مشاهدة النسخة كاملة : -(فتح) فكر الوسطية في المحيط العربي الإسلامي


نضال1
27-10-2003, 11:59 PM
18 -(فتح) فكر الوسطية في المحيط العربي الإسلامي

إن الفكر باعتباره إبداع انساني، وتعبير عن واقع مرتبط بالمثل والقيم والمعتقدات، أدراك يمنح الشيء ألوانه، يفترض التعدد، ويفترض التطور، كما إن التفكير المستقيم يفترض المرونة بحيث يتضمن الثبات في جوانب والحركية في جوانب، يفترض الجدة المنبثقة عن الأصالة، ولا يعترف بحداثة منقطعة عن سلف ولا بالإغراق في التاريخ أو القوالب الجامدة. إن التفكير ونتاجه الفكر بهذه الفلسفة أو النظرة الشمولية هو ما طبقته حركة (فتح). ولان الفكر مرتبط بالواقع، والواقع الاجتماعي الفلسطيني مرتبط بواقع المجتمع العربي، وفكر حركة (فتح) هو فكر الجماهير لذا ففكرها بالضرورة قومي عربي حضاري.

إن المجتمع الفلسطيني على تعدد شرائحه وفئاته محافظ أجمالا بمسيحية ومسلميه، لذا فهو فكر الحضارة العربية الإسلامية الذي لا يسقط القديم إسقاطا تاما ولا يتعلـق بالحديث ذو الجذور الثابتة في تربة غير عربية أو فلسطينية، لذلك فقد كان فكر (فتح) في واقع الأمر، ورغم محاولات شده وجذبه من تيارات وتكتلات في الحركة نحو اليسار حينا ونحو اليمين حينا، بقي فكر الوسطية، الفكر الجامع لكل أصحاب الديانات السماوية ولكل أصحاب الأيديولوجيات غير المتحزبين ما دام فكرهم ينطلق من الإيمان الروحاني، والإيمان بفلسطين، وبقيم الحرية والعدالة والتقدم والثورة.

إن الحضارة العربية الإسلامية هي حضارة امتنا العظيمة وحضارة شعبنا الفلسطيني البطل بمسلميه ومسيحييه، وهي الحضارة التي تركت آثارا لا تنمحي، فنشأت عشرات التيارات والأحزاب القومية والإسلامية وكانت فتح في هذا الخضم ممثلة لفكر فرسان العقل في متن الحضارة العربية الإسلامية وحاملة لواء الوسطية فلا تطرف ولا تهاون، ولا تشدد ولا غلو، فعبرت بذلك عن فكر وواقع وممارسة غالبية الجماهير. قال تعالى:"وكذلك جعلنـاكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا". سورة البقرة (143) وكما قال الشاعر "لا تذهبن في الأمور فرطا ولا تسألن إن سألت شططا وكن من الناس جميعا وسطا".


19 -فتح الحرث في حقل الذات

لقد عانت الذات الفلسطينية، والشخصية الوطنية على اثر نكبة 1948، ثم على اثر نكسة 1967، عانت معاناة الجريح الذي ينزف ولم يندمل جرحه، كما عانت معاناة المريض مرضا مزمنا ولفترة طويلة، فتشتت الذات بين أحلام كبار وبين واقع شريد ممزق بائس، حزين، وبين ماض آمن، وردي، مستقر.

لقد عانى جيل النكبة من الضياع وتخبط في البداية – باتجاه بحثه الدؤوب عن الهوية عن الشخصية الوطنية، عن الإخلاص، عن الوصفه أو التميمة التي تنتشله من واقعه وتنطلق فيه إلى أفق المستقبل الواعد بتحقيق العودة لأرضه وإزالة الاحتلال الصهيوني عن بلاده، فكانت الانتماءات المتعددة لمختلف الأحزاب والمنظمات التي نشأت آنذاك، وعبرت عن الذات الفلسطينية في الفكر العروبي أو اليميني أو اليساري، إلى أن جاءت (فتح) واستثمرت مرحلة الصراع في البحث عن الذات، مرحلة صراع السيوف الخشبية والمناظرات الفكرية الخاوية فانتشلت الذات الفلسطينية من أفق الصراع الفكري النظري المحض ودمجتها في مسيرة الفعل عبر العمل العسكري والإعلامي والسياسي والاجتماعي النقابي واستطاعت بذلك أن توظف عديد الطاقات في مجرى نهر الثورة المتدفق. فأعادت بذلك اللحمة والتماسك للذات، وبعثتها من جديد وطنية ثورية مناضلة مقاتلة بناءة.

لقد سعت (فتح) لاستثمار الذات الفلسطينية بنقلها من الحرث في حقول الآخرين إلى الحرث في حقل الذات الفلسطينية، فكانت السمة القطرية وكانت الاستقلالية، وكانت (م.ت.ف) جامعا، وكان أن أعيد بناء الذات والشخصية الفلسطينية بروحها وعقلها وجسدها التي كادت بإنهاكها أن تمحى أو تضيع من الآخرين أو تطمس أو تقتل. قال تعالى:"من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب". سورة الشورى (20)


20 -قواعد المسلكية في المجال الجماهيري

تهتم حركة (فتح) بالقيم وبالمسلكيات لذلك أفردت لها دراسات وأبحاث وأدبيات خاصة فكانت قواعد المسلكية الثورية في المجال التنظيمي، والسياسي والعسكري وفي المجال الجماهيري تلك الخاصة للكوادر المتقدمة وكما كان اهتمام الحركة بعملية البناء المتكامل للشخصية الفلسطينية الفتحوية بعناصرها الأربعة: الروح والنفس والفكر والجسد، فإنها تهتم بالعلاقة مع الجماهير، فجعلت من محبتها والتعاون معها واحترام عاداتها وتقاليدها والاعتماد عليها وتعليمها والتعلم منها مبادئ للسلوك القويم مع الجماهير، ولان (فتح) احتفظت بطابع الثنائية الطلائعية والجماهيرية لم تعزل نفسها عن الجماهير، ولم تميز نفسها عنها بل عبرت في عديد المواقع والمواقف والمسلكيات عن مدى ارتباطها والتحامها ومحبتها للجمهور واحترامها له، وعدم تعديها أو إساءتها أو تكبرها أو تعاليها أو احتقارها أو تسفيهها لهذه الجماهير أو قطاعات منها: فكانت مختلف الهبات والتظاهرات والفعاليات والنشاطات تعبر عن مدى الزخم الجماهيري الملتقي مع طبيعة العلاقة التبادلية الإيجابية بين كوادر حركة (فتح) والجماهير والتي اعتبرتها (فتح) المد الرئيسي والدائرة الأوسع المحيطة بأعضاء وانصار الحركة.

إن بعض السلوكيات السلبية التي مارستها أعداد مرصودة من عناصر الثورة تجاه الجماهير في مختلف المراحل والمواقع والمواقف أدت لعزل مثل هؤلاء، وركنهم في الزوايا السوداء للذاكرة الوطنية والشعبية، وحصرتهم رغم محاولاتهم إعادة تلميع أنفسهم وبعثها في كل مرحلة بشكل جديد، حصرتهم في نطاق المنافقين أو الثقوب السوداء في الصفحات البيضاء لسفر الثورة الكبير.

إن السلوكيات السلبية الموروثة عن عهود العتمة والتي تزاولها قطاعات أو شرائح من الشعب كانت مجال النقد والتقويم من قبل الثورة بالقدوة، والأمثولة الحسنة، ومحاصرة السلبيات، وليس بالقسر أو التعنيف أو التحقير أو البتر، فالمجتمع أو التنظيم كيان حي نابض شامل للحق وضده وللصواب المتعدد وضده، وللآراء غير المتماثلة، والأفكار والقدرات المتفاوتة التي يجب أن ترعى وتهذب بالقيم وقواعد السلوك والقدوة. قال تعالى:"لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة". الممتحنة (6).


21 -ضد الفساد والإفساد

كما هو الحال بالنسبة لحياة أي جماعة أو مجتمع، لا بد وان تشوبها النزاعات والمشكلات والأزمات، كل ذلك في متوالية الصراع الدائم الذي قد يتخذ أشكالا عدة ولكنه في عمومه يتراوح بين الوسطية والحدين القصيين للشيء أو موضوع الصراع.

وما كانت حركة (فتح) بتلك الحركة المنزهة عن الصراعات أو عن الأزمات أو المفسدين. وفي تاريخها الطويل وحتى الآن استطاعت وعبر قانون المحبة كما ذكرنا أن تقضي على كثير من المشكلات والنزاعات، وبتطبيق النظام الأساسي والمساءلة والمحاسبة حلت نزاعات أخرى، إلا أن استفحال عدد من الظواهر حال دون فعالية قانون المحبة والنقد والنقد الذاتي وصعوبة تطبيق قانون العقوبات وخاصة مع أولئك الانتهازيين والفاسدين المفسدين، فأصبحت (فتح) ومنظمات (م.ت.ف) في مرحلة من المراحل حبلى بالتيارات الفكرية، وفي مرحلة أخرى مليئة بالأفكار الانشقاقية العسكرية السياسية، وفي مرحلة أخرى ظهرت على السطح عصابات الفاسدين أو المفسدين في منظمات الثورة، وعصابات المافيا والزعران في مرحلة السلطة.

لا بد أن المتتبع لمسيرة الثورة وتنظيماتها يلاحظ مثل هذه الظواهر، وقد يحلو للبعض أن يسم الجماعة أو المنظمة هذه أو تلك بسمات بعض الفاسدين المتسلطين الذي قد يظهر أن هناك صعوبة في إسقاطهم، أو المفسدين الذين يزينون الخطايا، ويقلبون الحقائق، ويسرقون أحلام الشعب، وينهبون مصالحه، إلا أن الفكر القويم (الثوري) والعمل الثوري والرجل الوطني هو الذي لا تحبطه مثل هذه الظواهر، بل هو ذلك الذي يظل متشبثا بالعقيدة رغم الزيغ والضلال الذي يحيط به ليصور له المبدأ انحرافا، والمستقيم معوجا، من قبل أولئك المتسلطين الفاسدين المنحرفين، ويظل الرجل الثوري صامدا محافظا على قوته في صبر ودأب وعمل لمرحلة قادمة، متمسكا بدينه ومبدأه وتنظيمه ووطنيته وفكره، وان كان ذلك له كشخص ولغالب كوادر تنظيمه كالقبض على الجمر.

لذلك فان الانتماء لحركة (فتح) ليس امتيازات وتشريف كما قد يرى أو يفهم ذلك بعضهم اليوم، وانما تكليف وعطاء مستمر وقبض على جمر النار.


22 -فتح الثورة، فتح البناء،،،

هل نتصور لحركة تنامت وعظمت، تطورت ورسمت أفقا للعمل الثوري تتقدم أحيانا، وتكبو أحيانا أخرى، هل نتصور لمثل هذه الحركة أن تعجز عن وضع الأسس لمرحلة قطف الثمار؟ وهل نستطيع أن نقول أن عقلية الثورة من الممكن أن تنفتح لتتعاطى مع مرحلة الدولة والبناء والمؤسسات؟ والإجابة هنا بكل تأكيد نعم.

إن فتح الانطلاقة اختارت نهج الكفاح المسلح وحرب الشعب طويلة الأمد ضمن رؤية واضحة لطبيعة المتغيرات السياسية المحيطة بالوطن والقضية، وتعاطت مع العوامل الخارجية بمنطق كسب الدعم للوليد الذي لا يستطيع السير إلا استنادا للآخرين، فلما شبت وكبرت استطاعت أن توفق بين العوامل الداخلية في الإطار الفلسطيني وتلك الخارجية، ولكن الحال كان غير الحال. فصنعت فتح عقلية المراحل وخاضت النضال بأشكاله المتعددة العسكرية والسياسية والجماهيرية والإعلامية..الخ آخذة بعين الاعتبار حسن تخير السلاح المستخدم وفق متطلبات المرحلة (تعانق الأحداث مع الزمن ضمن معطيات عوامل القوة) لذلك فان ما يحمل مثل هذا الفهم من الممكن أن يتعامل مع الأعضاء والجماهير والأصدقاء والاخوة والمرحلة السياسية بعين الناقد والمفكر والمبدع الذي لا يجمد عند أسلوب أو فكر منغلق، وانما ينطلق لإنشاء الأفكار الجديدة والرؤى الجديدة التي تتعامل مع ضرورة إحداث النقلة في التفكير من التخبط والعشوائية ونقص التخطيط والتنظيم والمتابعة إلى عقلية المؤسسات وهو ما تسعى إليه (فتح) في ظل الدولة الفلسطينية المستقلة.



23 -ثورة حتى النصر

لكل ما سبق ننتمي وننضوي، نشترك ونعتبر أنفسنا جزء من حركة (فتح) ولأن الإنسان كائن اجتماعي، لا يعيش وحيدا أو منعزلا، وانما خلق ليعيش في جماعة أو جماعات ضمن المجتمع… كانت (فتح) هي التعبير اللطيف عن الجماعة المنظمة أو التنظيم الذي يتسع للتباينات والتعددية والفروقات الطبيعية والشرائحية الممثلة للشعب، ولكن المندمجة في فكر ومبادئ حركة (فتح) والتي كانت وما تزال التضحية والإيمان بالنصر من أهم مبادئها التي يعبر عنها في الإيمان المنطلق من شعارها الخالد (ثورة حتى النصر)، ولأنها (ثورة حتى النصر) كانت فتح رفضا للموت برفض اختصار اسمها إلى (حتف) وقلبا له إلى الفتح المبين في (جهاد نصر أو استشهاد) شعار الشهيد القائد عز الدين القسام المتطابق مع شعار (الثورة حتى النصر).

ولأنها التنظيم الذي عبر عن وعي وفكر ومصلحة وتراث وتطلعات الجماهير الفلسطينية بصفتها الإطار الفلسطيني لاوسع انتماء جماهيري، فإنها قد تكون اكثر التنظيمات معاناة من الظواهر الانتهازية والتسلقية وتلك الفاسدة أو المفسدة -كما أسلفنا- والتي نظرا لطبيعة الحركة الطلائعية والجماهيرية لا بد وأن تنمو على هامش الحركة وفي صلبها، والتي يجب أن تتلخص منها الحركة في إطار تكريس مبادئ الإيمان بالله والوطن والتضحية والثورة حتى النصر على الأعداء.

لقد طرحت (فتح) شعار الدولة الديمقراطية على كامل التراب الوطني الفلسطيني، أي على مجمل مساحة فلسطين التاريخية، وبحدود الانتداب البريطاني، ورغم واقع القبول الحالي بأجزاء محدودة من أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، فإن انطلاق الفكر الفتحوي الجديد نحو بناء دولة فلسطينية مستقلة على شطري الوطن، لا يلغي سعي الحركة وان بأساليب جديدة، ديمقراطية، أو منبثقة عن فهم متطور لعوامل القوى وطبيعة الصراع وعوامله الداخلية والخارجية، لا يلغي ولا يسقط بل يدفعنا لان نبدع أفكارا وأساليب ومفاهيم جديدة تحقق الدولة الديمقراطية على كامل التراب الوطني الفلسطيني. ليكتمل جناحي الشعار الدائم (ثورة حتى النصر) وهما التضحية والنصر اللذين ابتدأت فيهما فتح بالاتكال على الله في بيانها الأول. في 1/1/1965 قال تعالى:"فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين". سورة آل عمران (159).

abojoudeh
19-06-2004, 05:26 PM
فتح هي التى علمتنا الابحار في عيون العطش