أن معظم طبقة المثقفين ترى أنه لا
تتم عملية إعداد القيادات بشكل ناجح حالياً، وتؤمن بوجوب البدء بهذه
العملية منذ الطفولة المبكرة، كما أن الغالبية ترى أن القيادة تعلم
ودراسة ودُربة أكثر منها موهبة وفطرة وشخصية، بينما ترى أغلبية بسيطة أن
باستطاعة المرأة أن تكون قائدة في مجتمع الرجال، وعلى الرغم من أنها
هذه الأغلبية ليست كبيرة إلا أنها مشجعة لقبول المرأة كصنوٍ للرجل في
المجتمع، وأخيراً يعتقد معظم الناس أنه يمتلك صفة قيادية تمكنه وتؤهله
للقيادة، وإن كانت هذه الأخيرة لا تعكس جانباً دقيقاً، إلا أنها تعطينا
مفهوماً عاماً لطبيعة المجتمع الذي نحيا فيه
جمع للأخ بكر ابو بكر