أبو الفتح
05-08-2003, 11:13 AM
مع إشراقة عام 2000 يكون عمر حركة (فتح) قد القى ظله على أربعين عاماً مضت. والحديث عنها يعني الحديث عن تاريخ الشعب الفلسطيني الذي مسيرته النضالية وتاريخ الشرق الأوسط كثيراً ما يتداخلان بل ويترابطان.
ان ظروف التجزئة العربية، والقيمة الإستراتيجية للمنطقة وثرواتها، والحركة الصهيونية ذات النفوذ الواسع في عواصم الدول الكبرى وطبيعتها الاستيطانية التوسعية، كل ذلك يجعل الحديث عن تاريخ الثورة الفلسطينية الحديثة بقيادة فتح ليس سوى حديث عن سلسلة من المراحل التاريخية حيث جرى في كل مرحلة مواجهة لمشكلة محددة، مما يتطلب نضالاً دؤوباً لتجاوزها. ومن هنا فإن ما سأفعله اليوم هو استعراض موجز لبعض سمات المراحل التي جرى تجاوزها والتي لم يجرِ، كمراحل تحدٍ أو مراحل أزمة.
1)-مرحلة التأسيس … مرحلة التجاوز الفكري:
جميع الذين تركوا بصماتهم في التاريخ كان بإمكانهم ان يتلمسوا في كل مرحلة التحولات التي كانت تفرض ذاتها كواقع، فيعبروا عن ذلك بمنظومة فكرية قادرة على السيطرة الفكرية على (الآن) التاريخي لبلد معين في فترة معينة، ومن خلال هذه السيطرة لا تبقى المسألة الأساسية أمام الثورة: ما العمل؟ بلا جواب. وحسب هذا الجواب يأتي الانتقال من مرحلة الرفض اللفظي إلى مرحلة التصدي الدائم. ويمكن إجمال المفاصل الأساسية للمنظومة الفكرية الفتحوية بالعناوين التالية:
1-ما هو التناقض المحرك للتاريخ بالساحة العربية
لقد تجاوزت الثورة الفلسطينية الفكر العربي السياسي الذي ساد في الستينات بواسطة القوى العربية القومية والماركسية والتي تخلص لتحليلات وبرامج سياسية مارست تطبيقها على مدى عشرين عاماً، تحقق في ظلها نجاح جزئي في بعض المجالات وهزائم كبرى في مجالات أساسية. وكانت تجربة الفكر القومي الناصري أبرز تلك المحاولات للمجابهة مع القوى الخارجية وقيادة معركة التحرير والبناء. الا ان تلك التجربة إذ بقيت غير شاملة، لم تستطع الصمود أمام تحالف الرجعية العربية مع الصهيونية عبر أمريكا. ومن خلال عدم قدرتها على الصمود شكلت الرحم الذي ولدت في ثناياه الرؤية الفلسطينية الثورية التي كانت نقيضاً للاطروحات السائدة.
ان الفتحوية بما هي منهج نجح في قيادة النضال الفلسطيني عبر السنوات الماضية، لم تختلف مع الماركسيين العرب حول صحة مقولة الصراع الطبقي التي هي قانون طبيعي من قوانين التطور الاجتماعي، ولا هي اختلفت مع القوميين العرب حول هدف الوحدة والحرية والاشتراكية، ولا هي اختلفت مع الإسلاميين لقولهم انها معركة بين الكفر والإيمان، ولكن الخلاف كان في اختيار النقطة الصحيحة للبدء التي تشكل وحدها النقطة الملائمة للتقدم نحو التطور والتغيير.
ان الفتحوية وجدت منذ اواخر الخمسينات، ان التناقض الرئيسي الذي على الأمة العربية ان تواجهه هو التناقض بين الأمة العربية من جهة، وبين الاستعمار العالمي من جهة أخرى. وان أبرز تجسيد مادي لذلك هو إسرائيل. وان مضمون هذا التناقض هو الصراع العربي الإسرائيلي. والنقطة الهامة التي وضعت الفتحوية يدها عليها هي هل المحرك الأساسي لتطور الأحداث في المنطقة هو في مواجهة الوجود الإسرائيلي، أم بمواجهة الرجعية العربية؟ ومن يحمي الآخر؟ لقد أجابت الفتحوية على هذا السؤال بان اعتبرت التناقض الأساسي هو مع إسرائيل، دون أن يلغي ذلك العلاقة الجدلية بين التناقض المذكور والتناقضات الذاتية في الوطن العربي، إلا أن أي تقدم تحرزه على جبهة المواجهة مع العدو الإسرائيلي، تحرز بمقداره تقدماً على الجبهة الداخلية ضد القوى الرجعية، التي هي تجسيد آخر للامبريالية تحميه المظلة الإسرائيلية وليس العكس. ان مقولة القوى الماركسية والقومية العربية منذ الخمسينات، والتي تمثلت في ان القضاء على الرجعية العربية أولاً وبناء أنظمة ثورية سيؤديان حتماً الى الوحدة والحرية والاشتراكية وتحرير فلسطين، لهي بنظر الفتحويين وهم إيديولوجي.
انها تبدو مترابطة منطقياً، ولكنها غير ممكنة التطبيق من الناحية العملية، لأنها ليست حقيقة واقعية. فالرجعية العربية ليست اختياراً بسبب تخلف فكري أو ثقافي، ولا هي بسبب نتاج اقتصادي، انما هي بناء تحتي أيضاً أمدته اسرائيل وأمريكا بقوة الحياة وأنشئ لمعظمه وبالمفاصل الحساسة منه بشكل قسري. ومن هنا فإن تحرير أية منطقة عربية، وخاصة في دول الطوق، لا يكون تحريراً حقيقياً على مستوى الاستقلال السياسي والاقتصادي إلا بمقدار ما يكون ذلك التحرير على حساب إسرائيل. وهل يمكن ان ننسى ان عبد الناصر الذي أتى رداً على هزيمة عام 1948، واجه حرب حزيران 1967 بكل ما انطوت عليه من محاولات لإعادته إلى النقطة التي انطلق منها عام 1952 وان الجيش السوري منذ عام 1975 يقف عاجزاً عن الانتشار في كل لبنان لأنه يعرف ان طريقه إلى جونيه هو طريق إسرائيل إلى صيدا والقنيطرة.
2-القومي والقطري:
كان العمل الحزبي العربي يرفض فكرة النضال القطري التي طرحتها (فتح) ويتصدى للثورة الفلسطينية، منذ البداية، متهماً إياها بالإقليمية. والغريب ان النقاش حول القطري والقومي والإقليمي والإسلامي والعربي مازال محتدماً مع ان تجربة القرن الماضي أثبتت ان تحقيق أية نهضة قومية مستحيلة بدون الاعتراف بالقطرية (لا الإقليمية) وخصوصيتها كبنية تحتية للقومي. فالعقل السياسي العربي كما يقول مفكرنا الكبير عابد الجابري ما زال محكوماً بمحددات إجتماعية واقتصادية وثقافية وعلى رأسها منهج العشائرية والطائفية ومنطق الغنيمة وافتقاد الإيديولوجيا الجماعية.
القضية بكل بساطة هي إيقاف قضية (القطري والقومي) على قدميها بدلاً من رأسها. ففي الماضي كان الشيوعيون في البلاد العربية على سبيل
أبو الفتح
05-08-2003, 11:17 AM
المثال يصيغون إستراتيجية تنطلق من إستراتيجية الاتحاد السوفياتي ولذلك ثقفوا جيلاً كاملاً تناثر في كافة الأحزاب بخط سياسي متصالح وإقليمي فعلى الصعيد الوطني علينا الامتثال للاتحاد السوفياتي فنتائج الثورة في المتربول ستحسم وتغيّر الأمور، وعلى الصعيد الاجتماعي خطاً إصلاحياً، وعلى الصعيد القومي مارسوا منطقاً إقليمياً نابعاً من انتظار الثورة في المتربول.
نفس الشيء يمكن ان يقال عن الفكر القومي البعثي الذي استطاع كحزب واحد موحد، ان يوحد العراق وسوريا، إلا ان ذلك الحدث التاريخي بدون شك انتهى ليس فقط بانفراط تلك الوحدة بشكل عدائي بل وانقسم الحزب الى حزبين وعاد الصراع التاريخي بين دمشق وبغداد والقاهرة ودفع الفلسطينيون ثمناً غالياً لذلك التنافس والتنافر لأنه كان تنافساً إقليمياً لا علاقة له لا بالقومية ولا بالقطرية، عبر دخول الفلسطينيين اليساريين بالاستقطاب تارة من دمشق وأخرى من بغداد العاصمتين اللتين تحولتا إلى متربول لتلك القوى.
الرؤيا القطرية الشاملة في إطار قومي تؤدي إلى القومي ومن ثم إلى الكوني والعكس ليس صحيحاً فهي معادلة غير قابلة للقلب.
ماذا يعني الفتحويون بجملة في إطار قومي:؟
المعادلة الصحيحة آنفة الذكر معادلة واقعية وثورية في نفس الوقت لها رأس ولها قدمين في الوقت نفسه، فهي واقعية لأنها وحدها القادرة على التقاط الخصوصية القطرية وهي ثورية لأنها تمنح أصحابها العقلانية اللازمة عند وضعها موضع التنفيذ عبر امتلاكهم خاصية التوازن بين القطري والقومي ذلك التوازن طريق انتشار الإخاء القومي القادر على خلق واقع قومي جديد.
القطرية العقلانية المتوازنة تتوازى مع مثيلاتها من القطريات الأخرى بالثوابت الدائمة وهي (الأرض والحفاظ عليها والوحدة الوطنية كمطلب تاريخي لها إلى جانب الحفاظ على الكرامة الوطنية)، كل ذلك في إطار الثابت الأكبر الشراكة العربية كمبدأ دائم وخاصة في مجال الثقافة التي لا يجوز أن تكون إلا قومية المنهج والأفق وتماثل التجربة عند التطبيق الديمقراطي ففكرة الحزب الواحد أضاعت على الأقطار العربية فرصة اللحاق بالتطور العالمي لأنها لا يمكن أن تقود إلى تطبيق الأهداف السامية بشكل خلاق والفكر السلفي ما زال يتعلم ببطء ويصر على وجود المستبد العادل حيث تتناقض فكرة العدل مع الاستبداد.
في الخمسينات جُزئ الفلسطينيون بين (فلسطينيوا الداخل والخارج) فلسطينيوا الداخل عاشوا معاناة التجذر بالأرض فأسسوا منظمة الأرض والتي كان اسمها عنوان المعركة والمهمات الراهنة آنذاك.
فلسطينيوا الخارج دخلوا الأحزاب العربية ظناً منهم أنهم عبرها سيعالجون قضية فقرهم وحياتهم المعيشية الممزوجة بالذل وهُيىء لكل منهم أنهم عبر تلك الأحزاب سيسيرون على طريق العودة إلى فلسطين التي لم يلبثوا أن وجدوه طريقاً حالماً فراح الفلسطينيون يشكلون الجمعيات السرية الباحثة عن أفق، ولكنها كلها رغم كثرة أعضائها كانت مصابة بعقدة عانى منها الفلسطينيون عبر قرن من الزمن وهي التطلع إلى مرجعية خارجية باسم قومية المعركة متحولين بذلك إلى حركات وجبهات بدون أفق قطري فلسطيني إلى أن جاءت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح):
3-حركة غير خاضعة وغير تابعة:
القوى غير الفتحوية كانت تخلط بين الفكر الإقليمي والفكر الوطني.
الإقليمية فكرة مدمرة لم يعرفها الفلسطينيون عبر تاريخهم الطويل بينما الوطنية تقود إلى تجميعٍ لطيفٍ واسع من القوى السياسية والاجتماعية. وقررت (فتح) إسقاط الإرهاب الفكري الذي يمارس من القوى الحزبية والناصرية فأعلنت أن الخوف من اندلاع واستشراء الروح الإقليمية لا يواجه إلا بقيام قيادة فلسطينية تتحمل مسئولية الإعلان عن وجود خصوصية قطرية فلسطينية تتكامل مع القومي من خلال الدياليكتيك الثوري الذي تتمتع به القضية الفلسطينية. ففلسطين بُعد قومي وليست بعداً جغرافياً إلا أن ما لا يسمح به هو مصادرة الذات والشخصية الفلسطينية بحجة قومية المعركة وعروبتها. و(فتح) والقوى السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي أصرت على بلورة الشخصية الفلسطينية عبر النضال، لم تفعل ذلك ارتداداً ورفضاً للبعد العروبي للقضية الفلسطينية، وإنما تأكيداً له. فبدون بروز قيادة سياسية تمثل الفلسطينيين تفقد الثورة الفلسطينية صفتها التحررية والقطرية الأساسية، وتبدو القضية وكأنها نزاع بين الدول العربية وإسرائيل الأمر الذي كان سيسلب التأثير والحصول على تأييد الرأي العام العالمي والدعم الدولي.
لقد أثبتت التجربة أن العمل الفلسطيني قومي التركيب والوجود وأنه كان وسيبقى نقطة تجمع وتلاقي وانصهار جميع التناقضات العربية، لكون التناقض بين العرب والإسرائيليين تناقضاً أساسياً بسبب طبيعة الصراع. والمستقبل في الوطن العربي ليس في يد الحزب أو الحركة التي تملك البرنامج الأكثر تقدمية فقط وإنما في يد الحركة الوطنية التي محور تحليلها يقوم على إدراك الخطر الإسرائيلي سواء كان عسكرياً أم اقتصادياً أم ثقافياً هذا كان في القرن الماضي وسيستمر أيضاً ربما إلى منتصف القرن القادم.
4-مرحلة الرفض المسلح للكيان الصهيوني:
إن المحك الحقيقي للتجاوز الفكري والسياسي هو القدرة على الانتقال به من حيز النظرية إلى ورشة العمل والتنفيذ، وخط الأنظمة الوطنية كان يؤمن بتأجيل المواجهة مع إسرائيل إلى ما بعد الانتهاء من مرحلة بناء القوى الذاتية وتطوير القوى العسكرية، بحيث يمكن فجأة توجيه ضربة إستراتيجية للعدو فيقضي عليه، دونما إعطاء أية فرصة للإمبريالية الأمريكية بالتدخل. وقد كان تحرك فتح في 1/1/1965 لضرب نفق عيلبون هو الرد على ذلك الوهم الإستراتيجي المتماسك نظرياً، وغير الممكن عملياً، كما كان التحرك بداية عملية لفرض استراتيجية الكفاح المسلح الطويل الأمد، بديلاً عن إستراتيجية الحرب النظامية. وكان من الطبيعي ان تكون الولادة ولادة صاخبة في الداخل والخارج، حتى أن علي عامر المصري الجنسية قائد القوات المشتركة العربية أصدر أوامر، لجميع الجيوش العربية بملاحقة فدائيي (فتح) وإغلاق كل الجبهات في وجههم. في داخل "فتح" عاشت الحركة أول أزمة داخلية لها في الصراع بين خطين: خط أصر على حرب شعبية تبدأ شابة وفتية بعملية مسلحة يشارك بها الالاف، وخط قاده ياسر عرفات يقول بأن الثورة كالإنسان لا يمكن ان تولد شابة، بل من الطبيعي ان يكون المولود صغيراً ينمو عبر الصراع ومواجهة التحديات. حتى أحمد موسى، قائد أول عملية، جلس مقابل بيسان على الأرض يستجمع قواه لأول عبور مسلح منذ عام 1948، وعندما اكتشف ان القنبلة اليدوية التي معه مربوطة بخيط بدل حلقة الأمان تساءل. ابهذه القنبلة المربوطة بخيط تريدون التحرير؟، فكان الجواب نعم، هذه القنبلة هي طريقنا لامتلاك قنبلة كاملة، وهذا الرشاش الصغير هو طريقنا للرشاش المتوسط والثقيل.
أبو الفتح
05-08-2003, 11:18 AM
اما على الساحة العربية فقد ثارت نقاشات طويلة اتهمت عبرها فتح باتهامات كثيرة، لم يكن أقلها انها عميلة حلف السنتو، وكتبت تحليلات مطولة حول خطورة توقيت بدء الثورة، الذي سيعطي فرصة للعدو الصهيوني كي يهاجمنا بدون استعداد، وان عدم التنسيق مع القوى الوطنية هو توريط للوضع العام. وهذا الحوار كان طبيعياً، لأنه عندما تولد استراتيجية جديدة وتخرج من ورشة العمل الى التطبيق العام، فهذا يعني ان نظرية ستعيش وأخرى ستموت، وبالتالي لن يحسم الخلاف الا بسقوط خط وتكريس خط آخر.
والثورة الفلسطينية طيلة عامي 1965-1966 لم تهزها تلك الاتهامات، لأنها كانت ترى فيها عجز الأنظمة والقوى الوطنية رغم إخلاصها وهي تصر على ان ترى الأمور من موقع طوباوي. والطوباوي تأملي يظل دائماً في إطار ما يعرف ويبالغ بمخاطر ما لا يعرف. وهو يستطيع رؤية الهدف والتمسك به بحزم ولكنه يقف عاجزاً أمام تحديد البرنامج ونقطة البدء فيه والخطوات اللازمة لتحديد الهدف.
الشعب الفلسطيني رسمت له اتفاقية (سايكس بيكو) حدود إبادة وتشريد وليس حدود استقلال قادم كما هو الحال بالنسبة لسوريا ولبنان والعراق. وسيكون الحديث عن التوقيت الملائم للفلسطينيين للاشتباك مع قاتل يُعمل في كل ثانية سكين الاستيطان والترانسفير أمراً ساذجاً ويتناقض ومنطق إدارة الصراع، خاصة وان هنالك امتداداً للمساحة الزمنية للثورة الشعبية الفلسطينية يرجع الى عام 1917 وما تزال ماضية لإنجاز مهامها مارة بثورة 1929 وبثورة عز الدين القسام عام 1936 وحرب عامي 1947، 1948 وبثورة (الفتح) عام 1965 والتي ليست سوى مرحلة من مراحل سبقتها وأخرى ستليها.
5-التوقيـت:
ان الحديث عن التوقيت المناسب لا يُقرره عدم توفر الشروط المطلوبة في المدى القصير لأن عدم الانخراط بالوضع السياسي العام سيقود إلى اضعاف الشروط المناسبة القائمة الآن لممارسة الكفاح والمواجهة. والاهم من ذلك ان الانخراط بالكفاح يقود إلى تطوير الأوضاع الخاصة ويفتح الطريق أمام استعداد أفضل لمواجهة الأمور الأكثر خطورة الكامنة في المستقبل (راجع بيان التوقيت الصادر عام 1965).
إن الانخراط في الوعاء الزمني للأحداث في الشرق الأوسط مرتبط سلباً أو إيجاباً بالوعاء الزمني لحركة الأحداث حيث تتداخل العوامل المحلية والدولية فتساند المبادر وتُسارِع الأحداث ان كانت إيجابية.
انتهاء الحرب العالمية الثانية قاد إلى الحرب الباردة والتي قادت الى مرحلة خوض الحروب بالواسطة وأخذت أمريكا تصفي الوجود البريطاني بالشرق الأوسط والخليج فاستغلت كوكبه من الضباط الأحرار المصريين بقيادة عبد الناصر الزمن الإيجابي فاستلمت السلطة وحاصرت اسرائيل جنوباً وأوقفت توسعها من عام 1952 وحتى عام 1967 وأمم قناة السويس ووحد مصر وسوريا وقام البعثيون في سوريا والعراق واستغلوا الزمن الإيجابي وغيّروا الوضع في القطرين وأوقفوا توسع اسرائيل نحو الشمال وقامت الجمهورية العربية المتحدة ووجه الرئيس كيندى رسائل عدة للرئيس جمال عبد الناصر تضمنت أفكار إيجابية لحل المشكلة الفلسطينية وبادر الرئيس عبد الناصر الى تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة الاستاذ الشقيري ليكون الطرف الفلسطيني مشاركاً عند التحدث مع الولايات المتحدة الأمريكية، وعاقبت مصر فرنسا لمدها اسرائيل بمفاعل نووي ودعمت الجزائر علناً وتحررت الجزائر.
إسرائيل وجدت ان الزمن يعمل لصالحها سلباً فبادرت الحركة الصهيونية العالمية الى قتل كيندي وإنهاء الوحدة المصرية السورية وأخذت تستعد لخوض حرب التوسع والاستيطان الجديدة وعنوانها مياه نهر الأردن.
لقد كان التوقيت مناسباً لجميع دول المنطقة للتحرر والتقدم فلماذا يكون سلبياً بالنسبة للفلسطينيين؟. إنه سلبي بالنسبة لأولئك الذين لم يدركوا الخصوصية القطرية الفلسطينية والذين سمحوا للنظم باسم القومية مصادرة القرار الفلسطيني فأصبحت معاركهم خلف من سيقفوا وليس من سيقف وراءهم فرفضوا بقوة شعار حركة سياسية غير خاضعة وغير تابعة الا لقرار الشعب الفلسطيني.
وعلى ضوء ما ذكر فإنه لمن المفيد ان نستذكر بعض ما كتب ضد حركة فتح من انها لم تصدر دراسة واحدة تحلل فيها أسباب هزيمة حزيران 1967، فمع ان هذا صحيح إلا إن كتابه نسوا ان ممارسة الرفض المسلح التي بدأت عام 1965 كانت انطلاقاً من إيمان راسخ بان الإستراتيجية الخاطئة ستقود الى نتائج خاطئة، ومن هنا فأن فتح لم تصب بالذهول والإرباك لزلزال هزيمة حزيران الذي كانت تتوقعه منذ عام 1963. بل كانت الثورة الفلسطينية هي الرد السريع على الهزيمة ورفعت شعار: لتكن هزيمة حزيران بداية النصر العظيم، وقد حدث كل هذا لأن رؤيتها لم تكن منطلقة أصلاً من إستراتيجية الأنظمة بل من رؤيتها لقضية التحرير.
لقد كانت هزيمة عبد الناصر عام 1967 هزيمة لكل الكبرياء والكرامة العربيتين، وما ان وقع العملاق على الأرض حاملاً على ظهره المستقبل العربي حتى اقبلت الثورة الفلسطينية عليه، رافضة إقامة وليمة نهش له، ومدركة أهمية ان تتبنى مصر الثورة خط الثورة الفلسطينية فتعطيها بذلك عمقها العروبي الأصيل بعدما كانت سوريا العريقة بوطنيتها قد سبقتها الى ذلك.
6-القطري يمارس في إطار القومي:
عندما جرى أول لقاء بين عبد الناصر وعرفات في شهر تموز 1967 استقبله عبد الناصر وهو يقول: أهلاً ياسر أهلاً ياسر لقد فهمتكم لقد فهمتكم، ألا تستطيعون إشعال حرائق في الداخل الى ان نعيد ترتيب وضع القوات على قناة السويس وفي الجولان. فرد عليه قائد قوات العاصفة الفتحوية: انني سأدخل شخصياً الى الداخل وسأشعل ثورة لا حرائق ولكني أريد منكم الاعتراف بحركة (فتح) ومدنا بالسلاح وتدريب مقاتلينا، ووضعت في ذلك اللقاء خطة تحملت فيها الثورة الفلسطينية عبر غور الأردن مسؤولية التصدي المنفرد للعدو الصهيوني، بقصد إبقائه مستنفراً وسلبه بالتدريج بريق النصر المعنوي الذي حققه. ويومها فقط انتهت الاتهامات حيث ثبت ان فكر حركة (فتح) لم يوضع وضعاً ولا اخترع اختراعاً، وانما كان نتيجة رؤيا ومفهوم محدد بطبيعة العدو وخصائص المواجهة من داخل الوعي التاريخي للمنطقة لا من خارجها.
والغريب انه في الوقت الذي مدت فيه (فتح) جسورها مع من حاربوها بضراوة على مدى عامين وعلى رأسهم الرئيس عبد الناصر انقلب اليساريون من بعثيين فلسطينيين وقوميين عرب على عبد الناصر ليقفوا خلف العراق وليشكلوا جبهة جديدة هي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من قادتها الدكتور حبش د. وديع حداد والضابط في الجيش السوري أحمد جبريل وصف كبير من كوادر الجبهة الشعبية وبدأوا من مواقع قومية حملات من النقد لحركة (فتح) لا تقوم على التشكيك بوطنيتها كالسابق وانما بمحاكمتها بالقوانين المتعارف عليها لدى حركات التحرير الأخرى كالجزائر وفيتنام والصين، رافضين الثورة من الخارج ومصرين على الثورة من الداخل ولذلك لم يشاركوا في معركة الكرامة لأن قوانين حرب العصابات التقليدية تقول إن تقدم العدو نتراجع. وما كان ذلك الا تعبيراً عن افتقادهم لرؤيا خاصة بهم رؤيا ثورية قادرة على تغيير الواقع، الأمر الذي يتطلب وقتها إدراك خصوصيات حركة التحرير الوطني الفلسطينية.
وفي الوقت الذي كانت فيه مصر تستعد للبدء بحرب الاستنزاف عام 1969 كانت الثورة الفلسطينية قد استرجعت اذان العالم وعيونهم وبدأ العالم يتكلم عن المقاتل الفلسطيني بدلاً من الحديث الممقوت عن المسكين اللاجئ الفلسطيني.
أبو الفتح
05-08-2003, 11:19 AM
العقيدة العملياتية لحرب الشعب الفلسطينية:
الفكر ليس فيضاً من الآراء وانما هو المنظومة النطرية التي تطبق مبادئ عامة (لفلسفة ما) من أجل معرفة موضوع معين. فكر (فتح) هو المنظمومة التي تطبق المبادئ العامة لحرب الشعب الطويلة الأمد من أجل معالجة الكيفية لخوضها على أرض فلسطين عبر اكتشاف سمات الصراع وتحديد قوانينه فهنالك ثلاثة حقائق استنبطها وارتكز عليها الفتحويون الأوائل لتحديد الخصائص التي تفردت بها الثورة الفلسطينية ولم تواجهها أية ثورة في القرن العشرين ويمكن تلخيص هذه السمات بما يلي:
1-ان تواجه الصهيونية في فلسطين فأنت تواجه
1-استعمار استيطاني
2-استعمار اقتلاعي للشعب من أرضه وطرده الى الخارج في الشتات.
3-يقيم دولة عنصرية يهودية الطابع.
4-ذو قوة عسكرية ضاربة وأجهزة قمع عنصرية بالقانون.
5-دولة تعترف بشرعيتها ووجودها الأمم المتحدة.
6-يعترف بشرعيتها الاتحاد السوفياتي والبلدان الإشتراكية حلفاء الدول العربية واصدقاء الفلسطينيين لاحقاً.
7-حليفة ووكيل للولايات المتحدة بالمنطقة.
2-قبل حرب 1967 تم التفاهم مع سوريا والجزائر على دعم توليد حرب تحرير شعبية تنطلق من سوريا ومدعومة من البلدين.
3-الهزيمة المنكرة للدول العربية عام 1967 ترتب عليها تأثيرات سلبية كبيرة على مجمل حركة التحرير الوطني العربية والتي كما رأينا تطلعت عبر الرئيس جمال عبد الناصر الى حركة (فتح) لتقوم بالاشتباك مع الإسرائيليين الى حين حدوث الهجوم العسكري العربي المصري السوري، ولقد وجدت (فتح) في ذلك فرصة كبيرة لتكتسب شرعية الفعل الثوري بإبعادها الواسعة، وتحول القضية الفلسطينية من مجرد قضية الى ثورة شعبية حيث كنا نطمح ان النظم ستتراجع لتسمح لشعوبها بالدخول فأشهرنا شعار عدم التدخل في الشؤون الداخلية العربية لنعطي الأمان للدول العربية بينما نعمل بجد على إقامة القواعد الإرتكازية الحدودية على طول الحدود الإسرائيلية حيث يتم التحرك من الخارج نحو الداخل ففي الوقت الذي نثوّر فيه اللاجئين المسحوقين المنتشرين في الشتات العربي نبدأ باستنهاض القوى الثورية على أرض فلسطين المجيدة حيث أخذ الشعب يتعرض لأقسى حملة اضطهاد لم يعرف العالم مثيلاً لها بفاشيتها.
8-شعار عدم التدخل في الشؤون العربية الداخلية:
طرحُنا لشعار عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية لم يكن عفةً ولا ذريعة للابتعاد عن حركة الجماهير العربية مكتفين بعلاقات فوقيه مع النظم التي تتناقض مصالحها ونمو حركة التحرر الفلسطينية فوق أراضيها وانما لاقتناعنا ان من يتصدى للصهيونية سياسة وحرباً يقود النظم إذا ما كان رصاصها ومدافعها ودباباتها جامدة لا حراك فيها. وليس من قبيل الصدفة ان حركة (فتح) أصرت منذ نشأتها على ان تكون بنيتها الفكرية قائمة على جبهة إيديولوجية نلتقي على خط سياسي واحد، حيث نصت المادة (13) من مبادئها على ان (تحرير فلسطين واجب قومي وديني وإنساني) وان المحرك للتاريخ والصراع في المنطقة هو التناقض الأساسي الكامن في الصراع الإسرائيلي العربي، مؤكدين عبر ذلك على الطابع العربي الإسلامي التقدمي للصراع معتقدين ان تفجير المجابهة المسلحة سيقود الى قيام جبهة شعبية عريضة على طول الوطن العربي وعرضه مساندة للثورة الفلسطينية، الأمر الذي لم يحدث لماذا؟
هزيمة حزيران شكلت صدمة لجميع القوى الحزبيّة في المنطقة والتي راهنت على الناصرية ذات الأفكار الوطنية العربية الملتفة حول قائد فذ هو الرئيس جمال عبد الناصر. لقد أخذت قوى حركة التحرر العربي على حين غرّه عندما فشلت في انتزاع مكاسب قطرية كثمن من القوى التي قادت سياساتها إلى هزيمة كانت أقسى من هزيمة 1948. والغريب انها لم تتصد للاعتداء الداخلي الذي رافق تلك الهزيمة ففقدت به الثورة الاجتماعية القومية اندفاعها لعجزها عن بلورة نظام ديمقراطي يقوم على التعددية، وتم باسم نظرية الحزب الواحد وسلطة الجيش قيام نظم قطرية إقليمية تسلمت بها السلطة أقلية ما مارست هيمنة على الشعب ملغية حياته السياسية في ظل ممارسات قطرية إقليمية تلبس العباءة العربية ولكنها تخفي في طياتها ممارسات قطرية ساخرة وعندما يكون لدولة ما سياسة عربية فهي غالباً ما تكون امتداداً لنظرة قطرية وتهدف إلى توسيع رقعة نفوذها على حساب بلد مجاور، مما أدى إلى بروز سياسة التمحور على الذات والتي استبدل فيها مع الزمن التحدي الإسرائيلي كأساس ليصبح (أمن الإقليم) هو الأساس. ففي السودان حرب الجنوب وفي الخليج الحرب العراقية الإيرانية وفي شمال أفريقيا حرب الصحراء وسوريا انشغلت بلبنان والأردن تائه بين سوريا والأردن تحالفاً واشتباكاً، ومنظمة التحرير الفلسطينية ووجهت من جميع الدول باعتبارها لأي اتصالات مباشرة بالقوى الشعبية السياسية في القطر يترتب عليها إجراءات أمنية وعقوبات ضد الوجود المسلح أو الدعم المادي إلى جانب الزج بالسجن بكل من يتم الاتصال به ومن هنا تم تشكيل جبهة مساندة شعبية يتواجد فيها الأحزاب الحاكمة وكان لبنان العزيز على قلوب الفلسطينيين بشكل خاص هو الاستثناء الوحيد. ووجدنا أنفسنا نحن والقوى الوطنية اللبنانية في موقف عجيب. فبدلاً من ان تحملنا وتحمي كلينا حركة التحرر العربي حملنا نحن على أكتافنا جميع القوى الحزبية التاركة لبلادها.
مؤتمر يالطا الشهير عام 1945، كرّس النتائج السياسية للحرب العالمية الثانية حيث أزيلت دول وأقيمت أخرى. الحركة الصهيونية مثلها في هذا المؤتمر ودافع عن أفكارها ومطالبها أمريكا وبريطانيا والاتحاد السوفياتي مما قاد الى قيام دولة اسرائيل مترافقاً مع قرار دولي أجمع عليه بقناعة والتزام من جميع دول العالم ما عدا الصين ألا وهو الحفاظ على الحدود الموروثة من الاستعمار وعدم تدخل أي من الدول الكبرى خارج مناطق نفوذها التي اتفق عليها سواء في أوروبا وفي الشرق الأوسط والأقصى، ولا مجال للشعب الفلسطيني ان يعود للخارطة السياسية التي شطب منها بقرار دولي وان يحقق أهدافه بإقامة دولته إلا إذا ما أعيد تفكيك الجغرافيا السياسية للمنطقة ليعاد تركيبها بوجود الشعب الفلسطيني والذي سيعتبر شعباً فائضاً عن الحاجة ولن ينظر إليه نظرة سياسية ما لم يتمكن من فرض نفسه على العالم.
بعد مؤتمر يالطا قال جون فوستردالاس مساكين الفلسطينيين لقد ضاعوا بين أقدام الفيلة الاغلبية الساحقة منه غادرت فلسطين فستموت بالخارج. والمولودون في الخارج لن يذكروا فلسطين لأنهم لم يروها. وهذا الذي يفسر لماذا دعمت أمريكا قيام الأنروا من أجل جعل الفلسطيني يتكيف مع عملية اللجوء ليتحول مع الزمن الى مواطن في البلد التي يقيم فيها.
9-الشرعيات الثلاث:
التحالف مع الزمن كان إستراتيجية جميع الأطراف الإسرائيلي والأمريكي والفلسطيني، مع فارق أساسي الا وهو كون الزمن الفلسطيني زمن متحرك وصاخب هدفه تامين ديمومة الاشتباك مع الإسرائيلي إلى أن يقتنع الغرب بأن اسرائيل لم تعد حامية لمصالحه ولا هي نقطة أمان للتجمع اليهودي في أرض فلسطين وصولاً إلى بناء قوات محليّة في الداخل تكون قادرة على توجيه ضربات فعالة ضد الجيش الإسرائيلي بانتظار إعادة فتح ملف المنطقة من جديد ويصبح بالإمكان إقامة الدولة الديمقراطية الفلسطينية آخذين بعين الاعتبار ان مصر وسوريا أصبحتا طرفاً في الحرب لتحرير أراضيهما المحتلة سواء قناة السويس وسيناء والجولان مما سيضفي على المجابهة صفة المجابهة الشاملة مما سيُقصّر فترة الحمل.
الشرط اللازم غير الكافي لتأمين ديمومة المعركة واستمرارها لتحقيق حرب إجهاد واستنزاف للجيش الإسرائيلي يتطلب قيام قواعد حدودية يمكن الدفاع عنها وهذا يتطلب توفير الشرعيات الثلاثة وهي:
1-الحصول على الاعتراف العربي بشرعية التواجد فوق الأراضي العربية وتحمل النتائج المترتبة على ردة الفعل الإسرائيلي تجاه تلك الدول.
2-الحصول على الشرعية الدولية تجاه النظام العالمي لإعطاء شرعية ما للتواجد فوق الأرض العربية.
3-الحصول على الشرعية الوطنية الثورية من قبل الشعب الفلسطيني وديمومة ممارستها رغم تناقضها مع الشرعيتين العربية والدولية.
10-الاستقلاليــة:
مصر عندما يتواجد بها قائد حقيقي يفكر بشكل إستراتيجي وبالأجيال المقبلة يصبح لدى العرب الدولة المحرك (القطب المحرك) لحركة الأحداث العربية ويصبح لديها ولدى العرب إستراتيجية عربية شاملة وهذا ما فعله أمين الأمة العربية الرئيس جمال عبد الناصر الذي تنامت ثوريته بشكل مذهل وهو جاثٍ على ركبتيه بعد حرب الأيام الستة المذلة فقرر ألا يقر أو يعترف بأية نتائج سياسية للحرب قبل إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الخامس من حزيران 1967 فأعلن ان ما أخذ بالقوة لا يسترجع الا بالقوة، فوجدت الشرعية الثورية للشعب الفلسطيني والمتمثلة آنذاك بحركة (فتح) ان عبد الناصر يدعم استقلاليتها من خلال قوله (من حقي ان أقبل القرار 242 ومن حقكم ان ترفضوه). فالعزف المنفرد ليس خياراً فلسطينياً بل حالة يمارسها الفلسطيني قسراً عندما تفتقد الإستراتيجية العربية.
أبو الفتح
05-08-2003, 11:20 AM
الاستقلالية في نظر (فتح) تعني كسر قيود الوصاية التي تكبلنا سلباً والتي تريدنا ورقة بأيدي الأنظمة لحماية مصالحها القطرية على حساب مصالحنا.
الوصاية عندما تكون إيجابية يسقط شعار الاستقلالية تلقائياً. فالوصاية الناصرية أخذت ياسر عرفات إلى موسكو تمهيداً لحصول الشرعية الوطنية على الشرعيّة التمثيلية الدولية ودعَّم قيام قواعد فدائية في غور الأردن وساهم في إقناع الشهابيّة لتوقيع اتفاق القاهرة لإعطاء شرعيّة لبنانية للتواجد الفدائي في جنوب لبنان، وعندما عرضوا عليه إعادة سيناء كاملة بدون حرب قال لهم القدس قبل سيناء ولذلك مارسنا الاستقلالية تلقائياً في ملعبه الواسع الكبير وليس خارجه. وعندما قدمنا مساعدة لوجستيه محدودة لرجال الضفادع الأبطال من البحرية المصرية الذين ألحقوا ضربة رائعة بميناء ايلات وبناقلة الدبابات الرابضة فيه جير في البداية العملية للفلسطينيين لتقوية رصيدهم.
2)-اللاجئ يتحول إلى مقاتل:
بإقامة القواعد الفدائية في الأردن انتقل الفدائي من مرحلة المشردين الهائمين إلى مرحلة القواعد الارتكازية التي ذكرتني بالكاتب الألماني الشهير توماس مان الذي كتب يقول: مشكلة واحدة في العالم اسمها، كيف يمكن تجاوز الحدود؟ كيف يمكن الدخول إلى الأفاق المفتوحة الممتدة؟ كيف يمكن تمزيق الشرنقة والتحول إلى فراشة؟ والجواب ان يحقق الفرد درجة من درجات الوعي عن طريق هدف ثوري كبير أي ان يصبح شخصاً حاملاً لرسالة. وهكذا أصبح الفتحويون الأوائل الذين توافدوا إلى القواعد الارتكازية من كافة أنحاء العالم. كانوا عدة مئات ولكن كل واحد منهم كان أمة، حاملاً لرسالة سامية وهي قبول التحدي بالتصدي لإسرائيل.
في الوقت الذي كان دايان يُعلن بتبجح ان حركة (فتح) كالبيضة في يدي احتاج إلى شيء من الضغط عليها فاسحقها، كان قائد القوات العراقية ورئيس الأركان الأردني يوجهون لنا النصح الضاغط. فغداً سيأتي دايان بفرقة مدرعة ويسحقكم، غادروا غور الأردن فأنتم رجال عصابات تتراجعون عندما يتقدم العدو. يومها جرى تعميد قائد للتو فقد قال لهم ياسر عرفات: اني اعلم اني غداً سأطعم لحم جنودي لجنازير الدبابات الإسرائيلية لأعلن ان لا هروب بعد اليوم أمام الإسرائيليين. واني إذ احيي مشهور حديثه قائد الفرقة الأولى على دوره ولكني أريد ان أسأله رداً على شهادته بقناة الجزيرة، لو قبل ياسر عرفات سحب جنوده من الأغوار هل كان سيكون يومها معركة؟، يومها 21/3/1968 خسرنا 93 شهيداً من (فتح) التي كان لديها 422 مقاتلاً بالكرامة وأطرافها وتشاركنا بالمجد مع قوات التحرير الشعبية البطلة الذين قدموا أيضاً الكثير من الشهداء وهزم الجيش الإسرائيلي هزيمة نكراء وترك خلفه مجنزرات لم يتمكن من إخلائها وأعلن الرئيس عبد الناصر تحيته لحركة (فتح) واعترافه بها وأعلن ان المقاومة الفلسطينية لهي أنبل ظاهرة في الأمة العربية وامتلأت الأغوار بثلاثة آلاف من المتطوعين وعرف العالم ان هنالك شعباً فلسطينياً مقاتلاً فتح صفحة جديدة في حياته عنوانها ان تتقدم وتموت أفضل من ان تتوقف وتموت وهكذا انتقل كل الشعب الفلسطيني من حالة اللاجئ إلى حالة المقاتل والتي قادت إلى حالة واسعة من الانتماء الجماعي مما عنى وقتها إعادة توليد الفلسطنة وأصبح بالإمكان إعادة بناء وعيه السياسي الخاص والجماعي وبدء بكتابة فصل جديد في الذاكرة الجماعية فالفرق كبير بين ان يكون الشعب الفلسطيني سماد الثورة وبين ان يكون صانعها ودوت في الأغوار هتافات الفدائيين المجد للكلاشنكوف طريقنا لإقامة الدولة الديمقراطية الفلسطينية على أرض فلسطين.
3)-التجربة المرة عام 1970 (إدراك العامل الدولي):
ان التاريخ سيسجل ان الثورة الفلسطينية، في الأشهر القليلة التي سبقت أيلول، قد عاشت مرحلة شمشون الجبار، الذي انتهى لأن أعداءه نجحوا في القضاء على مركز قوته، ومما لا شك فيه ان الدارس لتجربة ذلك العام سوف يجد ان عوامل ذاتية هي التي مكنت القوى المضادة للثورة من إنجاح خطتها ومخططها. صحيح انه لا يمكننا ولا نستطيع ان نسقط ببساطة ضخامة المؤامرة الخارجية، والتي شارك في التخطيط لها هنرى كيسنجر، إلا أنه لا يمكن السيطرة في الممارسة المباشرة، على ظاهرة لا نعرفها، نظرياً، معرفة صحيحة، أو بشكل أدق، نجد أنفسنا منذ البداية خارج الحالة التي تسمح لنا بهذه المعرفة.
كان عام 1970، أول مواجهة مباشرة علنية على مستوى الإستراتيجية الكبرى بين الإمبريالية وأدواتها إسرائيل والأنظمة الرجعية من جهة، والثورة الفلسطينية من جهة أخرى. في شهر نيسان عام 1970 بلغت الثورة الفلسطينية بالأردن قمة الصعود والقوة، فإذا القوى المضادة تبدأ بهجومها المضاد، فتعرض مشروع روجرز الذي كان الهدف الرئيسي منه عزل المقاومة الفلسطينية عن حليفها الرئيسي مصر الناصرية، ليجري بعد ذلك الاستفراد بالمقاومة وسحقها في الأردن. وفي نفس الوقت يتقدم ضابط بدأ حياته السياسية ناصرياً، وانتهى شقياً يعرض على بعض القوى الفلسطينية فكرة الإطاحة بالنظام عن طريق خلق فوضى بالعاصمة، ليدخل العاصمة بلوائه المدرع الأربعين، فيحتل رئاسة الأركان بدل سحق الجماهير، وجرى مسلسل من الفوضى العشوائي غير المفهوم الا ممن كان عندهم السر، فتم خطف طائرات وإحضارها إلى مطار الثورة وأخذ رهائن أجانب، ولكن اللواء الأربعين لم يأت إلى العاصمة بل تصدى للقوات الفدائية في اربد في الشمال مدعوماً من القوات العراقية.
صحيح ان الأحداث أثبتت ان الأنظمة العربية لا تستطيع احتمال ظاهرة الشعب المسلح، لأن هنالك تناقضاً موضوعياً، بين الشعوب المسلحة والأنظمة، اما لأنها مرتبطة باستراتيجيات خاطئة، واما لان النضال المسلح يوصل الصراع لدرجة من الحدة أرقى وأعلى من درجة حسابات الأنظمة وتوازناتها، فيلجأون الى ضربها بدلاً من التجاوب معها.
ولكن القوى الموضوعية التي كانت متوفرة لم يجرى الاستفادة منها، مع انها كانت كافية جداً، للسيطرة على أهم مفصل استراتيجي بالوطن العربي الأردن، الذي هو بوابة سوريا والعراق والسعودية وفلسطين.
إلا ان الشيء المذهل هو اننا دخلنا معركة المواجهة مع الأردن بدون حليف دولي، أي بدون التنسيق مع الدول الاشتراكية وخاصة مع الاتحاد السوفياتي. لقد كانت أحداث أيلول أول درس عملي للثورة الفلسطينية عن معنى المعادلات الدولية ولعبة الأمم، عن حقائق العصر.
ان إدراك الظرف الثوري الفلسطيني إدراك "الآن" التاريخي، يستتبع فهم ما سلف من التاريخ الفلسطيني، وفهم العلاقات الدولية في تلك اللحظة وذلك "الآن" في ظل الانتقال من السرية إلى العلنية، وفي ظل الانتقال من هدف تحقيق الولادة والوجود للثورة إلى مرحلة احتلال القاعدة الارتكازية، سيطرت علينا روح الاستهانة بالعدو، وغاب عنا ان تاريخ الشعب الفلسطيني مليء بالانتفاضات والتمردات الثورية، ولكن في العشرة أمتار الأخيرة كان الاستعماريون والرجعيون ينجحون مراراً بتعبئة القوى اللازمة للهجوم وتفتيت قواه وهزيمته.
ان المؤرخين لأحداث ايلول سيسجلون ان الجهل بكيفية إدارة التحالفات، سواء داخل الصف الفلسطيني أو على المستوى الدولي الخارجي، قد ترتبت عليه خسارة القاعدة الارتكازية. فالثورة مستحيلة بدون أزمة وطنية عامة، ذلك هو القانون الأساسي الذي أكدته كل الثورات. وعلى أرض تلك الأزمة المتصلة بصراع دولي يمكن حسم القضايا. هذه الوصفة التالية لحدوث انتفاضة كانت متوفرة بشكل تام عام 1970، ولكن استغلال تلك الأزمة كان يتطلب من القيادة الفلسطينية ان تمثل حقاً (الطبقة الوطنية) والتي هي طبقة أردنية فلسطينية عريضة جداً، في الوقت الذي تم فيه فرز الساحة إلى أردنيين مع النظام وفلسطينيين مع المنظمة.
في عام 1945 عقد مؤتمر يالطا، وتقرر فيه شطب الشعب الفلسطيني وإقامة دولة إسرائيل. وذلك حدث بالدرجة الأولى لأنه لم يكن لنا حليف دولي يجلس هناك يتبنى مصالحنا ولو جزئياً. فالحلف الإسرائيلي-الأمريكي لن يوازيه الا على الأقل تفاهم أو حلف عربي-سوفياتي. أو عربي-أوروبي.
الآن، ومن موقع التجربة التي اكتسبناها نستطيع ان ندرك أخطاء الماضي، وعلى رأس تلك الأخطاء ان الخط الصحيح ينعكس في مدى التحالفات الملائمة التي نستطيع إنشاءها، وان على هذه المسألة يتوقف ان تصبح الأقلية أكثرية حقيقية أو لا تصبح. قد يقول البعض ان هذا ليس سوى بديهيات، ولكن الم يكن ديغول على حق عندما قال ان الحرب هي فن تطبيق البديهيات… ولذلك هي صعبة.
4)-مرحلـة النهـوض:
ان حقبة من الردة المضادة للثورة قد بدأت، وسوف تستغرق ما لا يقل عن عشرين عاماً، إلا إذا اندلعت حرب كبرى وزعزعت أركان النظام القيصري، بهذه الكلمات ودع لينين أحد أصدقائه عندما قرر العودة إلى جنيف بعدما عاش "ايلوله الأسود" الروسي، وبقى عشر سنوات ينتظر عودة الظروف الموضوعية.
اذكر انني ذهبت بعد مأساة جرش وعجلون بزيارة للصين، ونقلت للقائد شوأن لاي رسالة من الاخ أبو عمار عن ممر الاختناق الإجباري الذي نجد أنفسنا فيه، ولكم كانت دهشتي عندما علق على شرحي قائلاً.
أبلغ الرفيق عرفات انني درست قضيتكم ووجدت فيها شيئاً محيراً، وهي ان ظروفها الصعبة ولياليها السوداء لا تطول إذا ما استمررتم بالنضال. المهم ان تجدوا جبهة تستمرون فيها بعمل مسلح ذي صوت مسموع. خرجت يومها من ذلك البناء الضخم الى تلك الساحة الفسيحة، مقارنا التحول الذي حدث في الرؤية الصينية خلال عشرة أعوام فقط، والذي هو تقييم وتثمين للشعب الفلسطيني العظيم الذي لا يعرف حدوداً للعطاء.
وفعلاً في جو ضياع القاعدة الآمنة في الأغوار، استعادت القوى المضادة والأنظمة العربية قوتها، بينما كان الإرهاق وخيبة الأمل يسودان أوساط شعبنا في الداخل والخارج. والهزيمة كما هو معروف تولد اليأس والتشكك بين القوى الثورية ورجالها. فالانتهازية اليمينية توجهت فوراً للالتجاء للأنظمة، بينما برزت في إطار اليسار الفلسطيني قوى داخل (فتح) وخارجها فاجأها التحول المفاجئ من المد الى الجزر، (فأخذوا لا يكفون) عن ترداد اللازمة الرتيبة عن سقوط النظام بكل مكان، ومن كان يطالب باستنباط العبر فينبغي إسقاطه.
رغم ذلك لم يصب مفجروا وصانعو عبور الحدود عام 1965 بالهلع بل ضمدوا الجراح وودعوا الشهداء وتراجعوا بانتظام الى جنوب لبنان، الى دفء ثلوج جبل الشيخ.
كان شعبنا في الداخل يعيش صدمة الهزيمة الأولى من ثورة بقاؤها يعتمد على التقدم الدائم، فانكفأ على نفسه لأول مرة. كان وجودنا على ضفة نهر الأردن يجعله يعتقد ان الخلاص على بعد خطوات منه، وفجأة غادر الخلاص وذهب. وفي ظل ذلك الانكفاء المؤقت حقق العدو الصهيوني هدفين كبيرين له، فألحق ضربات مهمة بالعمل المسلح بالضفة، وكاد ان يسحق بشكل كامل الانتفاضة الشعبية المسلحة بغزة، التي حملت العبء عامي 69، 70، إلا أن حركة (فتح) والجبهة الشعبية وقوات التحرر الشعبية تصدت بشجاعة لها.
وهنا ظنت الامبريالية، اننا تلقينا درساً حولنا من ثوار يعيشون لتحقيق هدف إلى ثوار أصبح الحفاظ على حياتهم هو الهدف. فتقدموا لنا بسخاء غريب بمشاريع الدولة الفلسطينية بصورها المتعددة. وفوجئوا بالرفض الكامل لتلك المشاريع. وذلك الرفض لم يكن في حينه موقفاً خاطئاً، بل صحيحاً، لأنهم كانوا يعرضون علينا دولة ونحن نتراجع، لتكون دولة بشروطهم. وقد علمتنا التجربة والممارسة ان الكسب السياسي الذي لا تنتزعه ولا تستطيع ان تحميه ليس كسباً ولا نصراً، لأن العدو يستدرجك فقط إلى كسب مزيف كي يعزلك جماهيريا ويدمر إرادة الصمود لديك ثم يأخذ منك كل الكسب السياسي من جديد، والذي يعطى بسهولة يؤخذ بسهولة.
__________________
أبو الفتح
05-08-2003, 11:21 AM
الواقع ان الفترة بين السقوط والنهوض لم تستمر أكثر من سنتين حتى انتعشت من جديد الحركة الثورية الفلسطينية، وبدأ العمل العسكري يتزايد، وقامت الجبهة الوطنية التي ربطت الخارج بالداخل. وعربياً قامت حرب تشرين التاريخية حيث قام جيش عبد الناصر وجيش سوريا وقوات الثورة الفلسطينية بحرب هجومية أثبتت ان الجيش الإسرائيلي وصل إلى قمة صعوده حيث توقف. وشارك سلاح النفط لأول مرة في المعركة، وانفجرت مشكلة التضخم بالمعسكر الرأسمالي، وحيثما يوجد التضخم يبدأ الصراع والتفكك بين دول الحلف المقدس الموجه ضد الشعوب.
إذا كانت الشجاعة في المعارك تتصل بكفاءة الرجال، فإن نتيجة الحرب تتصل بالفكر السياسي والعسكري الذي يقود. ولا يمكن ان ينسى أحد ذلك التصعيد الفلسطيني للقتال، أثناء وبعد قرار وقف إطلاق النار، في حرب أكتوبر الشهيرة. عندما وقف مندوب العدو بمجلس الأمن يصرخ أوقفوا الجبهة الثالثة التي فتحها الفلسطينيون، لقد قاموا بـ 201 عملية خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة، كان ذلك المندوب يعني من حيث لا يدري ان نتائج أيلول الأسود قد انتهت، وان زمام المبادرة قد استعادته الثورة الفلسطينية.
كان المناضلون الفلسطينيون الثوريون قد تعلموا بأن فن الكفاح السياسي، هو فن الاندراج في الوقت المناسب، وفي اللحظة المطلوبة في سياق موضوعي، وكانوا وعلى رأسهم ياسر عرفات، قد تعلموا كم النصر غالي الثمن كي لا يفرط به، وكم الهزيمة مرة وعالية الخسارة كي لا نتساهل بحدوثها. ومن هنا لم يضيعوا فرصة واحدة لحظة استعادة زمام المبادرة، لاستغلال لحظة تغيير موازين القوى لصالح الفلسطينيين والعرب. وبينما كانت الانتهازية اليسارية تنظر لخط التسوية وخط القتال، كان الثوريون في القيادة الفلسطينية يترجمون اللحظة الراهنة بخط سياسي لبه السلطة الوطنية "الوطنية الفلسطينية"، ويتقدمون لاقتناص الفرص حيث تلزم أحياناً سنوات وسنوات للتعويض عن شهور ضاعت. وهنا، وعلى ضوء التغير في موازين القوى، كان صحيحاً تماماً، تبني شعار الدولة الفلسطينية الذي رفضته سابقاً.
أما الترجمة العملية للواقع الفلسطيني الجديد، فقد عبرت عن نفسها في مؤتمر القمة العربي، حيث أقرت قمة الرباط أن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وانفتح العالم علينا وخاصة الاشتراكي، وهنا صرخ مهندس الاستعمار كيسنجر قائلاً: الغريب أن العرب هم الذين خاضوا حرب أكتوبر بينما الفلسطينيون يجنون ثمارها. وهنا بالذات تراجعت أمريكا عن كل عروضها. وبدأت حربها ضد فكرة الدولة الفلسطينية، لأنها أصبحت دولة ستقوم على شروط الفلسطينيين الوطنية ذات السيادة: ووقف ياسر عرفات داخل الأمم المتحدة يعلن الانتقال من مرحلة المقاتل الفلسطيني إلى مرحلة ولادة الشعب الفلسطيني من جديد، وتجسدت تلك الولادة بأن دخل الرقم الفلسطيني في معادلة المنطقة قسراً، ورغم أنف الولايات المتحدة الأمريكية، وأمام النصر الفلسطيني اضطرت أمريكا إلى نزع قفاز الحرير الذي لبسته مؤقتاً فكانت حرب لبنان، بعد أن أفشلت المناورات الأمريكية دخولنا إلى مؤتمر جنيف.
5)-الحرب اللبنانية ... وحرب كامب ديفيد:
مما لا شك فيه أن المقاومة الفلسطينية لم تؤخذ على حين غرة في لبنان. فأول دروس أيلول الأسود التي تعلمتها المقاومة أن وراء كل عرض أمريكي للتسوية مخطط تصفية للثورة الفلسطينية. ولقد فضح اندرو يونغ، بعد استقالته من تمثيل بلاده في مجلس الأمن، خطط أمريكا في لبنان، حيث قال: لقد كانت سياسة أمريكا منذ العام 1975 في القضاء على منظمة التحرير حسبما خطط كيسنجر، ولهذا جرى تفجير أحداث لبنان. وعلينا اليوم أن نعترف بأن منظمة التحرير ازدادت قوة، وعلينا أن نقر بوجودها ونعترف بها.
إن هذا القول يفسر لنا طول أمد الحرب اللبنانية.
لقد شكلنا منذ بداية الحرب تحالفاً بين القوى الوطنية والثورة الفلسطينية لمواجهة المؤامرة التي كانت وما زالت تهدف إلى تصفية القوى الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية. وكانت السياسة العليا لهذا التحالف تتركز حول تكريس عروبة لبنان. وحماية الوجود الفلسطيني فيه، وإحداث إصلاحات جذرية بالنظام حسب رؤية ومطالب الحركة الوطنية. ولقد مرت ظروف صعبة حافظنا فيها على تحالفاتنا مع القوى الوطنية، رغم عدم اقتناعنا أحياناً ببعض الخطوات والقرارات السياسية، إذ أن التجربة علمتنا أنه فقط عبر التوحد مع القوى الوطنية يمكن صناعة النصر. وأثبتت الأحداث صحة هذه المقولة، فلولا الحركة الوطنية ممثلة الشعب اللبناني العظيم الذي حمانا بالصدور قبل الدور، لما تمكنت الثورة الفلسطينية من الاستمرار والصمود. وبمقدار ما أثبتت الأحداث أن سوريا، رغم قوتها وتاريخها لا تستطيع التقدم خطوة بدون حلفائها التاريخيين وأن القوى الانعزالية لا يمكن استغفالها. فقد ثبت أيضاً أن الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية لا تستطيعان التقدم وتغيير الواقع في لبنان بدون سوريا. إن التاريخ سيسجل مستقبلاً أنه ما من أحد تحمل وعانى من أجل فلسطين كما تحمل وعانى شعب لبنان وأرض لبنان. ولكن التاريخ سيسجل أيضاً أن حرب الإبادة والتدمير التي نظمتها أمريكا وإسرائيل ضد فلسطينيي لبنان، على حساب لبنان، فالتوطين والوطن البديل أفكار إمبريالية رفضها الشعب الفلسطيني منذ النكبة، ومن يعمل على إطفاء شعلة النضال المسلح الفلسطيني يعمل في النهاية على تنفيذ مخطط التوطين.
بعد مؤتمر الرياض ظن كثيرون أن ذلك المؤتمر هو نهاية مطاف الحرب اللبنانية. واذكر بعد العودة من الرياض يوم أن وفقنا طويلاً في غرفة العمليات المركزية أمام تعليق كيسنجر على المؤتمر عندما قال: سينعم لبنان خلال سنوات قليلة بالأمن والاستقرار. لماذا لم يقل خلال أشهر قليلة؟ … لقد اتضحت الأمور أن أمريكا لا تريد حلاً للبنان قبل انتهاء مخططها الرامي إلى إعادة السيطرة، وإحكام القبضة على منطقة الشرق الأوسط، عبر مخطط اتضح تماماً بعد كامب ديفيد.
بمجرد ما أن توقفت حرب الأشقاء بين سوريا والقوى الوطنية الفلسطينية واللبنانية، حتى عوقبت سوريا ومنع الردع من اجتياز خط الزهراني النبطية من الانتشار بكل المناطق. وبينما كان الفلسطينيون يطبقون اتفاقية القاهرة بالانسحاب نحو الشرق، قام الإسرائيليون، بغطاء انعزالي، في أوائل عام 1977، باحتلال الطيبة والخيام ورب ثلاثين والناقورة، وأطبقوا على بنت جبيل والعيشية كخطوة على طريق الاتصال بجزين. وقمنا يومها بحضور ضابطين كبيرين من سوريا باسترداد السيطرة على تلك المناطق. وأتت بعد فلك حرب الجنوب الكبرى، حيث فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق هدفه الاستراتيجي باحتلال صور وسحق مخيمات اللاجئين الفلسطينيين.
لقد صمتنا حول دخول قوات الأمم المتحدة إلى الجنوب، لعلها تشكل حاجزاً في وجه المطامع الإسرائيلية بالجنوب اللبناني. ولكن إسرائيل منعت الجيش اللبناني وقوات الطوارئ من سد الممر الذي يجعل إسرائيل تصل إلى نهر الليطاني. وقد فضح ذلك السناتور الأميركي ساوندرز، الذي قال في خطاب أمام لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، أن وضع حل لتوزيع المياه الإقليمية شرط لوضع حل لمشكلة الجنوب اللبناني.
إن سقوط الشاه في إيران، وصمود شعبنا الأسطوري ووحدته الوطنية داخل الأرض المحتلة وخارجها، قد خلقت معادلة جديدة بجنوب لبنان وفي كل المنطقة، فبدلاً من الانسحاق بالجنوب تراجعت إسرائيل، وحققنا نصرنا الجديد وهو اقتحام أوروبا الغربية. فالصمود الفلسطيني واللبناني والعامل الإيراني والموقف التاريخي لقمة بغداد جعلت أوروبا تدرك أن كامب ديفيد لا يشكل حلاً يمكن فرضه بالقوة. والحرب اللبنانية التي كان مطلوباً منها أن تحل المشكلة أصبحت هي المشكلة.
أبو الفتح
05-08-2003, 11:23 AM
6)-الاستقلالية الفلسطينية تحمي نفسها من المنطق الإقليمي العربي:
عند دراسة الوضع الذي آل إليه الوضع السياسي الفلسطيني يجب ان نتجاوز بعض المعطيات المباشرة للأزمة وننظر إليها في سياق تطور عام، بمعنى ان التطور كان سيقود حتماً إلى ظهور واقع محدد.
منذ عام 1968 تسلمت حركة (فتح) مسئولية منظمة التحرير الفلسطينية وأخذت تكيف نفسها للتواجد في الدائرة القومية ممسكة في العامل العربي منحازة للعسكرية العربية متخذة الحياد بالنسبة للتناقضات العربية.
عام 1965 انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة فتصدت منفردة للتحدي الإسرائيلي رغم مناخ الهزيمة الذي ساد عام 1967 إلى ان جاءت حرب الاستنزاف المصرية وبدأت تلوح في الأفق ولأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي إمكانية عمل عربي مشترك ذي طابع هجومي ضد التحدي الإسرائيلي مما قاد إلى تفجر حرب 1973 المجيدة، ولكن تحت قيادة السادات الذي خاض الحرب بأفق سياسي يختلف عن الأفق السياسي الذي كان عبد الناصر يخوض مواجهة التحدي في ظله.
تبلورت في البداية لقاءات لفك الاشتباك على الجبهتين السورية والمصرية مما قاد الى انعقاد مؤتمر جنيف عام 1974 حيث كان متفقاً على حضور مصر وسوريا والأردن للمؤتمر فقاومت منظمة التحرير الفلسطينية استثناءها من حضور المؤتمر كما حدث في مؤتمر لوزان.
طرحت يومها فكرة الوفد الموحد وطلب العرب في مصر ودمشق من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير إيجاد صيغة سياسية يمكن الدفاع عنها وتمكن من مشاركتها كممثل للفلسطينيين في الوفد الموحد. فاجتمع جميع قادة فصائل العمل الفلسطيني المشاركة في منظمة التحرير آنذاك وبعد نقاش دار حول المطلوب واحتاج الى أكثر من ثلاثمائة ساعة توصل المجتمعون الى برنامج النقاط العشرة حيث تم الاتفاق على إقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي أرض يتم دحر الاحتلال عنها وتحريرها، فكان قراراً قطرياً في إطار قومي.
وفي هذا السياق فإن سياسة كيسنجر القائمة على سياسة الخطوة خطوة والاستفراد بمصر وتحطيم منظمة التحرير الفلسطينية العاملان اللذان يغيران موازين القوى في مواجهة التحدي الإسرائيلي، حالت دون انعقاد مؤتمر جنيف وجرى بدلاً من ذلك تفجير الوضع الداخلي في لبنان لاشغال المقاومة بها وجرت صراعات ليبية مصرية، وكردية عراقية، وسورية تركية. وبذلك غابت فرصة نادرة لاستثمار نتائج الحرب بالطاقة القصوى.
عام 1975 توصل السادات إلى أسس بدء المفاوضات الثنائية المصرية الاسرائيلية الأربعة وهي:
1-إسرائيل ستنسحب إلى الحدود الدولية لمصر مع فلسطين.
2-إزالة جميع المستوطنات من الأراضي المصرية.
3-لا ربط بين التقدم على المسار الفلسطيني والمسار المصري.
4-قيام السادات بزيارة للقدس وإلقاء خطاب في الكنيست.
وبذلك تخلت مصر الساداتية عن الأفق السياسي الناصري المتجسد بخط سياسي واضح (القدس قبل سيناء) معتبراً ذلك هرطقة سياسية ومصمماً على ان سيناء طريق القدس، متناسياً انه مثل هرطقة سياسية كبيرة على المستوى القومي.
باتخاذ مصر سياسة ذات وجهة إقليمية هدفها إحلال السلام المنفرد مع الإسرائيليين خرجت مصر من ساحة المواجهة تاركة إسرائيل تستفرد بالفلسطينيين، ولقد انتفى بذلك هدف العرب المشترك في (إزالة أثار العدوان)، وحاول الرئيس ياسر عرفات إقناعه بالتمهل فالثورة الإيرانية على الأبواب ويمكن بعد حدوثها زيادة المطالب السياسية ولكنه أبى ذلك ووقع اتفاقية كامب ديفيد مطلقاً يد إسرائيل وأمريكا بالمنطقة وانفرط عقد التضامن العربي الحقيقي وأصبح واضحاً للعرب جميعاً ان السلام مع إسرائيل غير ممكن بالتمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية التي لا بد من القضاء عليها لإنهاء ما بقي من ارث للحركة القومية العربية وعاد المنطق الإقليمي البغيض وتصدت (م.ت.ف) لوحدها لحرب 1979 وصدت 34 ألف جندي إسرائيلي واستطاعت عام 1981 ان تفرض على إسرائيل طلب الهدنة لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
7)-حصـار بيـروت:
لقد قررت إسرائيل ومن ورائها (هيج) وزير خارجية أمريكا الذهاب الى بيروت وتدمير البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية وقطع رأسها، فاتفاق كامب ديفيد اتفاقاً غيَّر وجهة مصر من الشرق الى الغرب وأصبح في متناول اليد لدى المخطط الإستراتيجي لحلف الأطلسي جميع الشروط لإعادة واحتواء كل المنطقة عبر إزالة العامل الفلسطيني من المعادلة الإقليمية شرطاً إسرائيلياً للتعامل مع المنطقة وهكذا جاء الهجوم الإسرائيلي عام 1982 والذي كان مقرراً له أن يصل إلى بيروت قبل ان يبدأ. وقام الرئيس ياسر عرفات منفرداً ويرافقه أحياناً أخرى أبو جهاد وأبو الوليد وأنا مستشاره السياسي لنقل المعلومات المتوفرة ولكن الشقيق السوري والصديق السوفياتي كانوا يرفضون تصديق المعلومات لأنهم يريدون التهرب من مواجهة القرار الدولي الذي اشترط لحل مشاكل المنطقة السياسية والاقتصادية إنهاء وجود منظمة التحرير الفلسطينية العسكري فوق الأراضي اللبنانية لأنها تقاتل بهدف كبير جسده القائد العام ياسر عرفات عندما سأله فيليب حبيب عبر السفير السوفياتي الى أين يريد الخروج؟ فكان رد عرفات الى القدس.
إن ظاهرة الهروب من التضامن العربي ومن تحمل المسئولية المشتركة مع النظام الفلسطيني تجد جذورها في إطار الترتيبات التي تحكمها المنطلقات الإقليمية الذاتية للنظم العربية، ويكمُن وراءها توسيع رقعة النفوذ بالنسبة لذلك البلد، مبررين ذلك بأنه سيحول الدولة القطر الى (الدولة المركز) والتي ستكون أقدر على مواجهة إسرائيل بعدما يزداد نفوذها. وبذلك كان على ياسر عرفات وقيادة (فتح) ان تثبت مرة أخرى قدرتها على تعويم نفسها في وسط الصواعد والهوابط الخطرة المسماة بالسياسة العربية عندما تصبح إقليمية متمحورة على الذات.
الحركة الوطنية الفلسطينية عملت دائماً على الانسجام مع أية إستراتيجية عربية مشتركة موجهه ضد إٍسرائيل، وعندما تفتقد تلك الإستراتيجية تتحمل المسؤولية وحدها. إلا انها ووجهت دائماً بمخطط لابعادها عن الحدود العربية. فقد بدأ هذا المخطط عام 1968 بمعركة الكرامة وعام 1970 بأيلول الأسود، ثم جاء مطاردتها بلبنان وجاء كامب ديفيد وجاء التخلي العربي الرسمي أثناء خوض معركة حصار بيروت التي كان يمكن الحاق هزيمة تاريخية بالجيش الإسرائيلي لو ان سوريا تصدت منذ البداية للهجوم الإسرائيلي. وفي عام 1983 أزفت ساعة الحسم للإجهاز على (فتح) لإقامة منظمة تحرير بديلة في دمشق وشاهدنا لأول مرة الفلسطيني يقاتل أخاه الفلسطيني في المخيمات وقاتل أصحاب القرار الوطني المستقل دفاعاً عن (م.ت.ف) وبقائها ممثلاً شرعياً وحيداً أبو موسى وغيره ممن كانوا صوت من يريدون دفن إنجازات الجيل الفلسطيني الراهن، واصبح الفلسطينيون مهددين من العودة إلى تلك الفترة التي سبقت إنشاء المنظمة حيث كان الغير يتكلم باسمهم دون التمسك بقضاياهم.
لولا الانتماء الصادق للشعب الفلسطيني بكل أماكن تواجده للنظام السياسي الفلسطيني والذي تجسد بمنظمة التحرير الفلسطينية والتي تحولت الى وطن معنوي لكل الفلسطينيين وترادف ذلك بالانتفاضة التاريخية التي لم تكن عظيمة بادائها فقط وانما أيضاً بولادتها بلحظة إخصاب دولية فأقنعت العالم وعلى رأسهم الحركة الصهيونية وأمريكا بأن الشعب الفلسطيني لن يهزم ولا بد من التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي والوحيد له. والإقرار بالحقوق الوطنية للفلسطينيين.
8)-الحصــاد:
حوار طويل دار داخل (فتح) بين المدرسة التي تريد رفع شعار ثورة حتى الاستشهاد بالتركيز على التضحية بالنفس كهدف وبين التيار الآخر الذي اعتبر الشعارات مدخلاً أساسياً لتثقيف الشعب وانه علينا ان نعلم الشعب حس الكلمة ودقة المعنى.
لقد رفضت (فتح) شعار ثورة حتى الاستشهاد أو حتى الموت إذ أنه من المسموح للأفراد ان يستشهدوا ولكن ليس للثورة أو للقضية. ولذلك رفعت (فتح) شعار ثورة حتى النصر، فكررت منذ انطلاقتها مبدأ الزرع والحصاد. فالنضال المسلح يزرع والنضال السياسي يحصد ومن لا يحصد لا يزرع، ومجرم من يضحي بالدماء الفلسطينية والعربية ويرفض أن يحصد.
وضع مقولة الزرع والحصاد موضع التنفيذ أمر بالغ التعقيد بسبب افتقاد الأرض والنصر العسكري الذي لا يستثمر لا يفرق عن الفشل.
حرب 1973 كانت بالنسبة للعرب آخر الحروب مع إسرائيل وشكل استمرار المواجهة المسلحة الفلسطينية اللبنانية مع الإسرائيليين تفوقاً معنوياً مهماً على النظم العربية فبادروا الى مساعدة منظمة التحرير على كافة الجبهات باستثناء العسكرية منها، وأجاد ياسر عرفات اللعب على التناقضات العربية فحفظ التوازن المطلوب للاستمرار ولم يحن الوقت بعد كي نروي قصص الكيفية التي تمت فيها إنجاز التحولات السياسية للدول الأوروبية والأفريقية والآسيوية والإسلامية ودول أمريكا اللاتينية.
لقد ثبت بشكل واضح مدى الأهمية التاريخية لولادة الميثاق الوطني الفلسطيني حيث كان حدثاً بارزاً على طريق إعادة بناء الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني وإرساء العلاقة الفاعلة بين الوطني والقومي محدداً بوضوح ان منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني أينما وجد، معرفاً الفلسطيني على انه من ولد أو انحدرت سلالته من اب فلسطيني وان كل فلسطيني عضو طبيعي في المنظمة. ولولا تجسيد تلك الكيانية الفلسطينية لما كان بالإمكان تحويل الكفاح المسلح وتضحياته إلى إنجازات سياسية كالحصول على الشرعية الدولية والتي تجسدت بقرار الأمم المتحدة بتاريخ 22/11/1974 الذي اعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره دون أي تدخل خارجي وحقه في الاستقلال الوطني والسيادة والعودة واستخدام جميع الوسائل للوصول إليها وحقه في المشاركة في جميع مؤسسات الأمم المتحدة، وأعطته هذه الحقوق صفة الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف أو السقوط بفعل الزمن وحدث ما لم يحدث من قبل حيث أمست حركة التحرير الوطني الفلسطينية المشهرة للمواجهة المسلحة عضواً مراقباً في الأمم المتحدة.
أبو الفتح
05-08-2003, 11:24 AM
فتـح .. المسيـرة والجـذور ... تتمة
وفي نفس العام 1974 تم الحصول على اعتراف جميع الدول الأعضاء في الجامعة العربية بالمنظمة ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني. فأصبح للحركة الوطنية الفلسطينية مضموناً وشكلاً مؤسساتياً هيئا لولادة النظام السياسي الفلسطيني الجديد ولو بصورة جنينيه، والذي تبلور بمؤسسة تشريعية هي المجلس الوطني الفلسطيني وتنفيذية وقضائية في ظل غياب السيادة على الأرض، وتم تنظيم الشعب الفلسطيني وتأطيره ورعايته (قدر الإمكان) اجتماعياً وتعليمياً وصحياً، وتأمين حقوقه الأساسية على صعيد التنقل والعمل والإقامة في ظروف اقتضت ممارسة توازنات على الساحتين العربية والدولية بالغة الدقة، وفي ظل الاحتلال والعمل على دحره، فتم في إطار منظمة التحرير الفلسطينية توفير أرضية سياسية رسختها الفصائل الفدائية (الأحزاب السياسية) كعامل إقليمي قائم بذاته، فقام بذلك وطن معنوي للشعب الفلسطيني ذو دلالات سياسية كبيرة، فوضع الفلسطيني قدميه على طريق التحول من (حالة) إلى (قضية) أي من ماضٍ إلى مستقبل.
بعد النكبة الأولى سئل جون فوستر دالاس عن الفلسطينيين فأجاب بأن الفلسطينيين ضاعوا بين إقدام الفيلة في يالطا فالذين غادروا سيموتون بالخارج ومن سيولدون في الخارج لن يتعلقوا بفلسطين لأنهم لا يعرفونها وسيتعلقون بالأوطان التي ولدوا فيها. وبعد نكسة عام 1967 وصلت الطموحات الصهيونية الى مداها وعندما سئلت جولدا مائير عن مستقبل الفلسطينيين تساءلت أين هم الفلسطينيون انى لم أسمع بهم.
واليوم وبغض النظر عن الاختلاف في وجهات النظر بالعملية السلمية الا ان الفكر الصهيوني يواجه مأزقاً غير عادي الا وهو سقوط أحلامها مما يعني سقوط عالم وقائعها وحقائقها. فالفلسطيني الذي هو نقيض الصهيوني يعود إلى الخارطة السياسية، فقد أمسى واضحاً وواقعاً لا خلاف حوله ان القرن الواحد والعشرين سيكون قرن ولادة الدولة الفلسطينية وسيصبح بذلك للقضية الفلسطينية أرضاً وسيتوقف بسبب ذلك انتشار الفلسطينيين نحو الخارج وسيتحولون للانتشار نحو الداخل مسقطين بذلك المقولة الصهيونية (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض).
لقد كتب حاييم وايزمن بمذكراته ان بريطانيا وعدته بتسليم فلسطين خالية من السكان قبل عام 1930. واليوم يتجاوز عدد الفلسطينيين فوق أرض فلسطين فقط الأربعة ملايين وهو في تزايد يومي وتم إرساء مؤسسات الدولة الجنينية في الضفة والقطاع من بلديات وجامعات ومدارس ومستشفيات ومشاريع صحية وسكنية. الا ان الأهم هو ان فكرة التعددية تكرست كأساس للعلاقات بين القوى السياسية في إطار حرية التفكير والتعبير، وأغنت في أعماق الشعب الفلسطيني قيم الانتماء الوطني والتي أخذت تدريجياً تدفع الانتماءات الضيقة كالقبلية والعائلية إلى الخلف، حيث تجلت تلك الحقيقة في انتخابات المجلس التشريعي، حيث قطع الشعب شوطاً مهماً على طريق إقامة إطار الدولة القومية عبر الإنجاز الهام في التقدم عدة خطوات على طريق صهر التجمعات الفلسطينية المتناثرة في الضفة والقطاع.
تقييم أي تجربة تاريخية يقوم على تقييم النجاح أو الفشل على صعيد المنظمومة الفكرية أو على صعيد الإدارة والتوجيه وإما على الصعيدين معاً، فقدرة حركة ثورية على تحقيق أهدافها ليس قضية نظرية بل هي في نهاية المطاف قضية عملية.
ومن الطبيعي ان تثير التجربة الفتحوية نقاشات حادة وان ينقسم المهتمون بين مؤيد ومعارض وكيف لا وقد واجهت عدواً يعني التصدي له التصدي للعالم. وكيف لا وقد قررت حركة (فتح) الناشئة قبل أكثر من أربعين عاماً إسقاط خارطة سايكس بيكو عبر إسقاط الفكر الصهيوني أولاً وإسقاط الصهيونية كواقع بإقامة السلطة الوطنية ودولة فلسطينية في أرض فلسطين كخطوة على طريق إقامة الدولة الديمقراطية الفلسطينية في كل فلسطين. ومؤرخ المستقبل سيقف بدون شك ناقداً، سلباً وإيجاباً، ولكنه لن يستطيع إلا التعبير عن الإعجاب بتلك الكوكبة من قادة تحالف منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة (فتح) وعلى رأسهم تلك الظاهرة التي اسمها ياسر عرفات والذي استطاع ان يواجه النوء العاصف في منطقة إيقاع التاريخ فيها خاضع للتسارع الحاد كما هو خاضع للتباطؤ الحاد أيضاً وعند كل تغيير في سرعة الإيقاع يُلقي جانباً ببعض المشاركين. ولم يستعص على تلك القاعدة إلا الفلسطينيين وعلى رأسهم ياسر عرفات الذي كانت مهمته انتظار لحظة الحصاد الفريدة التي أصبح تحديد موعدها بيد العامل الدولي فقط، بعدما أوقفت النظم العربية العاجزة المواجهة العسكرية مع إسرائيل وتُرك الفلسطيني يواجه وحده، فاستطاع تجاوز التصفية الجسدية والسياسية في حصار بيروت يوم تخلى عنه الصديق والشقيق (ما عدا فرنسا والمملكة العربية السعودية)، وأنجز أهم حدث سياسي وهو توقيع الاتفاق الأردني الفلسطيني عام 1985، باعتبار ذلك الحدث نصف الطريق لإقامة الدولة الفلسطينية على اعتبار ان قيامها يتطلب توقعين، عربي يوقعه الأردن ودولي توقعه إسرائيل.
وبينما كان الفتحويون يستعدون للمواجهة الكبرى لانتزاع الإقرار الدولي بقيام الدولة الفلسطينية في إطار مؤتمر دولي يتوازن فيه الأمريكي والسوفياتي. فإذا بهم يتفاجؤون كما تفاجأ كل العالم بتسارع إيقاع التاريخ على مستوى العالم عبر سقوط إمبراطورية الاتحاد السوفياتي الأمر الذي قاد حكماً الى سقوط التوازن الدولي على مستوى العالم، مما أتاح الفرصة للأمريكيين لشن حرب الخليج والدخول الى الوطن العربي ليتحول الشرق الأوسط إلى بيت أمريكي لم يعد أصحابه الجدد يقبلون إشعال الحرائق به.
مرة أخرى لم يتمكن إيقاع الأحداث الجديد المتسارع والمتباطئ في الشرق الأوسط من أن يلقي الفلسطينيين جانباً حيث استطاعوا بقيادة الظاهرة ياسر عرفات من ان يؤمنوا مقعداً وتواجداً على طاولة مؤتمر مدريد فأصبح وجودهم على الخارطة السياسية في الشرق الأوسط أمراً غير قابل للجدل.
مرحلة الكفاح السياسي التي بدأت بتوقيع اتفاق أوسلو أثارت إنقساماً طولياً في وسط الشعب الفلسطيني وقواه السياسية وفي داخل حركة (فتح) وخارجها، والمعركة السياسية مازالت مستمرة الا أن نتائجها سيكون لها تأثيرات واسعة إما سلبية أو إيجابية ولا أريد اليوم ان أخوض فيما لم يصبح بعد جزءً من التاريخ.