دوشكا
30-04-2004, 07:55 PM
التوجيه السياسي والوطني
الانطلاقة
تشابهت انطلاقة فتح الثورة الفلسطينية ، بانطلاقة جبهة التحرير
الوطني للثورة الجزائرية .فقد عاشت الحركة الوطنية الجزائرية ازمة حادة
منذ نهاية الحرب الاولى وتصاعدت بعد نهاية الحرب الثانية، خاصة بعد
احداث ايار 1945 عندما خرج الجزائرييون يحتفلون بانتصار الحلفاء لان
فرنسا كانت قد قطعت وعدا بمنح الاستقلال للدول المستعمرة في حال مشاركة
ابناء المستعمرات الى جانب الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال ديغول
للمقاومة ضد الغزو النازي، وهذا ما تحقق، اما ردة الفعل الفرنسية على
المظاهرات الجزائرية المنادية بالاستقلال فقد كانت فتح النار على الجموع
مما ادى الى سقوط اكثر من اربعين الفا من المدنيين ، كانت هذه الحادثة
الشعرة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لامكانية أي حل سياسي او تفاوضي
نحو الاستقلال أو تحسين ظروف الاحتلال .
وكانت حسب محمد بوضياف " قد قدمت الدليل القاطع بان هزيمة
الاستعمار الفرنسي لا يمكن ان تحدث الا من خلال الوسائل الثورية "(1).وهي
بالنسبة لمناضلي جيله تعد نقطة تحول في تشكل وعيهم واحداث قطيعة مع
اساليب الماضي .
كما شهدت سنة 1952 ازمة ثقة خطيرة بين الجماهير الشعبية وقيادة
الحركة من اجل انتصار الحريات الديمقراطية ، وشملت هذه الازمة بقية
الاحزاب الاخرى:( الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري برئاسة عباس فرحات ،
الحزب الشيوعي الجزائري ، جمعية العلماء المسلمين ، "وذلك بسبب غياب
مشروع واضح لتحرير الجزائر ، حيث كانت الجماهير واعية بطبيعة الوضع،
لكنها لم تجد في أي حزب منهم استجابة لتطلعاتها" (2)،
1) Mohamed Boudiaf, la preparation du 1 Nov. collection Al-
jarida, Alger 1992 p.25
2) Ibid p.32
ضم تيار الشباب من المنظمة الخاصة(*) تجربة من العمل السري فسارع
بانشاء اللجنة الثورية للوحدة والعمل التي تحولت الى لجنة ال (22)
ومنها انبثقت جبهة التحرير الوطني التي فجرت ثورة نوفمبر 1954 والتي
قادت الجزائر الى الاستقلال بعد قرن وثلث من الاستعمار الاستيطاني الفرنسي
.
بالمقابل واجهة حركة فتح تقريبا نفس الوضع المعقد قبل الانطلاقة فقد كانت
فكرة الوحدة العربية خاصة في ذروة الناصرية تسيطر على اذهان الجماهير
التي كانت ترى فيها الامل الحقيقي لاستراجاع فلسطين ولانقاذ الوضع العربي
من التخلف والتبعية ، ولكن الدولة القطرية كانت قد فرضت نفسها او فرضها
الاستعمار الجديد بعد انهيار الامبراطورية العثمانية والخلافة الاسلامية
في
الاستانة ، وبرزت فكرة " الوحدة طريق التحرير" وعندما احتدم الجدل
وتعالى صخب النقاش، رأت فتح ان الحل يكمن في الاسراع في تفجير الثورة ،
واطلاق الرصاصة الاولى التي ستضع الجميع امام مسؤولياتهم وطرحت شعارا لا
يستطيع أي كان ان يشكك بمضمونه او اهدافه :" اللقاء على ارض
المعركة"،ولم تفلح كل محاولات الاتهام من القوى التي رأت في التوقيت
توريطا وفي التوريط تفريطا، فاندفعت الثورة نهرا يستمد سواقية من
الجماهير التي فقدت كل امل في الوعود الرسمية والخطب الحماسية والاتكال
على الحق الضائع والارض المغتصبة والامم المتحدة وقرارات التقسيم
والعودة....الخ . من الشعارات الكبيرة والمحقة والصائبة لكنها تفتقر
الى واقعية التطبيق او هذا ما اثبتته سنوات ما بعد النكبة .
هذا النهر الفتحاوي سرعان ما يتحول على سيل هادر يجرف في طريقه
كل المتشككين والمترددين، ويحفر مجراه بنفسه لان القرار الفتحوي المنبثق
من اعماق الوجدان الفلسطيني هو الذي يحدد مساره ولا يسمح للمجرى بان
يحدد مسار، خاصة بعد القرار التاريخي والحاسم بخوض معركة الكرامة في 21/
3/1968 وجها لوجه امام قوات الاحتلال التي اسكرتها نشوة النصر السهل في
حزيران 1967.
(*) المنظمة الخاصة (o.s) تنظيم شبه عسكري يعمل في السرية تحت اشراف
القيادة السياسية لحركة انتصار الحريات الديمقراطية .
القرار التاريخي والجرئ قد يحدد مستقبل ثورة بشكل نهائي او يقرر
مصير حركة بشكل مطلق، وهذا ما حدث لحركة فتح عندما اخذت قرارها الجريء
بالتصدي في الكرامة، فخرجت من امتحان الشهادة بتفوق سيصبغ عليها لاحقا
الثورة الام، اول الرصاص ، التنظيم رقم واحد ،فتح ديمومة الثورة
والعاصفة شعلة الكفاح المسلح، ولتصبح قائدة لمنظمة التحرير الفلسطينية
الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ، والمعبر الحقيقي لطموحات
الشعب الفلسطيني وتطلعاته وتجسيدا لارادته كما لتصبح امثولة لحركة
التحرر العربي ونموذجا لحركة التحرر العالمية .
ساعدت وعورة الارض وطبيعتها القاسية واتساع المساحة الثورة
الجزائرية في اعلان كفاحها المسلح من تلك الجبال الوعرة الامر الذي لم
يتوفر للثورة الفلسطينية التي اضطرت الى خوض حرب مدن وشوارع ، بالاضافة
الى استحالة انطلاق الكفاح المسلح في الداخل على غرار الثورة الجزائرية
التي سارعت لاعلانها من الداخل، فقد انطلقت حركة فتح في كفاحها المسلح من
ارض عربية بعيدة جغرافيا عن ثورة المواجهة مما جعل الاعباء ثقيلة خاصة
بعد ان تبين ان كثيرا من دول الطوق شكلت حماية غير مباشرة للحدود مما
حد من تاثير العمل العسكري المباشر ، وكان على المجموعات القتالية
الفلسطينية ان تخترق جبهة عربية قبل الوصول الى الجبهة الحقيقية
للمواجهة مع قوات الخصم الرئيسي.
النظرة المستقبلية للثورة الجزائرية والثورة الفلسطينية
كان هدف الثوار من المنظمة الخاصة يتمثل في توحيد كل القوى
الوطنية بغض النظر عن اصولها الاجتماعية او اتجاهاتها الفكرية، من اجل
غاية واحدة هي تحرير الجزائر، تماما كما فعلت حركة فتح لكن الامر يختلف
عندما نصل الى منظمة التحرير الفلسطينية التي تشكلت من فصائل بينما لم
تسمح جبهة التحرير الوطني لاي حزب او تشكيل سياسي بالانضمام الى الجبهة
بل اشترطت ادماجه فيها وذوبانه بالكامل ودخول اعضائه بشكل فردي .
لم يكن هناك وقت لوضع النظريات المستقبلية حول المجتمع لان
التناقض الرئيسي هو مع العدو الجاثم على الارض، ولم يكن هناك وقت حتى
لترتيب الوضع الداخلي تحت بنية تنظيمية حديدية"... كان المخرج الممكن
الوحيد امام الشعب الجزائري هو تسريع التفجير المسلح للثورة، دون
انتظار دراسة دقيقة ومحددة يجري اتباعها ودون انتظار البلورة الكاملة
لبرنامج عمل والتنسيق على كل المستويات كان ثمة حلان امام مجموعة ال 22
اما التنظيم اولا ثم التفجير فيما بعد، او التفجير اولا والتنظيم فيما
بعد...وكنا مضطرين لاختيار الحل الثاني...."(3).
في الواقع لم يكن جيش التحرير الوطني في الشهور الاولى من الثورة
اكثر من مجموعة من العصابات تعمل في كثير من الاحيان على مسؤوليتها
وتغير على الجيش الفرنسي للحصول على اسلحتها وذخيرتها (4).
نص بيان اول نوفمبر على ان جبهة التحرير الوطني " تتيح الفرصة
لجميع المواطنين الجزائريين من جميع الطبقات الاجتماعية وجميع الاحزاب
والحركات الجزائريةللانضمام الى الكفاح التحريري دون أي اعتبار اخر ...".
(3) محمد حربي ، جبهة التحرير الوطني الأسطورة والواقع ترجمة كميل قيصر
، مؤسسة الأبحاث العربية، دار الكلمة بيروت 1982 ص 107 .
(4) جوان جلبي ، ثورة الجزائر ، ترجمة عبد الرحمن صدقي ، الدار المصرية
للتأليف والنشر ، القاهرة ، دون تاريخ طبع ص 132
تماما كما فعلت فتح في بيانها الاول، وتركت الفرصة لجميع شرائح المجتمع
من طلاب وعمال وفلاحين ومثقفين وبرجوزاية وطنية وقوى حيه لتاخذ دورها في
النضال لتحرير الارض هذه الارض التي ستؤول في النهاية الى السواعد التي
تحررها .
ببساطة خلا طرح الثورتين من أي بعد ايدلولجي مستقبلي لشكل المجتمع فقد
كان الهدف اكبر من ذلك، بل ان الطرح بعينه ومهما بلغ من تكثيف فلسطيني
او نظريات منتقاة فانه كان في تلك المرحلة سيعيق النضال وقد يتسبب في
اشكالات كانت الثورتان في غنى عن الدخول فيها،فالهدف هو العمل على ازالة
الاحتلال وحتى يتم هذا يجب الاستفادة القصوى من كل طبقة او شريحة او حتى
فرد في الشعب دون النظر الى تكوينه العقائدي او انتماءه الطبقي، لان
التحديات كبيرة وكبيرة جدا .
حجم قوى التحدي
فرنسا – حلف شمال الاطلسي
اسرائيل – امريكا والعالم
وصل تعداد القوات الفرنسية في الجزائر مليون جندي معززين باحدث الاسلحة
من دبابات وطائرات حديثة، مقابل حفنة من الثوار لم يكن لديهم الا بنادق
الصيد والسكاكين وبعض الاسلحة القديمة من مخلفات الحرب الثانية وما
يستطيعون الاستيلاء عليه من جنود الجيش الفرنسي وكانت فرنسا كدولة مدعومة
من دول حلف الاطلسي وهي التي كانت بالامس احدى اهم امبراطوريتين لكن قوة
لم تحسب فرنسا لها حسابا كانت في حوزة الثوار هؤلاء . انها الارادة
والايمان بحتمية النصر والتي تصبح الطائرات والدبابات وعشرات الالاف من
الجنود امامها شيء لا يذكر، وكيف لا وبالامس فقط 1954 سجل فلاحو الفيتنام
نصرا مؤزرا على الجيش الفرنسي في معركة" ديان بيان فو"، وكانت بمثابة
الحافز الذي امد الثورة الجزائرية بزخم وامل بأن الاستعمار يمكن قهره من
الشعوب المقهورة بل والفقيرة .
كانت الحركات المطالبة بالاستقلال على اشدها في افريقيا وآسيا، وكان
لظهور الناصرية عام 1952 اثره الكبير على نمو الشعور القومي في العالم
العربي وتحفيز الشعور الشعبي بالاستقلال، فمقابل القوة العسكرية الكاسحة
لدى فرنسا كان للجزائريين رصيد معنوي قوي ايضا ستثبت الايام والمعارك
انه اكبر حجما مما اعتقدت فرنسا وحلف شمال الاطلسي على ضفة المتوسط
الشرقية، كانت المعادلة كالتالي: شعب مشرد يعيش في خيام ممزقة على
اراضي دول عربية يسعى معظمها لتجريد الشعب المقهور من شخصيته وهويته
الوطنية، وتتعامل معه على اساس انه متهم الى ان تثبت برائته، وما زالت
ذكريات الامس تعيش احاسيسه من قهر وذل واغتصاب ومذابح جماعية وتشريد
وخيانة لكن الشعب لم يفقد روحه الوثابة للنهوض من وسط الانقاض النفسية
ليرتفع الى مستوى الانسانية بكل ما تحمله من قيم ومبادئ ومبادرات خلاقة ،
فهو على حد تعبير فانون " روح الالتزام الكامل والتضحية الكبرى هي نقيض
الدوار الانتيحاري، فهي تتصور الحياة كفاية نهائية لها ،لا الموت، حياة
كل الطائفة التي تحررت من الاضطهاد الذي هو موت بطيء،وليس الموت في ساحة
المعركة الا مخاطرة يجب ان نجازف بها لكي نقتل هذا الموت البطيء ،
فالفدائي على نقيض المحتلين الذين اصبحوا مشهورين في ادب اوروبا واسيا
لا يتعاطى المخدرات ، وليس الفدائي بحاجة لان يجهل الخطر، او ان يضعف
وعيه او ان ينسى، وحتى قبل الارهابي مهمه، ترك الموت يصادقه ومنذ الان
فان له وعدا مع الموت ، اما الفدائي فموعده مع حياة الثورة، وحقا فانه
لا يتراجع امام امكانية فقده الحياة من اجل الاستقلال، لكنه هو لا يختار
الموت ابدا"(5).
وهكذا ، انبرت كوكبه من الشباب الفلسطيني ليكونوا حرسا متقدما للثورة
ويكفي حركة فتح فخرا انها قدمت عشرة من اعضاء مركزيتها شهداء سقطوا
بالرصاص من اجل ان يحيا الوطن، لم يختاروا هم الموت ابدا لكنهم لم
يتراجعوا امام امكانية فقدانهم للحياة من اجل الاستقلال ومن اجل ان تبقى
فلسطين حية في قلوب ووجدان ابنائهم واحفادهم، "فالاستعمار ليس ماكنية
للتفكير ، انه ليس جسدا زود بالعقل انه العنف في الحالة الطبيعية ولا
يمكنه ان ينحني الا امام عنف اكبر" (6).
ان تقاتل اسرائيل يعني انلك تتحدى العالم باسره فقد برزت اسرائيل الى
الوجود بقرار دولي، لذا فانه من المحال ازالتها بدون قرار دولي وهذا لن
يتحقق على الاقل في المدى المنظور، لذا كانت التحديات امام الثورة
الفلسطينية كبيرة واكبر من كل ارصدة العالم العربي السياسية والعسكرية،
وكانت الانظمة التي حفظت الدرس جيدا طوقا امنيا ممتازا لحماية اسرائيل،
مما جعل التحدي الفلسطيني يرتفع الى مواجهة الاشقاء وهذا ما لم تكن فتح
تريده او تبحث عنه.
واضح ان قيادة فتح قد ادركت حجم التحدي العالمي مبكرا، ومن هنا جاءت
مبادرتها على اثر حرب اكتوبر 1973 باقامة السلطة الوطنية الفلسطينية
على أي جزء يجري تحريره او الانسحاب منه .(*)
(5) فرانز فانون ، سيسيولوجية ثورة ، باريس ، ماسبيرو 1960 ص 45 .
(6) فرانز فانون المعذبون في الأرض ، دار القلم بيروت 1972 ص 47 .
(*) برنامج النقاط العشر ، دورة المجلس ا لوطني الفلسطيني القاهرة 1974
.
محاولات العزل وسلب التمثيل
لم تتوقف المحاولات الفرنسية لعزل جبهة التحرير عن الجماهير سواء
بمحاولة ايجاد البدائل حين طرح مصالي الحاج نفسه كزعيم اوحد للشعب
الجزائري وحول اسم الحزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية الى الحركة
الوطنية الجزائرية واختارت على عكس بقية التنظيمات التي اندمجت في جبهة
التحرير، الدخول في حرب داخلية طاحنة ضد الجبهة سقط فيها عشرات الالاف من
القتلى من الجانبين واستمرت حتى استقلال الجزائر عام 1962.
قال الشهيد العربي بن مهيدي قائد الولاية الخامسة في الغرب الجزائري
والذي كان يعتبر من افضل مثقفي الثورة الجزائرية ومنظريها " ارم الثورة
في الشارع تلتقطها الجماهير " وهذا ما حاولت القيادة الجزائرية تطبيقه
بكل الطرق، وكما كانت جبهة التحرير في اعوامها الاولى وتاثيرها محدود
ومحاولات فرنسا عزل الثورة عن جماهيرها بدأت تؤتي ثمارها كان لا بد من
تجذير النضال بدفع الغالبية العظمى من الشعب للمشاركة ، وهذا لن يتاتى
الا اذا وصل العداء الى نقطة اللاعودة ، او كسر العظم بين الاحتلال
الفرنسي
والشعب الجزائري برمته.
ما ان سقط قائد الولاية الثانية في الشرق الجزائري (قسنطنية) ديدوش مراد
وحل محله زيغود يوسف الذي خطط للهجوم الشهير المسمى هجوم 20 آب 1955
والذي سيبدأ في وقت اذان الظهر ويغطي معظم المدن الجزائرية ، كانت
الجماهير معبأة بقوة فاطلقت العنان لحقدها المكبوت وارادة الانتقام
والذي كانت تغطيه المذلات اليومية والقهر وظلام الاحتلال وقمعه الجمعي،
وكانت حصيلة " يوم الغضب" ذاك مأساوية فمقابل عدة مئات من القتلى
الفرنسيين سقط 12000 قتيل جزائري ولكن القطعية تمت بين الطرفين واصبحت
نهائية ، ورسم الدم حدودا فاصلة وحفر هوة لن تندمل مع الايام، وازدادت
صلابة الموقف عند الطرفين وقضي على كل امكانية في المصالحة ، ودفعت
بالجناح الجزائري المعتدل الى الانضمام لصفوف جبهة التحرير فلم يعد هناك
مكان للحياد، ومما زاد في اتساع الهوة رد الفعل الفرنسي للحاكم
العام "سوستيل" الذي اختار ان يجعل القمع في حده الأقصى فطبق مبدأ
المسؤولية الجماعية وقانون العين بالعين، والسن وبالسن ، القاضي باعدام
عشرة جزائريين مقابل كل فرنسي.
وهكذا فان يوم 20 اب 1955 سيشكل نقطة الذروة في مرحلة البداية التي
اكتسبت فيه الثورة ديناميكيتها الخاصة، وضمنت نموها الذاتي، فكان العنف
هنا يقوم بوظيفة المؤثر الفعال باعتباره يقوم بوظيفة الدفع(*).
لم يكن خط الثورة الفلسطينية افضل من خط الثورة الجزائرية فيما يخص
التمثيل فقد حاولت بعض الدول العربية نيابة عن اسرائيل خلق بدائل
مصطنعة تأتمر بأمر هذه العاصمة او تلك .
ومما زاد الامور تعقيدا هو تواجد ثلثي الشعب الفلسطيني في دول الجوار،
الامر الذي خلق وضعا ديمغرافياً معقدا خاصة في الضفة الشرقية، ولم تستطع
منظمة التحرير الفلسطينية ان تحظى بوحدانية وشرعية التمثيل الا في قمة
الرباط العربية 1974 ، اين برز موقف الرئيس الراحل بومدين الذي قاتل
بشراسة من اجل ان تحظى منظمة التحرير الفلسطينية بالاعتراف العربي
الرسمي قائلا:"- ان القضية الفلسطينية هي الاسمنت الذي يشد أزر التضامن
العربي وهي الصاعق الذي يفجر هذا التضامن". وحين اشتبكت قوات الثورة
دفاعا عن وجودها مع الجيش السوري الذي ارسل الى لبنان لاعادة التوازن
لصالح القوات الانعزالية بقرار امريكي وبتمويل خليجي نفطي، تجلى موقف
الجزائر اكثر وعلى لسان رئيسها الراحل بومدين عندما استقبل وزير خارجية
سوريا الذي كال الاتهامات للثورة الفلسطينية واصفا ثوارنا بالعصابات
واللصوص ، فقطع بومدين كلام خدام وقال بعصبية " نحن مع فلسطين ظالمة
ومظلومه"، وخرج منهيا الاجتماع.
تميزت الثورتان الفلسطينية والجزائرية بحساسية مطلقة اتجاه التدخل في
امورهما الداخلية، وعندما كثرت التدخلات المخابراتية المصرية في
الخصومات الداخلية لجبهة التحرير الوطني ورغم كل ما قدمته مصر من دعم
عسكري وسياسي لها، الا ان الجبهة اغلقت مكتبها في القاهرة احتجاجا على
التدخل المصري في قضاياها الداخلية.
(*) يقول هيغل حول ضرورة العنف : على الرغم من الآلام التي يحدثها فالرجل
العظيم عندما يتقدم يسحق أكثر من ألف زهرة ، وهو مضطر للقضاء على كثير
من الأشياء أثناء تقدمه . يذكرنا هذا بأنالقضايا الكبيرة تستحق تضحيات
كبيرة .
لذا، فان شعار فتح عند انطلاقتها " لا وصاية لا احتواء لا تبعية" لم يكن
مصادفة او رغبة تعكس اقليمية ضيقة او نظرة شوفينية بقدر ما كان يعكس
حقيقة فهم الصراع ودراية اهل مكة بشعابها، ناهيك عن الاخفاقات التي
سجلها النظام العربي خاصة بعد حدوث النكبة 1948 ثم النكسة وضياع ما
تبقى من الارض عام 1967.
ولم تتوقف محاولات سلب التمثيل فتكررت في السبعينات بانشاء روابط القرى
التي لم يكتب لها البقاء.
يجب تسجيل موقف الفصائل التي اختلفت مع فتح والتي استوعبت ان الولاء لا
يجب ان يكون الا لفلسطين وان المرجعية السياسية العليا هي منظمة التحرير
الفلسطينية المكسب الحقيقي للشعب الفلسطيني والذي دفع ثمنه غاليا،
ونسجل هنا بفخر واعتزاز موقف الرفيق المناضل جورج حبش الامين العام
السابق للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والذي قال عندما حدث الانشقاق في
صفوف حركة فتح عام 1983 " ان الانشقاق في فتح قد آلمني أكثر من الجلطة
القلبية التي اصبت بها والتي ادت الى الشلل" وحقيقة اثبتت الجبهة
الشعبية لتحرير فلسطين التزاما عاليا ومسؤولية وطنية في الحفاظ على
الكيانية الفلسطينية رغم الضغوط الرسمية الهائلة ، ولم تنجر لاحلام
مراهقي الثورة عندما اعتقدوا انهم بمسكون بناصية التاريخ الذي لفظهم من
العام الاول، ولم يلبثوا ان تحولوا الى موظفين لدى نظام، لا يستطيعون
الخروج من مكاتبهم الا بعد تلقي الاوامر والتعليمات من ضابط صغير في "
الضابطة الفدائية".
الانطلاقة
تشابهت انطلاقة فتح الثورة الفلسطينية ، بانطلاقة جبهة التحرير
الوطني للثورة الجزائرية .فقد عاشت الحركة الوطنية الجزائرية ازمة حادة
منذ نهاية الحرب الاولى وتصاعدت بعد نهاية الحرب الثانية، خاصة بعد
احداث ايار 1945 عندما خرج الجزائرييون يحتفلون بانتصار الحلفاء لان
فرنسا كانت قد قطعت وعدا بمنح الاستقلال للدول المستعمرة في حال مشاركة
ابناء المستعمرات الى جانب الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال ديغول
للمقاومة ضد الغزو النازي، وهذا ما تحقق، اما ردة الفعل الفرنسية على
المظاهرات الجزائرية المنادية بالاستقلال فقد كانت فتح النار على الجموع
مما ادى الى سقوط اكثر من اربعين الفا من المدنيين ، كانت هذه الحادثة
الشعرة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لامكانية أي حل سياسي او تفاوضي
نحو الاستقلال أو تحسين ظروف الاحتلال .
وكانت حسب محمد بوضياف " قد قدمت الدليل القاطع بان هزيمة
الاستعمار الفرنسي لا يمكن ان تحدث الا من خلال الوسائل الثورية "(1).وهي
بالنسبة لمناضلي جيله تعد نقطة تحول في تشكل وعيهم واحداث قطيعة مع
اساليب الماضي .
كما شهدت سنة 1952 ازمة ثقة خطيرة بين الجماهير الشعبية وقيادة
الحركة من اجل انتصار الحريات الديمقراطية ، وشملت هذه الازمة بقية
الاحزاب الاخرى:( الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري برئاسة عباس فرحات ،
الحزب الشيوعي الجزائري ، جمعية العلماء المسلمين ، "وذلك بسبب غياب
مشروع واضح لتحرير الجزائر ، حيث كانت الجماهير واعية بطبيعة الوضع،
لكنها لم تجد في أي حزب منهم استجابة لتطلعاتها" (2)،
1) Mohamed Boudiaf, la preparation du 1 Nov. collection Al-
jarida, Alger 1992 p.25
2) Ibid p.32
ضم تيار الشباب من المنظمة الخاصة(*) تجربة من العمل السري فسارع
بانشاء اللجنة الثورية للوحدة والعمل التي تحولت الى لجنة ال (22)
ومنها انبثقت جبهة التحرير الوطني التي فجرت ثورة نوفمبر 1954 والتي
قادت الجزائر الى الاستقلال بعد قرن وثلث من الاستعمار الاستيطاني الفرنسي
.
بالمقابل واجهة حركة فتح تقريبا نفس الوضع المعقد قبل الانطلاقة فقد كانت
فكرة الوحدة العربية خاصة في ذروة الناصرية تسيطر على اذهان الجماهير
التي كانت ترى فيها الامل الحقيقي لاستراجاع فلسطين ولانقاذ الوضع العربي
من التخلف والتبعية ، ولكن الدولة القطرية كانت قد فرضت نفسها او فرضها
الاستعمار الجديد بعد انهيار الامبراطورية العثمانية والخلافة الاسلامية
في
الاستانة ، وبرزت فكرة " الوحدة طريق التحرير" وعندما احتدم الجدل
وتعالى صخب النقاش، رأت فتح ان الحل يكمن في الاسراع في تفجير الثورة ،
واطلاق الرصاصة الاولى التي ستضع الجميع امام مسؤولياتهم وطرحت شعارا لا
يستطيع أي كان ان يشكك بمضمونه او اهدافه :" اللقاء على ارض
المعركة"،ولم تفلح كل محاولات الاتهام من القوى التي رأت في التوقيت
توريطا وفي التوريط تفريطا، فاندفعت الثورة نهرا يستمد سواقية من
الجماهير التي فقدت كل امل في الوعود الرسمية والخطب الحماسية والاتكال
على الحق الضائع والارض المغتصبة والامم المتحدة وقرارات التقسيم
والعودة....الخ . من الشعارات الكبيرة والمحقة والصائبة لكنها تفتقر
الى واقعية التطبيق او هذا ما اثبتته سنوات ما بعد النكبة .
هذا النهر الفتحاوي سرعان ما يتحول على سيل هادر يجرف في طريقه
كل المتشككين والمترددين، ويحفر مجراه بنفسه لان القرار الفتحوي المنبثق
من اعماق الوجدان الفلسطيني هو الذي يحدد مساره ولا يسمح للمجرى بان
يحدد مسار، خاصة بعد القرار التاريخي والحاسم بخوض معركة الكرامة في 21/
3/1968 وجها لوجه امام قوات الاحتلال التي اسكرتها نشوة النصر السهل في
حزيران 1967.
(*) المنظمة الخاصة (o.s) تنظيم شبه عسكري يعمل في السرية تحت اشراف
القيادة السياسية لحركة انتصار الحريات الديمقراطية .
القرار التاريخي والجرئ قد يحدد مستقبل ثورة بشكل نهائي او يقرر
مصير حركة بشكل مطلق، وهذا ما حدث لحركة فتح عندما اخذت قرارها الجريء
بالتصدي في الكرامة، فخرجت من امتحان الشهادة بتفوق سيصبغ عليها لاحقا
الثورة الام، اول الرصاص ، التنظيم رقم واحد ،فتح ديمومة الثورة
والعاصفة شعلة الكفاح المسلح، ولتصبح قائدة لمنظمة التحرير الفلسطينية
الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ، والمعبر الحقيقي لطموحات
الشعب الفلسطيني وتطلعاته وتجسيدا لارادته كما لتصبح امثولة لحركة
التحرر العربي ونموذجا لحركة التحرر العالمية .
ساعدت وعورة الارض وطبيعتها القاسية واتساع المساحة الثورة
الجزائرية في اعلان كفاحها المسلح من تلك الجبال الوعرة الامر الذي لم
يتوفر للثورة الفلسطينية التي اضطرت الى خوض حرب مدن وشوارع ، بالاضافة
الى استحالة انطلاق الكفاح المسلح في الداخل على غرار الثورة الجزائرية
التي سارعت لاعلانها من الداخل، فقد انطلقت حركة فتح في كفاحها المسلح من
ارض عربية بعيدة جغرافيا عن ثورة المواجهة مما جعل الاعباء ثقيلة خاصة
بعد ان تبين ان كثيرا من دول الطوق شكلت حماية غير مباشرة للحدود مما
حد من تاثير العمل العسكري المباشر ، وكان على المجموعات القتالية
الفلسطينية ان تخترق جبهة عربية قبل الوصول الى الجبهة الحقيقية
للمواجهة مع قوات الخصم الرئيسي.
النظرة المستقبلية للثورة الجزائرية والثورة الفلسطينية
كان هدف الثوار من المنظمة الخاصة يتمثل في توحيد كل القوى
الوطنية بغض النظر عن اصولها الاجتماعية او اتجاهاتها الفكرية، من اجل
غاية واحدة هي تحرير الجزائر، تماما كما فعلت حركة فتح لكن الامر يختلف
عندما نصل الى منظمة التحرير الفلسطينية التي تشكلت من فصائل بينما لم
تسمح جبهة التحرير الوطني لاي حزب او تشكيل سياسي بالانضمام الى الجبهة
بل اشترطت ادماجه فيها وذوبانه بالكامل ودخول اعضائه بشكل فردي .
لم يكن هناك وقت لوضع النظريات المستقبلية حول المجتمع لان
التناقض الرئيسي هو مع العدو الجاثم على الارض، ولم يكن هناك وقت حتى
لترتيب الوضع الداخلي تحت بنية تنظيمية حديدية"... كان المخرج الممكن
الوحيد امام الشعب الجزائري هو تسريع التفجير المسلح للثورة، دون
انتظار دراسة دقيقة ومحددة يجري اتباعها ودون انتظار البلورة الكاملة
لبرنامج عمل والتنسيق على كل المستويات كان ثمة حلان امام مجموعة ال 22
اما التنظيم اولا ثم التفجير فيما بعد، او التفجير اولا والتنظيم فيما
بعد...وكنا مضطرين لاختيار الحل الثاني...."(3).
في الواقع لم يكن جيش التحرير الوطني في الشهور الاولى من الثورة
اكثر من مجموعة من العصابات تعمل في كثير من الاحيان على مسؤوليتها
وتغير على الجيش الفرنسي للحصول على اسلحتها وذخيرتها (4).
نص بيان اول نوفمبر على ان جبهة التحرير الوطني " تتيح الفرصة
لجميع المواطنين الجزائريين من جميع الطبقات الاجتماعية وجميع الاحزاب
والحركات الجزائريةللانضمام الى الكفاح التحريري دون أي اعتبار اخر ...".
(3) محمد حربي ، جبهة التحرير الوطني الأسطورة والواقع ترجمة كميل قيصر
، مؤسسة الأبحاث العربية، دار الكلمة بيروت 1982 ص 107 .
(4) جوان جلبي ، ثورة الجزائر ، ترجمة عبد الرحمن صدقي ، الدار المصرية
للتأليف والنشر ، القاهرة ، دون تاريخ طبع ص 132
تماما كما فعلت فتح في بيانها الاول، وتركت الفرصة لجميع شرائح المجتمع
من طلاب وعمال وفلاحين ومثقفين وبرجوزاية وطنية وقوى حيه لتاخذ دورها في
النضال لتحرير الارض هذه الارض التي ستؤول في النهاية الى السواعد التي
تحررها .
ببساطة خلا طرح الثورتين من أي بعد ايدلولجي مستقبلي لشكل المجتمع فقد
كان الهدف اكبر من ذلك، بل ان الطرح بعينه ومهما بلغ من تكثيف فلسطيني
او نظريات منتقاة فانه كان في تلك المرحلة سيعيق النضال وقد يتسبب في
اشكالات كانت الثورتان في غنى عن الدخول فيها،فالهدف هو العمل على ازالة
الاحتلال وحتى يتم هذا يجب الاستفادة القصوى من كل طبقة او شريحة او حتى
فرد في الشعب دون النظر الى تكوينه العقائدي او انتماءه الطبقي، لان
التحديات كبيرة وكبيرة جدا .
حجم قوى التحدي
فرنسا – حلف شمال الاطلسي
اسرائيل – امريكا والعالم
وصل تعداد القوات الفرنسية في الجزائر مليون جندي معززين باحدث الاسلحة
من دبابات وطائرات حديثة، مقابل حفنة من الثوار لم يكن لديهم الا بنادق
الصيد والسكاكين وبعض الاسلحة القديمة من مخلفات الحرب الثانية وما
يستطيعون الاستيلاء عليه من جنود الجيش الفرنسي وكانت فرنسا كدولة مدعومة
من دول حلف الاطلسي وهي التي كانت بالامس احدى اهم امبراطوريتين لكن قوة
لم تحسب فرنسا لها حسابا كانت في حوزة الثوار هؤلاء . انها الارادة
والايمان بحتمية النصر والتي تصبح الطائرات والدبابات وعشرات الالاف من
الجنود امامها شيء لا يذكر، وكيف لا وبالامس فقط 1954 سجل فلاحو الفيتنام
نصرا مؤزرا على الجيش الفرنسي في معركة" ديان بيان فو"، وكانت بمثابة
الحافز الذي امد الثورة الجزائرية بزخم وامل بأن الاستعمار يمكن قهره من
الشعوب المقهورة بل والفقيرة .
كانت الحركات المطالبة بالاستقلال على اشدها في افريقيا وآسيا، وكان
لظهور الناصرية عام 1952 اثره الكبير على نمو الشعور القومي في العالم
العربي وتحفيز الشعور الشعبي بالاستقلال، فمقابل القوة العسكرية الكاسحة
لدى فرنسا كان للجزائريين رصيد معنوي قوي ايضا ستثبت الايام والمعارك
انه اكبر حجما مما اعتقدت فرنسا وحلف شمال الاطلسي على ضفة المتوسط
الشرقية، كانت المعادلة كالتالي: شعب مشرد يعيش في خيام ممزقة على
اراضي دول عربية يسعى معظمها لتجريد الشعب المقهور من شخصيته وهويته
الوطنية، وتتعامل معه على اساس انه متهم الى ان تثبت برائته، وما زالت
ذكريات الامس تعيش احاسيسه من قهر وذل واغتصاب ومذابح جماعية وتشريد
وخيانة لكن الشعب لم يفقد روحه الوثابة للنهوض من وسط الانقاض النفسية
ليرتفع الى مستوى الانسانية بكل ما تحمله من قيم ومبادئ ومبادرات خلاقة ،
فهو على حد تعبير فانون " روح الالتزام الكامل والتضحية الكبرى هي نقيض
الدوار الانتيحاري، فهي تتصور الحياة كفاية نهائية لها ،لا الموت، حياة
كل الطائفة التي تحررت من الاضطهاد الذي هو موت بطيء،وليس الموت في ساحة
المعركة الا مخاطرة يجب ان نجازف بها لكي نقتل هذا الموت البطيء ،
فالفدائي على نقيض المحتلين الذين اصبحوا مشهورين في ادب اوروبا واسيا
لا يتعاطى المخدرات ، وليس الفدائي بحاجة لان يجهل الخطر، او ان يضعف
وعيه او ان ينسى، وحتى قبل الارهابي مهمه، ترك الموت يصادقه ومنذ الان
فان له وعدا مع الموت ، اما الفدائي فموعده مع حياة الثورة، وحقا فانه
لا يتراجع امام امكانية فقده الحياة من اجل الاستقلال، لكنه هو لا يختار
الموت ابدا"(5).
وهكذا ، انبرت كوكبه من الشباب الفلسطيني ليكونوا حرسا متقدما للثورة
ويكفي حركة فتح فخرا انها قدمت عشرة من اعضاء مركزيتها شهداء سقطوا
بالرصاص من اجل ان يحيا الوطن، لم يختاروا هم الموت ابدا لكنهم لم
يتراجعوا امام امكانية فقدانهم للحياة من اجل الاستقلال ومن اجل ان تبقى
فلسطين حية في قلوب ووجدان ابنائهم واحفادهم، "فالاستعمار ليس ماكنية
للتفكير ، انه ليس جسدا زود بالعقل انه العنف في الحالة الطبيعية ولا
يمكنه ان ينحني الا امام عنف اكبر" (6).
ان تقاتل اسرائيل يعني انلك تتحدى العالم باسره فقد برزت اسرائيل الى
الوجود بقرار دولي، لذا فانه من المحال ازالتها بدون قرار دولي وهذا لن
يتحقق على الاقل في المدى المنظور، لذا كانت التحديات امام الثورة
الفلسطينية كبيرة واكبر من كل ارصدة العالم العربي السياسية والعسكرية،
وكانت الانظمة التي حفظت الدرس جيدا طوقا امنيا ممتازا لحماية اسرائيل،
مما جعل التحدي الفلسطيني يرتفع الى مواجهة الاشقاء وهذا ما لم تكن فتح
تريده او تبحث عنه.
واضح ان قيادة فتح قد ادركت حجم التحدي العالمي مبكرا، ومن هنا جاءت
مبادرتها على اثر حرب اكتوبر 1973 باقامة السلطة الوطنية الفلسطينية
على أي جزء يجري تحريره او الانسحاب منه .(*)
(5) فرانز فانون ، سيسيولوجية ثورة ، باريس ، ماسبيرو 1960 ص 45 .
(6) فرانز فانون المعذبون في الأرض ، دار القلم بيروت 1972 ص 47 .
(*) برنامج النقاط العشر ، دورة المجلس ا لوطني الفلسطيني القاهرة 1974
.
محاولات العزل وسلب التمثيل
لم تتوقف المحاولات الفرنسية لعزل جبهة التحرير عن الجماهير سواء
بمحاولة ايجاد البدائل حين طرح مصالي الحاج نفسه كزعيم اوحد للشعب
الجزائري وحول اسم الحزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية الى الحركة
الوطنية الجزائرية واختارت على عكس بقية التنظيمات التي اندمجت في جبهة
التحرير، الدخول في حرب داخلية طاحنة ضد الجبهة سقط فيها عشرات الالاف من
القتلى من الجانبين واستمرت حتى استقلال الجزائر عام 1962.
قال الشهيد العربي بن مهيدي قائد الولاية الخامسة في الغرب الجزائري
والذي كان يعتبر من افضل مثقفي الثورة الجزائرية ومنظريها " ارم الثورة
في الشارع تلتقطها الجماهير " وهذا ما حاولت القيادة الجزائرية تطبيقه
بكل الطرق، وكما كانت جبهة التحرير في اعوامها الاولى وتاثيرها محدود
ومحاولات فرنسا عزل الثورة عن جماهيرها بدأت تؤتي ثمارها كان لا بد من
تجذير النضال بدفع الغالبية العظمى من الشعب للمشاركة ، وهذا لن يتاتى
الا اذا وصل العداء الى نقطة اللاعودة ، او كسر العظم بين الاحتلال
الفرنسي
والشعب الجزائري برمته.
ما ان سقط قائد الولاية الثانية في الشرق الجزائري (قسنطنية) ديدوش مراد
وحل محله زيغود يوسف الذي خطط للهجوم الشهير المسمى هجوم 20 آب 1955
والذي سيبدأ في وقت اذان الظهر ويغطي معظم المدن الجزائرية ، كانت
الجماهير معبأة بقوة فاطلقت العنان لحقدها المكبوت وارادة الانتقام
والذي كانت تغطيه المذلات اليومية والقهر وظلام الاحتلال وقمعه الجمعي،
وكانت حصيلة " يوم الغضب" ذاك مأساوية فمقابل عدة مئات من القتلى
الفرنسيين سقط 12000 قتيل جزائري ولكن القطعية تمت بين الطرفين واصبحت
نهائية ، ورسم الدم حدودا فاصلة وحفر هوة لن تندمل مع الايام، وازدادت
صلابة الموقف عند الطرفين وقضي على كل امكانية في المصالحة ، ودفعت
بالجناح الجزائري المعتدل الى الانضمام لصفوف جبهة التحرير فلم يعد هناك
مكان للحياد، ومما زاد في اتساع الهوة رد الفعل الفرنسي للحاكم
العام "سوستيل" الذي اختار ان يجعل القمع في حده الأقصى فطبق مبدأ
المسؤولية الجماعية وقانون العين بالعين، والسن وبالسن ، القاضي باعدام
عشرة جزائريين مقابل كل فرنسي.
وهكذا فان يوم 20 اب 1955 سيشكل نقطة الذروة في مرحلة البداية التي
اكتسبت فيه الثورة ديناميكيتها الخاصة، وضمنت نموها الذاتي، فكان العنف
هنا يقوم بوظيفة المؤثر الفعال باعتباره يقوم بوظيفة الدفع(*).
لم يكن خط الثورة الفلسطينية افضل من خط الثورة الجزائرية فيما يخص
التمثيل فقد حاولت بعض الدول العربية نيابة عن اسرائيل خلق بدائل
مصطنعة تأتمر بأمر هذه العاصمة او تلك .
ومما زاد الامور تعقيدا هو تواجد ثلثي الشعب الفلسطيني في دول الجوار،
الامر الذي خلق وضعا ديمغرافياً معقدا خاصة في الضفة الشرقية، ولم تستطع
منظمة التحرير الفلسطينية ان تحظى بوحدانية وشرعية التمثيل الا في قمة
الرباط العربية 1974 ، اين برز موقف الرئيس الراحل بومدين الذي قاتل
بشراسة من اجل ان تحظى منظمة التحرير الفلسطينية بالاعتراف العربي
الرسمي قائلا:"- ان القضية الفلسطينية هي الاسمنت الذي يشد أزر التضامن
العربي وهي الصاعق الذي يفجر هذا التضامن". وحين اشتبكت قوات الثورة
دفاعا عن وجودها مع الجيش السوري الذي ارسل الى لبنان لاعادة التوازن
لصالح القوات الانعزالية بقرار امريكي وبتمويل خليجي نفطي، تجلى موقف
الجزائر اكثر وعلى لسان رئيسها الراحل بومدين عندما استقبل وزير خارجية
سوريا الذي كال الاتهامات للثورة الفلسطينية واصفا ثوارنا بالعصابات
واللصوص ، فقطع بومدين كلام خدام وقال بعصبية " نحن مع فلسطين ظالمة
ومظلومه"، وخرج منهيا الاجتماع.
تميزت الثورتان الفلسطينية والجزائرية بحساسية مطلقة اتجاه التدخل في
امورهما الداخلية، وعندما كثرت التدخلات المخابراتية المصرية في
الخصومات الداخلية لجبهة التحرير الوطني ورغم كل ما قدمته مصر من دعم
عسكري وسياسي لها، الا ان الجبهة اغلقت مكتبها في القاهرة احتجاجا على
التدخل المصري في قضاياها الداخلية.
(*) يقول هيغل حول ضرورة العنف : على الرغم من الآلام التي يحدثها فالرجل
العظيم عندما يتقدم يسحق أكثر من ألف زهرة ، وهو مضطر للقضاء على كثير
من الأشياء أثناء تقدمه . يذكرنا هذا بأنالقضايا الكبيرة تستحق تضحيات
كبيرة .
لذا، فان شعار فتح عند انطلاقتها " لا وصاية لا احتواء لا تبعية" لم يكن
مصادفة او رغبة تعكس اقليمية ضيقة او نظرة شوفينية بقدر ما كان يعكس
حقيقة فهم الصراع ودراية اهل مكة بشعابها، ناهيك عن الاخفاقات التي
سجلها النظام العربي خاصة بعد حدوث النكبة 1948 ثم النكسة وضياع ما
تبقى من الارض عام 1967.
ولم تتوقف محاولات سلب التمثيل فتكررت في السبعينات بانشاء روابط القرى
التي لم يكتب لها البقاء.
يجب تسجيل موقف الفصائل التي اختلفت مع فتح والتي استوعبت ان الولاء لا
يجب ان يكون الا لفلسطين وان المرجعية السياسية العليا هي منظمة التحرير
الفلسطينية المكسب الحقيقي للشعب الفلسطيني والذي دفع ثمنه غاليا،
ونسجل هنا بفخر واعتزاز موقف الرفيق المناضل جورج حبش الامين العام
السابق للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والذي قال عندما حدث الانشقاق في
صفوف حركة فتح عام 1983 " ان الانشقاق في فتح قد آلمني أكثر من الجلطة
القلبية التي اصبت بها والتي ادت الى الشلل" وحقيقة اثبتت الجبهة
الشعبية لتحرير فلسطين التزاما عاليا ومسؤولية وطنية في الحفاظ على
الكيانية الفلسطينية رغم الضغوط الرسمية الهائلة ، ولم تنجر لاحلام
مراهقي الثورة عندما اعتقدوا انهم بمسكون بناصية التاريخ الذي لفظهم من
العام الاول، ولم يلبثوا ان تحولوا الى موظفين لدى نظام، لا يستطيعون
الخروج من مكاتبهم الا بعد تلقي الاوامر والتعليمات من ضابط صغير في "
الضابطة الفدائية".